أخبارأعمدة ومقالات

المسنون في التراث العربي

أ. د. عزيزة سليمان علي

 

المسنون في التراث العربي

أ. د. عزيزة سليمان علي

دور المجتمع في حياة الإنسان كبير جداً التوقف عن العمل عند بلوغ الشيخوخة والذي دائماً ما تسوء فيه الحالة الصحية ، وتضيق فيه الأنشطة والاهتمامات . القوة الفيزيائية تقل كثيراً مع مرور السنين وبذلك فهو يحتاج كثيراً ويعتمد كثيراً على أفراد الأسرة . والأسرة السودانية لازالت في تعاضد وترابط ، الجد ، الحبوبة تراث اجتماعي نسعد به كثيراً و(الما عندو كبير يشترى له كبير). نحن من خلال الأسرة الممتدة نرعى كبارنا ونقتدي ونحتكم بهم لأنهم ذوى الخبرة والحنكة .
فالإنسان يولد صغيراً ضعيفاً ثم يصل لعنفوان الشباب الذي يبكى عليه كثير من الناس ويتحسرون عليه ” أود الشباب سريعاً للتعجيب ”
يبلغ سن الكهولة والشيخوخة وتسمو مكانته في مجتمعاتنا ويصبح صاحب رأى صائب تلجأ إليه الأسرة لحل قضاياها ويصبح مستشاراً ويصبح صاحب الكلمة النافذة . وعبر حقب مختلفة متواصلة ظل المجتمع السوداني كريماً في نظرته للمسنين متمسكاً بالتعاليم الإسلامية في رعايتهم .
لنا تقاليد موروثة في مجتمعنا في رعاية كبار السن ” وقبيح بنا وإن قدم العهد هوان الآباء والأجداد “. وكما قال الصالحون لولا أطفال رضع وبهائم رتع وشيوخ ركع لم ينزل الغيث أو لم تمطر .
المجتمع السودانى يوقر المسن ويحترمه مهما بلغ من شذوذات في تصرفاته وتقاليدنا الراسخة الجميلة تبعث على التفاؤل إذا ما عملنا على استمرارها .
بديع الزمان سعيد النورسي في رسالة وجهها الشيوخ يقول فيها ” أيها الشيوخ إن الإيمان خير سلوى والشعور بالسلوى هو في التمثيل الحقيقي للعبودية لله اللائقة بالشيخوخة والمتفقة مع الإسلام . ويقول ” الشيخ في البيت بركة ” ويقول لولا الشيوخ الركع يصب عليهم البلاء صباً”
بالكبر ينقص السمع وتضعف العظام ” إن الثمانين أحوجت سمعي إلى ترجمان بدلتني بالشطط الحنى وكنت كالسابق تحت السنى ”
على الراحتين مرة وعلى العصا ثلاثة بعدهن قيام..كنت أمشي على رجلي معتمد وصرت أمشي على أخرى من الشجر .تتحسر المرأة كثيراً على شبابها وتبكى كثيراً على حالها وتجتهد كثيراً لتبدو صبية.
عجوز تردى أن تكون صبية
وقد غارت العينان واحدودب الظهر
ترسل إلى العطار ميرة أهلها
وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر
ويقول شاعر آخر
أني نظرت إلى المرآة إذ جليت
انكسرت مقلتاي كل ما رأتا
رأيت فيها شيخاً لست أعرفه
وكنت أعهده من قبل ذاك فتى
فقلت أين الذي بالأمس كان هنا
مشى رحل عن هذا المكان منى
فأس تجاهلتني وقالت وما نطقت
قد كان ذاك وهذا بعد ذاك أتى
ويقول شاعر آخر
ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها
فكيف انقلبت يوماً به انقلبوا
يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت
يوماً عليه بما لا يشتهي وثبوا
وقد وصف العريان بن الهيثم حالة من كبر سنه نثرا وشعرا عندما سأله صاحبه عن حاله فقال أجدني قد ابيض منى ما كنت أحب أن يسود واسود مني ما كنت أحب أن يبيض منى ولان منى ما كنت أحب أن يشتد ، واشتد مني ما كنت أحب أن يلين ، واجدنى يسبقنى من بين يدى ، ويدركني من خلفى ، وانسى الحديث واذكر القديم وانعس في الملاء ، واسهر في الحلا ، واذا قمت قربت الارض منى واذا قعدت بعدت عنى ثم أنشد شعراً :
اسمع انبئك باكياً الكبر
تقارب الخطو وضعف في البصر
وقلة الطعم إذا الزاد حضر
وكثرة النسيان ما بى مدكر
وقلة النوم إذا الليل اعتكر
وقوله نوم وثلثاه سهر
سعله تعتادني مع السحر
وتركى الحسنى في حين الطهر
وحذراً ازداده اى حذر
والناس يبلون كما يبلى الشجر..

أ. د. عزيزة سليمان علي
استشاري الطب الباطني القلب و طب الشيخوخة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى