أخبارأعمدة ومقالات

العسكريون وكلام الببكيك

خالد فضل

العسكريون وكلام الببكيك

خالد فضل

التبس عليّ أمر التوصيف منذ البدء، عندما هممت بكتابة العنوان، فتوصيف (عسكريون) مما يثير الشجون حقاً، فثمّ خبر على أحد المنصات الإعلامية السودانية بعنوان (مصرع عميد أو رتبة ما (حركات) وملازم (دعم سريع) في هجوم على القاعدة اللوجستية السابقة لقوات اليوناميد بمدينة الفاشر)، فكل عسكري يحتاج إذاً إلى لاحقة تشير إلى جهته، في السابق كان يكفي البيان المقتضب حول مثل تلك الحوادث، تحتسب القوات المسلحة العقيد فلان والملازم علان والرقيب فلتكان، فيحوقل المحوقلون، ويتلقى أهل المتوفين العزاء، وتنضم أسرهم لقوائم أسر الشهداء. الآن هذا مما يجب أن يسمعه العسكريون من كلام يبكيهم، عوضاً عن هتافات المجلوبين بثمن بخس جنيهات ووجبات وبص أو قطار على سبيل التشبه بقطار عطبرة الشهير، على العسكريين حقاً أن يسمعوا المبكي من القول، لا المكري من هتاف، الكلام الببكيهم هو ما يمس عصب الحقيقة ويغوص إلى نواة القلب، ومخيخ المخ، أمّا هتيفة اعتصام الموز، وسائمة مواكب الدعم المزعوم؛ فإنّ أثرها لا يتعدى صوان الأذن، وبمثل ما يدخل من طبلة الأذن اليمنى يخرج من الأخرى، ببساطة ليس فيه ما يطرب، فهو مما أملاه المستمع إلى القائل ليردِّده، اللهم إلاّ بداعي الطرب للصدى!.

مجلس السيادة يضم الآن فرقاء (جمع فريق، أو فرقاء فعلاً؛ فمن واصف لما حدث بتصحيح مسار الثورة إلى واصفه بالانقلاب العسكري عديل ومع ذلك يتوهط مع الانقلابيين بذريعة سلام جوبا مالك عليّا أنا…)، تسبق أسماءهم تلك الرتب، ولا أعلم إن كان الطاهر حجر والهادي إدريس قد بلغا رتبة الفريق أم لا، وهل بت عبد الجبار المبارك تخرّجت ضمن دورات (أخوات نسيبة) فمن حقها إن كان ذلك كذلك أن تنال رتبتها مع لاحقة (عقيد أخوات نسيبة مثلاً)، فهذا ادعى لتصحيح المسار ومشاركة الجميع في (الهيصة) عوضاً عن احتكارها في خمسة طويلة فقط!!.

ما يبكي هو ما تردِّده المواكب بحرقة وأسى، (جيش واحد شعب واحد)، هو ما تعلو به الهتافات (الجيش جيش السودان الجيش ما جيش برهان)، إنّهم ينشدون جيشاً واحداً للشعب لا لفرد، ولعل البرهان قد سمع أغنية الراب الشهيرة سودان بدون كيزان، فهل فيها ما يثير حفيظة العسكريين؟ كما أنّهم يعون وطنهم موحداً في تعدديته، فلينظر العسكريون فيما حاق بالبلد وأهلها على يديهم طيلة عهود حكمهم وتحكّمهم في مصائر البلاد لبضع وخمسين عاماً منذ الإستقلال، هذه تجربة مريرة دون شك، وثلث البلد انفصل بعد عراك طويل، وشهدت دارفور حروب الإبادة والتطهير العرقي، مثلما نالت جبال النوبة والنيل الأزرق نصيبهما من الجرائم ضد الإنسانية، مثلما حاق بالشمال الوبال ولم تسلم بقعة في الوطن من جراح، فمن المسؤول على مدى خمسة عقود وبضع سنوات؟ سماع مطالب الثوار هو الذي يبكي فعلاً، يبكي من له ضمير من أصحاب الرتب أو ممن يمتهن الجندية في أدنى سلمها، فالذخيرة الحية تحصد في أرواح الشباب والشابات العزّل الأنقياء الذين يتدثرون بـ(علم بلادهم) وينشدون مع السلام الوطني (نحن جند الله جند الوطن)، وهم حقاً كذلك، إذ لا مطامع لهم ولا مصالح، لا محاور أو دوائر استخباراتية يخضعون لها تزورهم ويزورونها سراً وعلانية، فمن يطلق تلك الزخات من وابل الرصاص؟ في تحقيق لمنظمة دولية مرموقة عن مجزرة 17 يناير 2022م بالخرطوم نُشر في وسائل إعلام سودانية، رجّح التحقيق مسؤولية شرطة مكافحة الشغب وقوات الإحتياطي المركزي، فيما كان مجلس الدفاع والأمن الوطني قد أصدر قراراته في ذات اليوم بخروج قوات جميع الحركات المسلحة المنضوية تحت راية سلام جوبا من الخرطوم وغيرها من المدن؛ وهو القرار الذي فُهِم في حينه، وكأن مسؤولية المجازر تلك تقع على قوات تلك الحركات!! مثلما فُهِم من قرار سحب تلك القوات من حراسة المقار السابقة لليوناميد في دارفور عقب عمليات النهب الواسعة التي طالت تلك المقار، ومعها مقر برنامج الغذاء العالمي.

وإذ ما نزال في معمعة التوصيف، يأتي كلام الرشد (المبكي حقاً) بأن يتم حسم هذه السيولة في حمل السلاح، وأن يتم إعادة المهنية للعسكرية، وأن يتم ضبطها بالقانون، وتحت إمرة السلطة المدنية، فهذا أدعى لمصداقية ما يتم، كما أن طبيعة السلطة المدنية تقوم على المراقبة والمحاسبة ومتابعة الرأي العام لما يجري، العسكرية واحدة من المهن المهمة والضرورية- على الأقل في وقتنا السوداني الراهن- ربما يأتي وقت تنعدم فيه الحاجة لهذه المهنة فتندثر. هناك بلدان سرّحت جيوشها، وأخرى ذات جيوش رمزية، وتنعم تلك البلدان بالأمن والسلام والاستقرار، ولم يطلها (وباء الانقلابات العسكرية) كما قال انطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة ساخطاً من المارشات والقتل والتنكيل المصاحب لكل انقلاب في دول العالم الثالث. وهو من نوع الكلام المبكي حقاً، وآبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي يصرّح في الخرطوم؛ على أيام الإطاحة بالبشير وتشبث البرهان وحميدتي بالسلطة والمجلس العسكري، يصرِّح رئيس الوزراء المدني في الجارة الشقيقة، بأنّه أخبر العسكريين أنّ مكانهم ليس كراسي الحكم، بل حماية البلاد والدستور وحفظ أمن الشعب، فالحكم شأن السياسيين المدنيين. يومذاك خرج الفريق الكباشي في مؤتمر صحفي وهو غاضب من الحديث المبكي لأبي أحمد، وقال الكباشي (لا توجد مبادرة إثيوبية ولا نرغب إلّا في مبادرة موحدة تحت مظلة الاتحاد الأفريقي!) وحدث ما حدث.

وكانت مجزرة فض الاعتصام، وصمة العار في جبين مهنية العسكريين، وحتمية إصلاح شأن هذه المهنة حتى تستقيم أو تتلاشى، ولجنة التحقيق برئاسة مولانا أديب لم تنجز شيئاً، والعدالة مؤجلة لحين الموجة الثانية من الثورة، عار أن يتقدّم من يتزين كتفه بالرتب الرفيعة ليقول ببساطة (قررنا فض كولومبيا، لأن بعض جنودنا يسكرون فيها، ولكن انحرفت قوات الفض من هناك إلى ساحة الاعتصام وحدث ما حدث)، صدّقنا انحراف القوات من شارع النيل إلى شارع الجمهورية ونفق بري، فهل انحرفت كذلك في كل عواصم الولايات؟؟ أنظر وقارن بين انحراف القوات العسكرية تلك لتدك خيام المعتصمين المدنيين في فجر 29 رمضان من عام ياسر العطا ذاك، وبين ما حدث من هاشم العطا قائد انقلاب 19 يوليو 1971م ضد النميري، وكان ذلك في عصر 22 يوليو بعد فشل الانقلاب:

صبري أرباب الطيار الحربي في قاعدة وادي سيدنا: يمكنني إصدار الأوامر لطائرات الهيلوكوبتر بقصف الدبابات المعادية وإخراجها من المعركة في لحظات.

هاشم العطا (وقد بانت ملامح فشل انقلابه):  لا.. مهما حدث ويحدث فأنا ضد وقوع مجزرة دموية في الخرطوم قد تطال المدنيين!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! (علامات التعجب من عندي، وليس كما وردت القصة في كتاب شوقي ملاسي، أوراق سودانية، الصادر عن دار عزة للنشر والتوزيع الخرطوم 2004م ص 153).

المبكيات كثر، والعسكرية تكاد تلامس حدود الدناءة، فالتجارة والتهريب، والقطع الجائر للغابات وإهدار الحياة البرية واحتكار جبل ذهب! وانفراط الأمن الذي هو مسؤولية العسكريين على تخوم 9 طويلة، وما كشفه ترس الشمال من بلاوي؛ إن صحّ ما تتداوله الوسائط فهو خيانة عظمى لإنسان الوطن ونهب مصلح لموارده وإذعان مقيت لهواجس ومطامع ذاتية دنيئة، الواجب على العسكريين تدارك مآلات مهنتهم، تقويم ما بها من مظاهر إعوجاج لا تحتاج إلى انقلاب ضد الفترة الانتقالية ومركزية الحرية والتغيير، بل تحتاج إلى وازعٍ من ضمير وإحساس بالمسؤولية وتأدية للواجب، ساعتئذ، لن يحتاج العسكريون لحشد آلاف الجند في وسط الخرطوم وكبري النيل الأبيض وجسر الجريف المنشية ليصدوا بالبمبان والماء الوسخان، وليصطادوا روح حداء ست النفور وأهازيجها الطازجة، ورقصات الشفاتة وهتافاتهم المبدعة، ساعتها سيوفرون أرواح رفاق الشهداء والشهيدات، فهولاء جميعهم/ ن مطلبهم الإصلاح، وكلامهم مبكٍ لكن، أهلنا بقولوا اسمع كلام الببكيك ما تسمع كلام البضحكك ولو كان التوم هجو!.

تعليق واحد

  1. شر البلية ما يضحك .. حميدتي دقلو يتحدث عن هيبة الدولة .. نحن بنشوف العجايب في الزمن الفاسد ده .. الدولة التي تجعل شخص مثلك يا دقلو بلا شهادة أساس ويصبح فريق هي دولة ما عندها هيبة .. الدولة التي تجعل شخص مثلك ينشيء مليشيا لحسابه الخاص هي دولة ما عندها هيبة .. الدولة التي يحدث فيها انقلاب وما يتبعه من فوضى وظلم وسلطة غير شرعية هي دولة ما عندها هيبة .. الدولة التي يستشري فيها الفساد ويتم تقنينه من سلطاتها الغير شرعية هي دولة ما عندها هيبة .. وقبل كل هذا فالدولة التي يقتل شعبها في الشوارع لأنهم يطالبون بحقوقهم هي دولة فقدت هيبتها تماما .. بناء على كل هذا فأنت أكثر شخص في السودان أسقط هيبة الدولة لأنك شريك في كل عمل أفقد الدولة السودانية هيبتها .. مفهوم هيبة الدولة بالنسبة ليك هو هيبتك انت .. أنت تريد من الشماشة والجنجويد أن يقولوا حميدتي جا حميدتي مشى .. حميدتي أمر حميدتي نهى .. حميدتي عسكرية يا عممممممك .. وأنت راسك تكبر و تتبختر باللبسة وعصاية الأرقوز التي تحملها .. ده كلام يقولوا البسطاء والمقاطيع ونحن لن نقوله أبدا .. أنت لا تصلح معنا في أي شيء و نحن نرفضك الى الأبد
    لا يوجد مؤيدين للجيش في السودان .. الذين يدعون تأييد الجيش هم كيزان وفرق فلكلور احتفالية تعمل بالأجر وأتباع المليشبات المسلحة التي أصبحت مرتزقة في ليبيا لحساب الامارات .. الشعب السوداني لن يقبل بفساد الجيش ونهبه لاقتصاد السودان لعشرات السنين القادمة .. العسكرالذين يأخذون من المال أضعاف أضعاف ما يأخذه المواطن المدني لا يشعرون بمعاناة هذا المواطن .. الامارات والسعودية ومصر أصغر من أن يفرضوا على الشعب السوداني من يحكمه .. الأزمة بدأت تتصاعد والشعب بدأ يضيق و الجيش سيفقد السيطرة قريبا وستخسر مصر والسعودية والامارات كثيرا وتندم حيث لا ينفع الندم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى