أخبارتقارير وتحقيقات

أكثر من مائة يوم.. انقلاب السودان يعمق معاناة «الغلابة»

خلف انقلاب قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في 25 اكتوبر 2021م، تأثيرات بالغة على حياة السودانيين عموماً، وجعل مئات العائلات الفقيرة «الغلابة»، تفقد مصادر رزقها بسبب تداعيات الإجراءات الاستثنائية التي يتخذها الانقلابيون في مواجهة المناضلين ضد الانقلاب.

التغيير- فتح الرحمن حمودة

بعد مرور أكثر من مائة يوم، على انقلاب الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان على السلطة المدنية بالسودان في 25 اكتوبر الماضي، لازالت التأثيرات تترى وتتوالى على المواطن السوداني في كل أشكال حياته اليومية.

أكثر من ثلاثة أشهر عاشها السودانيون تحت ظلال السلطة الانقلابية، تركت وراءها تأثيرت كبيرة على معاش فئات الشعب المختلفة، لاسيما الطبقات الفقيرة من المواطنين بالعاصمة الخرطوم، ووضعتهم أمام محك صادم.

«التغيير» استطلعت أحوال بعض المواطنين من «بائعات الشاي، أصحاب المحلات الصغيرة وسائقي الركشات»، الذين تأثروا بانقلاب الجيش وتداعياته، مما أدى إلى انقطاع أرزاقهم في الوقت الذي تمر فيه البلاد بوضع اقتصادي عسير، مع تواصل الاحتجاجات رفضاً للانقلاب وقراراته.

انقطاع مصدر الرزق

كثيرون انقطع مصدر رزقهم، بسبب تواصل الاحتجاجات منذ 25 اكتوبر الماضي، ولجوء السلطات الانقلابية إلى إغلاق الطرق واستخدام العنف المفرط تجاه الثوار، مما يدفع بكثيرين إلى تجنب الخروج من منازلهم، وتعطيل الأعمال في أيام المواكب والاحتجاجات.

«الحاجة عائشة»- بائعة شاي- وهي مهنة باتت مصدر رزق أساسي لكثير من الأسر في ظل الوضع الاقتصادي الضاغط بالبلاد- كانت تحمل أدواتها صباح كل يوم لتعود آخر اليوم باحتياجات أبنائها، لكن هذا الوضع تغير بعد انقلاب 25 اكتوبر.

تقول عائشة بلغة بسيطة لـ«التغيير»: «قبل الانقلاب كان شغلنا كويس وكراسينا مليانة بالزبائن، لكن الليلة بقى كيلو السكر بيقعد معانا يومين حتى يخلص». الانقلاب غير الحال وافقدهم الزبائن.

وأضافت: «تعودنا على التوقف عن العمل في أيام ونحن نعلم أنه ليس هنالك من يؤمن مصدر رزقنا».

من جانبها- قالت أحد الأصوات المشتكية- تعمل في كشك بائعة للشاي، فضلت حجب اسمها- إن الانقلاب أثر على عملها اليومي، وجعلها تتوقف عن العمل أحياناً كثيرة.

وأضافت: «رغم ذلك كانت تأتي أمي للعمل في الفترة الصباحية وحتى الظهيرة لكسب رزق اليوم، بينما أنا أذهب للمشاركة في التظاهرات».

تأثيرات واسعة

أحمد الصادق- صاحب طبلية قال لـ«التغيير»، إن الانقلاب خلّف تأثيرا على أعمالهم اليومية، وأضاف: «تعودنا على عدم العمل أيام المواكب المعلنة، وليست لي علاقة بما يحدث وإنما خوفا على سلامة نفسي»، وتابع: «لكن الحل في البل» وهي عبارة دارجة معناها حل المشكلة السياسية يجب ان يكون بصرامة وحزم.

فيما أكد سائق «الركشة» عبد الفتاح، أن الانقلاب أثر على نشاطهم مباشرة من خلال الأزمة الاقتصادية التي صاحبت الأمر، وقال إن تلك الأزمة أدت إلى ضعف الحركة الطبيعية لزبئانهم مع تزايد في أسعار قطع غيار «الركشات» والوقود يوماً تلو الآخر.

وذكر أن الضائقة المعيشية ما بعد «25 أكتوبر»، غيّرت سلوك أصحاب «الركشات» في المواقف بشكل سلبي، مما أدى إلى انتشار ظاهرة «الجب» وهي تجاوز الصفوف للشحن مما أدى إلى الكثير من المشاكل والعنف وقفل الطريق وعدم النظام في المواقف.

محمد الناير

تعطيل النشاط

ويؤكد الخبير الاقتصادي د. محمد الناير، أن هنالك أثر اقتصادي كبير بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني، واعتبر في حديثه لـ«التغيير»، أن ذلك يمثل العقبة أمام تحقيق الاستقرار الإقتصادي، وأشار إلى ما يحدث الآن من اضطرابات أمنية، وقال إن عدم التوافق السياسي يؤثر على مجمل الأوضاع الاقتصادية في البلاد.

ورأى الناير أن التظاهرات المستمرة تعطِّل مصالح الناس خصوصاً المرتبطين بعمل اليومية، وقال إن ذلك يؤدي إلى تعطيل النشاط الاقتصادي وبصورة كبيرة على معاش الطبقات الفقيرة من المواطنين.

وذكر الناير أن المخرج السليم من هذه الأزمة هو ضرورة حدوث توافق وتنازل، والإتفاق على المرحلة المتبقية من الفترة الانتقالية بقيادة حكومة كفاءات مستقلة، وقال: «إذا استمرت حالة عدم الاستقرار يمكن أن يتأثر الاقتصاد السوداني بصورة كبيرة ويصعب معه المعالجة في المرحلة المقبلة».

المحلل الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي

انسداد الأفق

من جهته، أقر الباحث الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي، بأن البلاد في حالة أزمة داخلية اقتصادية وسياسية، وعزلة خارجية خانقة، تمخضت عن الصراعات بين الأطراف سياسية، وأدت جميعها إلى انهيار الوضع الاقتصادي.

وأكد فتحي لـ«التغيير»، أن التباطؤ في التوصل إلى اتفاق سياسي شامل واستقرار أمني من شأنه أن يهدِّد الوضع الاقتصادي بشكل أكبر مما هو عليه.

وقال إن هنالك صعوبة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي ما لم يتحقق الاستقرار السياسي والأمني، وأضاف بأن انسداد الأفق السياسي في البلاد يُعقِّد المشهد بصورة كبيرة، ويلقي بظلاله على مجمل الأوضاع الاقتصادية.

وأكد فتحي أن المواطن السوداني البسيط هو الذي يدفع فاتورة كل ذلك، وأنّ كل ما يعنيه توفير حياة اقتصادية كريمة ومستوى معيشي جيد وأسعار في متناول يده.

الاختصاصي الاجتماعي د. احمد هاشم

مردود إجتماعي

بدوره، أكد الاختصاصي الإجتماعي د. أحمد هاشم، أن هنالك مجموعة من التأثيرات المباشرة للانقلاب على المستوى الخارجي، أدت لتأثير مباشر على المجتمع، وذكر على سبيل المثال توقف برنامج دعم الأسر السودانية «ثمرات» ورغم أنه لم يغطِ كل الفئات الضعيفة ومحدودة الدخل لكنه أسهم في رفع المعاناة عن جزء كبير من الأسر.

وقال هاشم لـ«التغيير»، إنه أصبح هنالك ضعف في الإنتاج لانشغال الجميع بالتظاهرات، لأن الحكومة الإنقلابية ساهمت في رفع أسعار الحاجات الضرورية والتي يعتمد عليها معاش الناس.

ورأى أن تأثيرات الانقلاب الاقتصادية أدت إلى خلق بعض المشكلات الاجتماعية مثل زيادة البطالة في البلاد بنسب عالية، وكذلك التفكك الأسرى لغياب الاقتصاد المتين والانسحاب من المدارس بسبب عدم توفير الأسر مستلزمات أبنائهم وزيادة ظاهرة التسول وغيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى