أخبارأعمدة ومقالات

بوتين يتخطى حافة الهاوية (بردلُب)!

الفاضل عباس محمد علي

بوتين يتخطى حافة الهاوية (بردلُب)!

الفاضل عباس محمد علي

قلت الأسبوع الماضي بهذا المنبر إن الأمر لن يتخطى استعراض العضلات sabre rattling، وإن بوتين لن يقتحم أوكرانيا ويسحق شعبها لأنهم بنو جلدته ولغته وثقافته، ولكنه فقط يريد أن يختبر صبر المجتمع الدولي، إذ أن فريسته الأصليه هي أفغانستان، وجنوده الآن في حالة تدريب dress rehearsal فقط، وخطوتهم القادمة هي بلد لا بواكٍ عليه إسمه أفغانستان. بيد أني أخطأت التقدير وخاب تحليلي، فالبشر مفعمون بالمفاجآت، كما قال أستاذي الراحل الدكتور مصطفى عبد الماجد:  People are full of surprises<>

والمصيبة الكبرى أن يقع في نفس الخطأ وسوء التقدير نائب رئيس السودان الفريق أول حميدتي وحكومته ومستشاروه و”خبراؤه الاستراتيجيون”، ويقوموا بزيارة رسمية لموسكو في هذه الأيام، ويقدموا الدعم الأدبي لبوتين الذي انهال فوق رأسه غضب وشجب ولعنات البشرية بأكملها منذ فجر البارحة- عندما اجتاحت قواته أوكرانيا.

وبدا حميدتي كمن جاء يخطب عروساً لدى قوم لديهم عزاء جديد (بكا حار)، واتضح أن الوفد الرئاسي السوداني وجد نفسه كالأطرش في الزفة، وأخذ يتصرف كالثور في مستودع الخزف. والعيب حقيقة ليس في حميدتي حديث العهد بالسياسة، وضامر المشاعر التضامنية الإنسانية، وعديم الخبرة الدبلوماسية، والجاهل تماماً بالعلوم السياسية وبالتاريخ، والذي ليس لديه معرفة إلا بمنطق القوة، شأنه شأن العصبجية street gangsters، ولا يعشق إلا طرقعة السلاح؛ إنما العيب في “خبرائه الاستراتيجيين” الذين سدّوا علينا الآفاق، وظلوا يتناوبون على القنوات العالمية منذ 25 أكتوبر المنصرم، أي منذ انقلاب برهان وحميدتي وجبريل الغادر المشؤوم الذي ليس له شبيه إلا الغزو الروسي لأوكرانيا منذ فجر البارحة.

ولقد نشط فلاسفة المؤامرة conspiracy theoritians كالعادة، وقرأت لكاتب لبرالي غربي يقول إن العملية كلها عبارة عن تجليات تخطيط أمريكي فرنسي بريطاني يهدف لزلزلة المنطقة حتى تتم مقاطعة روسيا، وبالتالي يتم نسف مشروع أنابيب الغاز الروسي المتجهة لألمانيا التي دخلت في آخر مراحل التنفيذ. ولو تم السماح لهذا الخط أن ينساب غازاً غزيراً ومضموناً لألمانيا فسوف يعقبه تطوير العلاقات الاقتصادية بين أكبر وأقوى دولتين بأوروبا– ألمانيا وروسيا؛ وربما يقود ذلك لحلف ثنائي dual entente ذي أنياب نوويه يهدد أمن واستقرار أوروبا الذي توطدت أركانه منذ نهاية الحرب الكونية الثانية، والذي استنبط منه البروفيسور فرانسيس فوكوياما نظرية “نهاية التاريخ”. وهذه بالطبع هرطقة طفولية طفولية كتلك التي يتحفنا بها خبراء الطلس الاستراتيجيون السودانيون، فإذا النتيجة هي ضرب الاستقرار السياسي الذي حققته أوروبا فإن الغزو الروسي لأوكرانيا قد أنجز نلك المهمة بالفعل. إذ أن هذه العملية عبارة عن نسخة طبق الأصل لاجتياح الجيش الهتلري النازي لتشيكوسلوفاكيا ومن بعدها مباشرة النمسا عام 1938، بناءً على اتفاقية الـappeasement التي تمت في ميونيخ قبيل ذلك في ميونيخ بين شمبرلين رئيس الوزراء البريطاني وأدولف هتلر، بحضور الدوتشي موسليني دكتاتور إيطاليا.

ولقد مرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ الحرب العالمية الثانية، ومنذ نهاية الحرب الباردة بفضل انهيار الاتحاد السوفيتي وتصدع حلف وارسو وانضمام غالبية دوله لحلف شمال الأطلسيhence ، تحقيق ورسوخ نظرية “نهاية التاريخ”، خاصة بعد ربيع الديمقراطية الذي أودي بالدكتاتوريات العسكرية جميعها بأمريكا اللاتينية وبيوغسلافيا وبالعديد من بلدان الشرق الأوسط. ولن يستطيع بوتين بمغامرته الكلاسيكية التوسعية هذه أن ينسف توازن القوى الأوروبي، أو أن يخلق سابقة قانونية يستطيع بموجبها أن يعيد ضم الجمهوريات التي انفصلت عن الاتحاد السوفيتي ولم تنضم لحلف الناتو حتى اليوم، مثل أذربيجان وأوزبكستان وكازخستان وتركمانستان وقيرغيرستان  وطاجيكستان، مهما  تحكم فيها الدكتاتوريون ومهما نشطت فيها المخابرات والعصابات الروسية. ولقد تعلم الناس كثيراً من إسقاطات ميونيخ، واكتوى العالم بما فيه الكفاية بنار الحرب، (وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم…… وما هو عنها بالحديث المرجم). ولقد أدركت البشرية أن التقدم الاقتصادي والتحول الاجتماعي لا يتحقق إلا بالسلام والتعاون الاقتصادي بين الجيران وبالديمقراطية والشفافية واستقلال القضاء. تلك فقط هي الظروف التي يمكن تحت ظلالها حلحلة وحسم الشكاوى الحدودية والتظلمات العرقية ومشاكل الأقليات المتفلتة. إن المواجهات التآمرية العسكرية المخابراتية بضاعة كاسدة ولى زمانها واندثر. وبالفعل تم عزل النظام الروسي الدكتاتوري منذ الأمس ولسوف يجد نفسه كثعلب ضل سبيله إلى وكر مليء بالأسود وغيرها من الكواسر الضخمة، ولن تنفعه ترسانته النوويةً، أو كما يقول السودانيون سيكون مصير بوتين مصير (كلب مزرور داخل طاحونة).

ولسوف يخرج العالم من هذه الأزمة بالعديد من الدروس:

  1. نظام بوتين الباطش المعتدي، وأصدقاؤه مثل حميدتي وسلطته الانقلابية التي سطت على الحكم في السودان، عبارة عن أنظمة نازية فاشية مكانها الطبيعي مزبلة التاريخ، شأنها شأن امبراطوريات هتلر والدوتشي موسلليني.
  2. يجب ترسيخ وتجديد وتثوير ميثاق حقوق الإنسان، وتدعيم حق الدول في استقلالها، وحمايتها من الجيران الطامعين والماكرين والغدارين، ويجب أن تقوم الأمم المتحدة بتكوين قوة عسكرية أممية تحت تصرف مجلس الأمن الدولي للتدخل في مثل الحالة الأوكرانية.
  3. يجب سحب حق الفيتو من روسيا بإجماع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، أو بغالبيتها، كعقوبة على مثل هذا الإفتئات على أوكرانيا، لأن المجتمع الدولي إذا لم يردع روسيا بصورة حاسمة وصارمة فسوف تنطلق في الفضاءات اليورو آسوية كداء الذئبة الحمراء في الجسم المعلول بها.
  4. يجب الوقوف الصارم والجاد مع الشعوب الثائرة ضد الاستبداد مثل الشعب السوداني، وسد الطريق تماماً أمام القوى الرجعية العسكرية والمليشيات المتنمرة ذات النوايا الشريرة والممارسات العدوانية المنتهكة لحقوق الإنسان.
  5. علي الدول المحيطة بروسيا أن تعجل بالدخول في حلف الأطلسي.

وبالعودة لزياة الوفد الرئاسي السوداني لروسيا، فإنه مجرد امتداد لزيارة البشير في أخريات أيامه حيث أراد أن يستقوي بالنظام الروسي ضد أمريكا. وقالها البشير صراحة للرئيس بوتين وبثتها المخابرات الروسية عبر الإعلام الإسفيري، لعلها بقصد الترويج لأهميتهم الاستراتيجية بالنسبة للعديد من أصدقائهم في الدنيا، أم لعلهم يسخرون من رئيس أفريقي جاهل يستنجد كالطفل بدولة ضد دولة عظمى. ولعل زيارة البشير تلك هي التي فتحت ملفاً لقاعدة روسية بحرية بالقرب من بورتسودان. ولقد رشحت أخبار متواترة عن هذا الموضوع، كما سمعنا ورأينا صوراً للشركات الأمنية الروسية المدعومة بأجهزة المخابرات الروسية، وعن الحيازات التي تمتلكها بشمال شرق السودان للتنقيب عن الذهب، ورأينا صور العديد من الطائرات الروسية الضخمة التتي تقوم بتهريب الذهب السوداني الخام والمصنع إلى الخارج. إذن فلا بد أن زيارة حميدتي شملت ملف القاعدة الروسية كثمن للدعم التسليحي واللوجستي المرجو من روسيا، وليس بالضرورة الحماية من الامبريالية الأمريكية كما طلب البشير.

مهما يكن، فإن زيارة حميدتي مثيرة للقلق والشكوك، خاصة إذا تذكرنا العلاقات المتطورة بين النظام البرهاني الحميدتي والمخابرات الروسية في العديد من المجالات، خاصة في التنقيب عن المعادن وفي لوجستيات تهريب الذهب جواً إلى خارج البلاد. ويبدو لي إن حميدتي وشركاءه أصحاب الحركات يركزون على الاستثمارات الذهبية وعلى التهريب للثروات إذ أن الأرض تميد تحت أرجلهم، وقرب سقوط نظامهم خبر مكتوب على كل الجدران، وقد أدركه الناس جميعاً، فلا بد أن هؤلاء القوم يدبرون المخارج والمنافي وكيفية امتصاص آخر جرعات من الموارد السودانية مستفيدين من امكانيات الدولة وعلاقاتها الخارجية المشبوهة مع دول مثل روسيا وتركيا وإثيوبيا– وهي آخر دول قام حميدتي بزيارتها في الشهور المنصرمة.

إن زيارة حميدتي لروسيا خطأ دبلوماسي فادح على أقل تقدير، وتوحي بأجندة خفية كثيرة كفى الله السودان شرورها. وعلى كل حال، مثلما لم تفد البشير زيارته لروسيا في أخريات أيامه، وأعقبها سقوطه المدوي ونهايته على سوء الخاتمة (أي ملايين الدولارات المكدسة في غرفة نومه)، فإن زيارة حميدتي وجبريل لروسيا جلبت النحس لذلك البلد المأزوم وزادتهما خبالاً على خبالهما وعزّزت من شكوك الثوار السودانين فيهم وفي كبيرهم القابع كفرعون مفلس ومتآكل ومتردد وحائر بالقصر الرئاسي، يمعن التفكير في سبل المخارجة والهروب.

حرية   سلام   عدالة   الثورة خيار الشعب.

تعليق واحد

  1. تحليلك خاطى كسابقه فلن تتاثر روسيا سلبا لعملها هذا لأن العالم كما ذكرت تحكمه المصالح واغلب دول الغرب تحتاج لروسيا فى مصالح عديدة وكما شاهدت جلسات الأمم المتحدة ظهر فيها التباين وعدم إخراج اى قرار جماعى والتاويلات كثيرة ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى