أخبارأعمدة ومقالات

قراءة آنية مختصرة في دفاتر الثورة السودانية

بكري الجاك

قراءة آنية مختصرة في دفاتر الثورة السودانية

بكري الجاك

سأتحدث عن ثلاث قضايا مرتبطة ببعضها البعض ومتشعبة باختصار قد يكون مخل، فكل واحدة من هذه القضايا يمكن أن تتسع إلى مقال طويل بتأسيسات نظرية وخلاصات عملية من واقع دينامكيات حراك الثورة السودانية.

أولاً طبيعة النظام الذي يتخلّق أمام أعيينا ليس بالإنقاذ 1 (1989 إلى 1998) نظام الإسلاميين ما قبل المفاصلة والوصول إلى خلاصة أن فكرة الدولة الدينينة وتنزيل قيم السماء على الأرض فكرة غير قابلة للتطبيق، وهي ليست بالإنقاذ 2 (1998 إلى 2002) الفترة التي شهدت تصدير النفط وتوظيف القبلية لتكوين قاعدة إجتماعية للسلطة بعد المفاصلة، كما هي ليست بالإنقاذ 3 (2003 إلى 2011) وهذه هي الفترة التي بدأت تظهر فيها رفاهية تصدير النفط على بعض شرائح المجتمع مع حدوث استقرار نسبي في الاقتصاد الكلي كنتيجة للاستقرار السياسي والقبول الدولي الذي أتى عقب توقيع اتفاق السلام مع الحركة الشعبية وبعض الحركات المسلحة في دارفور، أيضاً طبيعة هذا النظام لا تماثل الإنقاذ 4 (2012 إلى 2018) الفترة التي أعقبت انفصال الجنوب وفقدان عائدات النفظ وتحول المؤتمر الوطني إلى محض نادٍ للنهب المنظم.

طبيعة النظام تشابه تلك الفترة إلا أنها تتفوق عليها في أن ما يتخلّق أمام أعيننا هو نظام سياسي يتم تصميمه على نسق تصورات بوتين لعالم الحرب الباردة في الألفية الجديدة.

جوهر هذا النظام وبالضرورة طبيعته، تقوم على أساس ضرب كل القويى الحية في المجتمع ذات التطلعات الديمقراطية عبر أدوات السلطة العنيفة والباردة، العنيفة هي ما تقوم به سلطة الانقلاب من عسف وقهر وقتل ممنهج، أما الأدوات الباردة هي تصعيد الخلافات وشق الصفوف وزراعة الشكوك بين مكونات المجتمع من أجل اضعافه وافقاده القدرة على التوافق على المسلمات والبديهيات حتى هويته المشتركة التي هي في طور التخلّق، ويتم هذا بخلق حالة من الغوغائية تجعل من أي حوار بناء أمراً مستحيلاً. وفي هذه الأثناء يتم بناء نظام من أقليات ممسكة بزمام الاقتصاد في شكل شبكات وكارتيلات تعمل في تناسقٍ تام مع شبكات مصالح إقليمية ودولية.

يمكن رؤية نموذج هذا النظام في قمته في الكونغو، فهو نظام غير معني بإدارة بشؤون الحكم من توفير للسلع والخدمات وحفظ الأمن، هو فقط معني بالحفاظ على السلطة وتوظيف جهاز الدولة كواجهة لكسب شرعية إجتماعية وسياسية لإدارة مصالح الكليبتوكرات من Kleptocracy وهي دائرة ضيقة تغتني من موارد الشعوب، ذهب ودياموند وغيرها، وتعتمد على إدارة نظام اقتصاد ريعي تكون فيه العوائد سريعة حيث لا يحرص على إقامة أي استثمارات في البنيات التحتية ولا في التعليم ولا الصحة. باختصار خروج الدولة من الحياة بالكامل ويمكن حتى وصفه بموت الدولة (ما لم يحلم به حتى عتاة النيوليبراليين) وتحولها إلى مجرد جهاز ريعي متسلِّط يستثمر في بيع، وليس استخراج، حتى الأوراق الثبوتية التي هي أساس المواطنة.

ثانياً، عبر التاريخ لا يوجد حراك اجتماعي شمل كل المجتمع، بل الطبيعي في الحراكات الاجتماعية الكبرى أن يكون هنالك معارضون وهؤلاء سيصبحون القوى المحافظة حينما يتخلق نظام اجتماعي جديد بتجليات سياسية. الثورة السودانية الآن اعتقد أنها تعبِّر عن الغالبية العظمى من السودانيين إلا أن المنخرطين فيها بفعالية نسبة قد تكون عالية في مجموعات عمرية من الشباب وبشكل محدود في مجموعات عمرية أخرى.

هنالك عامل الوجود الجغرافي الذي يشير إلى أن هذا الحراك حراك حضري وهذه ليست منقصة ولكنها ضرورة تاريخية كما كتبنا في السابق. المهم هو كيفية تطوير خطاب يعبر عن مصالح كل شرائح المجتمع، وما يحدث في شمال السودان هو ما كنا نحتاجه بالضبط لكنه أتى كرد فعل لسياسة النظام الانقلابي الاقتصادية كتأكيد على خروج الدولة من الحياة بالكامل.

عليه، علينا الفهم أنه في مواجهة مثل هذه الأنظمة الشمولية التي هي جديدة على العالم، تبني أدوات قديمة مثل العصيان المدني والإضراب السياسي كما ينادي البعض بيننا سوف لن تجدي، أولاً الإضراب السياسي والعصيان المدني هما في حقيقة الأمر أمر واقع الآن في السودان إلى حدٍ كبير، وجوهر فكرة العصيان المدني كأداة مقاومة هو ممارسة ضغط على السلطة ومن ثم توسيع قاعدة التذمر الاجتماعي للانخراط في فعل المقاومة. في تقديري هذه التصورات نابعة من تفكير نمطي تقليدي متأثر بالإرث السياسي للعمل النضالي من اكتوبر وابريل الذي ما زال يسيطر على المخيال السياسي للفاعلين السياسيين.

الدولة الحالية والتي في مرحلة تخلّق جديد يمكن هزيمة نظامها السياسي بهذه الأدوات الثورية ولكن قد لا تتمكن من إزالته، فهذا النظام له منظومة اقتصادية تعمل باستقلال تام عمّا تبقى من جهاز الدولة المتهالك الذي أصلاً لا معنى لوجوده من عدمه في هذه اللحظة.

فكل هذه الأدوات السياسية أكثر ما يمكن أن تفعل هو خلخلة قبضة الأقلية المسيطرة وربما إيقاظ ضمائر بعضهم إن أمكن وتصعيد صراع المصالح بينهم. إلا أن فعل ذلك لن يكون كافياً لانتصار الثورة، فالثورة في حاجة إلى قوة مادية يكون لها قدرة في قول  It is time sir  أي الوقت قد حان سيدي للبرهان أو من سينوب عنه من الكومبارس، أما البعض الذين يعتقدون أن هنالك مؤسسة عسكرية، وليست واجهة للعصابات، ويعتقدون أن بها شرفاء كما يسمونهم وأن هؤلاء ستأتي لحظة تاريخية تصحو فيها ضمائرهم ويقومون بالانحياز للشعب، فأقول ما هي الحجة والمؤشرات التي تجعل أي كائن يفكر بهذه الطريقة، على قدر ما أسمع أن شرفاء القوات المسلحة يعتقدون أن البرهان لين في قمعه ويتوقعون قائداً أكثر قسوة وأشد بأساً وأكثر قتلاً.

ثالثا، ما الحل؟ في تقديري أنه في ظل الشتات والتشرذم والتخندق بسبب المزايدات السياسية والاعتقاد بالتفوق الأخلاقي والأحقية الثورية وتخوين الكل للكل، لا اعتقد أنه من الممكن قيام منصة موحدة تعبر عن الحراك الثوري، وذلك ليس لتباعد الرؤى والمطالب بل هو أزمة ثقة عميقة بعضها مصطنع وبعضها متوهم لتقديرات سياسية خاطئة من بعض من يعتقد في الحراك الثوري السوداني ما ليس فيه، وبعضها مرحّل من تجربة التفاوض ومشاركة السلطة مع اللجنة الأمنية للبشير. والذي سيزيد الأمور تعقيداً الآن هو المبادرات والمواثيق التي تترى نفسها، فجلّها يقدم سؤال السلطة على سؤال توحيد الرؤى وتوحيد الخطاب السياسي المقاوم للداخل والخارج.

أعتقد من الأجدى الآن السعي للتنسيق بين كل مكونات الثورة بدلاً من العمل على توحيدها ككيانات، وإدارة حوار جاد ومسؤول لتطوير خطاب دبلوماسي يتحدث عن تطلّعات الثورة للقوى الإقليمية التي في ظني رفضها واتهامها بالتدخل لا يقدِّم ولا يؤخّر، نحن في حاجة إلى خطاب ثوري متفهِّم لطبيعة النظام العالمي الذي نحن جزء منه، ويقدم رؤية للسودان المستقل الحر كاملاً وعلاقته بجيرانه ومحيطه الإقليمي، السيادة لا يمكن أن تكون إما عداء أو انطباح، كما أننا في حاجة إلى خطاب للمجتمع الدولي أيضاً وذلك لأن العوامل الذاتية للحراك الثوري في حاجة إلى عامل خارجي لتصعيد الحصار والضغط على الانقلابيين لتقليل كلفة التغيير.

خلاصة القول، نحن إزاء نظام شمولي حديث وبأدوات حديثة، وإن كان بالإمكان مواجهته ومقاومته بأدوات مجرّبة لكن من الصعب الجزم بهزيمته بنفس هذه الأدوات وهذا ما يتطلّب وحدة رؤية ووحدة خطاب للإقليم وللعالم وليس بالضرورة وحدة كيانات، وحتماً سننتصر.

10 فبراير 2022م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى