أخبارأعمدة ومقالات

الحراك الثوري: أهو العقد الاجتماعي الأخير؟

بكري الجاك

الحراك الثوري: أهو العقد الاجتماعي الأخير؟

بكري الجاك

في كتابات سابقة تناولت بمقدمات نظرية وبتأسيس منهجي أن الدولة السودانية مختطفة بواسطة كارتيلات توظف جهاز الدولة كواجهة لكسب شرعية اجتماعية وسياسية، ومشروعية للوجود والاستمرار.

هذه الكارتيلات بمجملها تحمل صفة قوات نظامية وتمتلك السلاح وتسيطر على القطاعات المهمة في اقتصاد البلاد القادرة على جلب العملات الصعبة التي لا تجد طريقها للخزينة العامة.

لم يعد خافياً على طوب الأرض أن هذه العصابات اختطفت الدولة بالكامل وأصبحت تتصرف على أنها فوق الدولة، وما قول البرهان منذ أيام عن أن القوات المسلحة أدانت الخزينة العامة ما يفوق المليار دولار إلا خير شاهد. هذه ليست زلّة لسان بل تعبير عن العقل الباطن الذي بمثابة اليقين عند البرهان وبقية المنخرطين في هذه المنظومات من قوات مسلحة ودعم سريع وأجهزة أمن وشرطة وغيرها.

حسابات الشركات التابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية في بنك أبوظبي الوطني تفوق الخمسة مليارات دولار حسب بعض المصادر ويقال أيضاً إن لهذه الشركات ما يفوق الخمسة مليار دولار في حسابات تعرف بالـoffshoring تدار عن طريق بعض الشركات الروسية التي عُرف عنها منذ زمن طويل استخدامها على هذا النوع من الحسابات في العديد من الجزر كوسيلة لتفادي العقوبات الغربية عموماً والأمريكية خصوصاً.

أما اخطبوط الدعم السريع فهذا أمر يستحق الدراسة والتدقيق، يكفي أن المعلوم عن استثمارات كارتيل الدعم السريع تتراوح ما بين ثلاثة إلى أربعة مليارات دولار في السودان وحساباته في الخارج مهما تعقّد اخفاؤها سوف لن يصعب معرفة أماكنها وحجمها.

ليس هنالك ما يدهش في محاولة دخول الدعم السريع للاستثمار في قطاع الاتصالات مثلما تغلغل في كل الأنشطة الاقتصادية من عقار وذهب وتصدير للثروة الحيوانية. وللعلم الدعم السريع الآن متعاقد مع شركةGroup Wagner (مجموعة فاغنر) الروسية التي تدير جزءاً كبيراً من عمليات خطوط إمداده، ويهكّر خبراؤها حسابات الناشطين ولجان المقاومة في الوسائط، وتوفر الطائرات التي يسافر بها منسوبو الدعم السريع كما يهربون بها الذهب مع شركائهم. ولشركة فاغنر الآن ما يزيد عن ثلاثة آلاف عسكري مرتزقة في السودان يعملون بنفس طريقة الدعم السريع وفي حقيقة الأمر ما شركة فاغنر إلا الدعم السريع الروسي التابع لبوتين الذي ينفذ بها جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية خصوصاً في أفريقيا.

الأسوأ أن القوى التي وقعت على اتفاق سلام جوبا وأصبحت شريكاً في السلطة لا تختلف في طريقة تعاطيها مع جهاز الدولة والسلطة من طريقة الكارتيلات، تقرير الأمم المتحدة الأخير فيه ادانة لكل هذه الحركات بتورطها في الحرب في ليبيا كوسيلة لتوفير الأموال للحفاظ على هذه الجيوش واستخدامها كاستثمارات.

وبحسب ما توفر من معلومات يبدو أن الصراع في دارفور قد أخذ شكلاً جديداً ويبدو أن هنالك الآلاف من الجنود الذين سيتم دفعهم خارج ليبيا في اطار العملية السياسية التي أصبحت ضرورة لتوفير بدائل وقود لأوروبا في ظل سوء العلاقات مع روسيا، وليس من المستبعد أن يستخدم بوتين الغاز والنفط كوسيلة للضغط على أوروبا في معركته التي يسعى بها إلى تشكيل خارطة وطبيعة الحرب الباردة الجديدة. وباستمرار عملية الإحلال السكاني وانتشار السلاح، أعتقد أننا ربما نكون على أعتاب فقدان دارفور كإقليم قابل للحكم لفترة قد تطول.

هنالك تقارير من الأرض تشير إلى أن الأوضاع أسوأ بعشرات المرات مما كانت عليه في الفترة 2003 إلى 2006م وهي الفترة التي شهدت مواجهات واسعة بين قوات الحركات والجنجويد والقوات الحكومية. المخيف أنه ليس هنالك ما سيوقف انتقال هذه المواجهات إلى بقية أنحاء البلاد، قبل فترة شهدت مناطق متفرقة في كردفان بعض المواجهات ولم يعد هنالك شيء يقلق أكثر من انتشار السلاح في كل مكان بل حتى الفزع الذي كان يقوم به الناس باستخدام السلاح الأبيض أصبح يتم باستخدام أسلحلة ثقيلة من شاكلة الدوشكا والآربجي.

ما قصدت قوله من كل هذا المقدمة أننا حقيقة قد نكون نشهد مرحلة حاسمة وأخيرة في مسيرة الدولة السودانية وقدرتها في تطوير مشروع وطني وفي تخليق هوية مشتركة في ظل غياب الدولة وتآكلها وعجزها عن القيام بمهامها الأساسية من احتكار العنف ومنع الآخرين من استخدامه وتنظيم المجتمع وإنفاذ التعاقد.

هنالك علاقة عضوية بين تآكل الدولة واختطافها وغياب المشروع الوطني الذي يعبر عن إرادة كل السودانيين مما أدى إلى ما نحن عليه الآن: ثورة جموع السودانيين الذين يعملون على استعادة دولتهم وتحرير إرادتها من الكارتيلات والعصابات العابرة للحدود إلا أن الحقائق على الأرض ومآلاتها تنذر بأن كل الاحتمالات ورادة بما في ذلك حالة فوضى شاملة ودخول البلاد في شلل وتقسيم مناطقي وجهوي مصنوع مع العلم أن مقوماته موجودة.

الخلاصة الأهم وباستصحاب ما ذكرنا آنفا أن الحراك الثوري الحالي قد يكون هو آخر أمل في الحفاظ على ما تبقى من الدولة السودانية موحدة. صحيح أن تخليق هوية مشتركة قد فشل وأن جل السودانيين يعتدّون بانتمائاتهم الأولية من قبيلة وإثنية أكثر من اعتدادهم بسودانيتهم، وصحيح أننا فشلنا في تطوير مشروع وطني وعقد إجتماعي يقينا شر الاحتراب والفرقة والتقسيم، إلا أن الحقيقة الموضوعية تقول إن تخليق هوية مشتركة لم يفشل بالكامل، فالثورة السودانية الآن في تجلياتها الاجتماعية والسياسية هي تعبير عن هذه الهوية المشتركة وعن هذه التطلعات المشتركة وهي أيضاً نواة المشروع الوطني لبناء دولة المواطنة المتساوية التي تصون الحقوق وتحفظ الكرامة. يكفي أن تكون في وسط الموكب لتشعر أنك تنتمي إلى شعوب قديمة عرفت التعايش السلمي وظلت على الدوام متقدمة على الدولة.

في تقديري، بخلاف فعل مقاومة السلطة الانقلابية، أن أعظم ما يقدمه هذا الحراك الثوري الآن هو الحفاظ على آخر لحمة للعقد الاجتماعي الذي يجمعنا وهو ما يفصل بيننا وبين فقدان الدولة السودانية التي أشك في اجتماعها مرة أخرى إذا انفرط عقدها، هذا الحراك قد يكون هو خلاصنا الوحيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى