أخباراقتصادتقارير وتحقيقات

صورة بالأرقام للتجويع في موازنة الانقلاب وخبراء يكشفون «فضائح لجبريل »

اعتمد تحصيل الإيرادات لحكومة السودان الانقلابية «من الموارد الذاتية»، بصورة واضحة على جيب المواطن، وفقاً لموازنة العام 2022م المعتمدة كلياً على الضرائب والجبايات والجمارك!!.

التغيير: الفاضل إبراهيم

تسارعت وتيرة الغلاء في الأسواق السودانية بصورة أصبحت مزعجة ومخيفة للمواطن، في ظل زيادة الضرائب والجمارك والجبايات المتنوعة.

هذا هو العنوان الأبرز لموازنة العام 2022م التي أجازتها الحكومة الانقلابية مؤخراً في ظروف بالغة التعقيد، ودار حولها جدل قانوني يشكك في مشروعيتها باعتبار أنها يجب أن تجاز من جهة دستورية مجلس الوزراء «وهو غير موجود».

وبعيداً عن الجدل القانوني نجد على أرض الواقع أن الموازنة الحالية تركز في إيراداتها على جيوب المواطنين باعتمادها بنسبة «100%» على الموارد الذاتية، والسؤال: ما هي هذه الموارد الذاتية؟ والإجابة: «جيوب المواطنين.. ضرائب جمارك وحتى جبايات».

زيادات بالأرقام

الزيادات الكبيرة شملت كل مناحي الحياة، فقد ارتفعت أسعار غاز الطهي المنزلي بنسبة تتجاوز «120%»، وقفز سعر الانبوبة من «760» جنيهاً إلى حدود «1800- 2000» جنيه حسب الترحيل للمحليات، وأقرت الحكومة بعدها زيادات جديدة، لكن تم التراجع عنها لاحقاً.

كما ارتفعت أسعار الكهرباء الزراعية من «1.6» جنيه للكيلوواط إلى «9» جنيهات، ووصل سعر لتر البنزين إلى «425» جنيهاً للتر بدلاً عن «408» سابقاً.

فيما وصل سعر لتر الجازولين إلى «397» جنيهاً بعد أن كان بـ«390» جنيهاً في محطات الوقود، وأدت الزيادات في المحروقات لإشعال السوق والمواصلات العامة بنسبة «40%».

وارتفعت رسوم الخدمات، خاصة فيما يتعلق بتراخيص تسجيل الشركات التي ارتفعت بنسبة «300%»، وكذلك الخدمات الخاصة بتراخيص السيارات التي قدرت بـ«150%».

وطالت الزيادات حتى الأجانب- بحسب مصادر- أكدت فرض غرامة تبلغ في المتوسط «150» ألف جنيه للمخالفين.

هذا غير بقية السلع الاستهلاكية والخدمات التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية، والتي وضع التجار عليها زيادات متفاوتة بحسب قيمة الترحيل والسعر من مناطق الإنتاج والمصانع.

سياسات عقيمة

وتقول المحللة الاقتصادية د. سبنا امام لـ«التغيير»: «عندما جاء د. جبريل وتسلّم حقيبة وزارة المالية كنت أتوقع منه رؤية جديدة تختلف عن التعويم والتحرير أو شئ جديد ولكن للأسف واصل جبريل في ذات الطريق الذي بدأه البدوي ود. هبة، والأدهى والأمر أنه كان ملكياً أكثر من الملك نفسه فأرهق كاهل المواطن بسياسات عقيمة».

وأضافت: «يبدو أنه حاول أن يثبت أنه يسير في اتجاه البنك الدولي وصندوق النقد بعد ان أخبره د. حمدوك أن الغرب لا يرغب في وجوده في وزارة المالية فحاول ارضاء الغرب باتباع ذات سياسات سلفه».

ردة فعل

وقالت سبنا: «لذلك جاءت ميزانية 2022م كردة فعل لموقفه ممن أسماهم بالغربيين الذين يصعب ارضاؤهم دائما فانتقل الوزير بقفزة (زانة) من ميزانية تعتمد بنسبة 80% على المنح والقروض الخارجية إلى الاعتماد على الداخل كلياً بموارد ذاتية وصفر منح ومساعدات خارجية كيف؟ لا أدري؟».

سبنا إمام

رفع الدعم

وأشارت إلى أن جبريل بدأ برفع الدعم من الكهرباء والغاز رغم أن ميزانية البدوي ود. هبة ليس فيها رفع دعم عن هاتين السلعتين على الأقل في الفترة الحالية.

وتابعت: «عموماً السؤال الأكثر أهمية كيف سيغطي وزير المالية الموارد وفق موازنة تعتمد بنسبة 100% على الموارد الداخلية بعد أن اجهض الانقلاب الدعم الخارجي المقدر بـ3.300 مليار دولار كان من المفترض تخصيص 650 مليون دولار منها كدعم مباشر لميزانية 2022 ولكن كل هذه الأموال ذهبت أدارج الرياح بعد الانقلاب في اكتوبر الماضي».

تساؤلات

وتساءلت سبنا خلال حديثها لـ«التغيير»: «الآن كيف ستقفز هذه الموازنة من الاعتماد على الخارج بنسبة 80% إلى الداخل بنسبة 100%.. من أين ستغطي وزارة المالية هذه الإيرادات، وكيف ستعبر وزارة المالية هذه المسافة بزيادة الضرائب، لكن كيف سيتم حصر ثروة المواطن؟».

وقالت: «الإجابة الواضحة في الموازنة، أن الحكومة ستعتمد على الضريبة ولكن في ظل الاعتماد على الموارد الذاتية الوضع يتطلب رفع الجهد الضريبي بنسبة 145% لجلب إيرادات بـ1.9 مليار جنيه في الموازنة الحالية، وفي اعتقادي من الصعب تحصيل هذا المبلغ في ظل الركود الحالي والتضخم».

حالة شلل

وتصف د. سبنا الحديث عن اعتماد الميزانية الحالية على موارد ذاتية بأنه عبارة عن «وهم» فلا توجد موارد ذاتية لأن الإصلاحات الاقتصادية المعتمدة والتي نجمت عن التطبيق العنيف لسياسات صندوق النقد الدولي الغير فعالة أصلاً قد تركت الاقتصاد في حالة شلل وركود عميق سيستغرق وقتاً طويلاً للإنعاش لذلك العجز في الموازنة ربما يدفع وزارة المالية وبنك السودان لطبع مزيد من العملة.

رؤية مختلفة لطباعة النقود

وتقول د. سبنا، إن حديث وزير المالية عن أنه لا يريد الاستدانة من الجهاز المصرفي «طباعة النقود» ليحافظ على وتيرة انخفاض التضخم في الفترة السابقة غير صحيح اقتصادياً.

وأضافت: «لا علاقة للتضخم بطباعة النقود.. أصبحت هذة المقولة من ضمن تاريخ الاقتصاد ولا سند تطبيقي لها ومن يعزو التضخم للطباعة يعرض نفسه لسخرية الأكاديميين».

«كما أن الجهاز المصرفي لا يولد النقود فقط بالطباعة بل بعملية الائتمان والاقراض وهي أكثر تأثيراً على التضخم من الطباعة على الأقل من الناحية النظرية».

وأضافت: «أيضاً التضخم كزيادة في المستوى العام للأسعار لم ينخفض ولكن ما انخفض حقيقة هو وتيرة النشاط الاقتصادي وعمليات البيع والشراء الصغيرة والمتوسطة والكبيرة نتيجة لحالة الانكماش العميق وتلاشي القوة الشرائية للعملة».

مرحلة اللاعودة

وتختتم د. سبنا حديثها بأن مرحلة «اللبرلة»- التحرير الاقتصادي التي وصل إليها الاقتصاد السوداني بفعل سلسة القرارت التي فرضتها الحكومة الانتقالية بالقوة دون أي اعتبار لإرادة الشعب، عبر التغييب المتعمد للمجلس التشريعي، لن تسمح القوى الدولية التي فرضتها بتغييرها أو النكوص عنها، ولو حسم السودانيون أمرهم على ضرورة الرجوع عنها أو حتى تعديلها ستغرق هذه القوى السودان في الفوضى والحرب الأهلية».

باحث اقتصادي يتوقع وصول عجز الموازنة إلى 50% متخطياً الحدود الآمنة

ارتفاع العجز

وتوقع الباحث الاقتصادي عثمان محمد خير الله، أن يصل العجز في الميزانية إلى «50%» قبل منتصف العام الحالي متخطياً الحدود الآمنة بعكس توقعات صندوق النقد قبل الانقلاب بأن يكون العجز في حدود «25%».

وقال خير الله لـ«التغيير»: «لو كانت الموارد الداخلية تفي لما دخل الاقتصاد منذ أعوام في نفقٍ مظلم»، واستغرب من حديث وزير المالية بالاعتماد علي الداخل كلياً.

وأضاف: «الآن المالية (تحلب) جيب المواطن لتغطية العجز في الوقت الذي لديها أموال وثروات حكومية لكنها خارج نطاق ولاية الوزارات المختصة وتحت قبضة شركات ومؤسسات حكومية مترهلة النظم وغير مواكبة للتطور في قبضة الأجهزة الأمنية والعسكرية ولا يوجد بينها تنسيق يجعلها تصب في الناتج العام لميزانية الدولة».

وتابع خير الله: «أهم ملامح موازنة وسياسات 2022 القادمة ستظهر في زيادات كبيرة (ومستمرة) تطال أسعار الخبز والدواء والكهرباء والمحروقات والعديد من السلع الأساسية الأخرى».

ويذهب إلى أن الهدف الأهم من هذه الزيادات ليس سوى دفع الاستحقاقات المالية التي فرضها اتفاق سلام جوبا، والتي تبلغ «750» مليون دولار سنويا تدفع لمدة «10» سنوات لصالح دارفور. وذلك بعد إيقاف مؤسسات التمويل الدولية مساعداتها وقروضها للسودان.

وأوضح خير الله أن توقف المجتمع الدولي عن مساعدة السودان عقب إنقلاب 25 اكتوبر أدى لانكشاف وارتفاع التمويل بالعجز «استدانة وطباعة نقود» سوف تتضاعف عن متوسط الأعوام الماضية حيث كانت تتراوح ما بين «2- 3%» وربما ترتفع إلى «6%» وهو ما يعني لجوء الحكومة السودانية لزيادة طبع النقود والتسبب في ارتفاع التضخم وسعر الصرف.

ويؤكد خير الله، أن السياسات المصاحبة للتحرير الاقتصادي التي كانت في عهد حمدوك حقّقت نجاحاً «نسبياً» في الحفاظ على سعر الصرف لاعتمادها على تحرير العملة بالكامل وإزالة فروقات العملة تحرير الاقتصادي بالكامل وتقييد الواردات باعتماد مستندي، بجانب فتح منافذ التحويلات المصرفية من وإلى السودان وإزالة العوائق، والتسهيل في إجراءات الصادر وتخفيض رسومه، وتقييد حركة الأموال المشبوهة التي تعمل في تجارة العملة وغسيل الأموال، فضلاً عن تكوين احتياطي نقدي من العملات الأجنبية لموازنة التذبذبات في سعر الصرف، وقيام مزادات العملة بفترات متقاربة لتعويض البنوك التجارية عن شرائها العملات، وتجنباً لتجفيف السيولة فيها، وفتح الفرصة أمام الواردات مستوفية الشروط والابتعاد عن التمويل بالعجز وعدم طباعة العملة غير المغطاة.

أخطاء

ويعدِّد خير الله الأخطاء التي وقع فيها وزير المالية جبريل قائلاً: «أهمها (التكويش) على الاحتياطي النقدي الذي كان متوفراً بالبنك المركزي، ثم قام بعد ذلك بتعديل سياسات الصادر وأوقف صادر القطن، ثم عمل على زيادة رسوم الصادر بطريقة مجحفة، وأوقف سياسات لجنة التمكين في محاربة كبار تجار الدولار الذين صار الملعب خالياً لهم عقب تجميد أعمال اللجنة وعادوا من جديد للظهور».

فساد

وقال خير الله: «عودتهم تؤكد أن الفساد دائماً مرتبط بالنظام السياسي والآن عاد ذات التحالف بين الرأسمالية الفاسدة والحكومة، كل هذه الإجراءات زادت من أسعار الدولار في السوق الموازي وقلّلت من موارد الحكومة التي باتت تطارد جيوب المواطنين».

محلل اقتصادي: زيادة المرتبات تشكل عبئاً جديداً على الإيرادات الذاتية قد تؤدى لزيادة الضرائب والجمارك رأسياً، مما يؤدي لارتفاع الأسعار

آثار عكسية لزيادة المرتبات

وعلق المحلل الاقتصادي د. أحمد سالم، على دخول قرار وزارة المالية بزيادة الأجور حييز التنفيذ وتداعياته على الاقتصاد بعد رفع الحد الأدنى للاجور إلى «12» ألف جنيه.

وأكد سالم لـ«التغيير»، أن زيادة المرتبات تشكل عبئاً جديداً على الإيرادات الذاتية قد تؤدى في النهاية لزيادة الضرائب والجمارك رأسياً، مما يؤدي لارتفاع الأسعار ومضاعفة معاناة المواطن المعيشية.

وقال: «وزارة المالية ربما تجد نفسها مضطرة للاستدانة من الجهاز المصرفي لتغطية نقص المرتبات الناتج عن تدني الإيرادات الذاتية والذي سبب عجزاً كبيراً في الميزانية العامة».

وأضاف: «الاتجاه المتوقع بالاستدانة من النظام المصرفي يؤدي لزيادة حجم الكتلة النقدية وبذا يزيد حجم السيولة في الاقتصاد وترتفع معدلات التضخم وتنخفض القوة الشرائية للعملة المحلية وتنفلت الأسعار لتمتص زيادات الأجور  كما حدث للزيادة التي اقرها د. إبراهيم البدوي في 2020م رغم الاحتفالات والزغاريد التي صاحبت قبض العاملين للزيادة في المرتبات أول مرة إلا أن النتيجة كانت ومازالت كارثية على العاملين بالدولة والمواطنين».

ضعف التحصيل

وفيما يتعلق بتحصيل الموارد، يقول سالم: «الأداء خلال العامين الماضيين في التحصيل كان ضعيفاً جدا بنسبة 46% في 2020م و58% في 2021م، ومازالت أجهزة الجمع والتحصيل تعاني من مشاكل هيكلية مقعدة في أساليب الجمع والتحصيل وضعف الإدارة وتدنٍّ مريع في التدريب ورفع القدرات، بجانب تعدد الإدارات وتضارب فى التشريعات والقوانين، لذلك لا أعتقد أن الحكومة تستطيع تحصيل النسبة المقرّرة من الموارد في الميزانية».

استمرار التجنيب

وتابع سالم: «وأيضا ما زال التجنيب مستمراً بطرق جديدة ومبتكرة، كما أن كثيراً من الإيرادات خارج نطاق سيطرة وزارة المالية (وزارات وشركات وهيئات ومؤسسات وصناديق) جميعها لا تلتزم بالتوريد للخزينة العامة بوزارة المالية، وما زالت سياسة الإعفاءات الضريبية والجمركية مستمرة ومؤثرة في حجم الحصيلة الإيرادية والتي تقدر بـ65% من جملة الحصيلة الإيرادية الذاتية للدولة».

المالية: لا أعباء على المواطن

لكن المتحدث باسم وزارة المالية السودانية أحمد الشريف، أكد أن الموازنة ستعتمد على الموارد الذاتية واستنباط موارد حقيقية لا تلقي بأي أعباء على المواطنين، مع تنويع مصادر الإيرادات.

فيما نفي وزير المالية جبريل إبراهيم أمس، طباعة العملة لتمويل المرتبات، وقال إن الحكومة تفي بالتزاماتها «من مواردها الذاتية الحقيقية».

عموماً، الوضع الاقتصادي في الشارع السوداني اليوم، يكشف بجلاء حجم الأزمة التي تعيشها حكومة الانقلاب في الجانب الاقتصادي والذي يزداد سوءاً يوماً بعد آخر، وتنعكس تبعات السياسات الاقتصادية الخاطئة بصورة مباشرة على «جيب المواطن» وتزيد حياته عسراً على عسر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى