أعمدة ومقالات

حميدتي في موسكو.. النقائض والنقائص

خالد فضل

   الصورة تبدو مربكة ومرتبكة , السيد حميدتي قائد القوات المسلحة المسماة الدعم السريع , والمحتل بهذه الصفة فقط  ؛ لموقع نائب رئيس المجلس العسكري الإنقلابي _ بقرار من قائد الإنقلاب هذه المرّة_ بعد أن استولى مسبقا  وبوضع اليد على مسمى نائب رئيس مجلس السيادة الإنتقالي منذ أغسطس 2019م وحتى 25اكتوبر2021م , هذا السيد يقود وفدا من أعوانه الإنقلابيين , ويزور موسكو عاصمة جمهورية روسيا الإتحادية في خواتيم  الإسبوع المنصرم . تزامنت زيارته مع قمة التصعيد الروسي الغربي حول أوكرانيا , والذي انفجر بالفعل أثناء وجوده هناك ببدء عملية الغزو الروسي الجارية حاليا , وربما يتم السيطرة على كييف عاصمة أوكرانيا قبل نشر هذا المقال الذي اكتبه مساء السبت 

  المهم نحاول أن نقرأ مدلولات هذه الزيارة وانعكاساتها على مستقبل الأزضاع في بلادنا , وهو الأمر الذي يحتل موضع الأسبقية لدينا , ونبدأ بالسؤال إن كانت هذه الزيارة قد تمت بعد قراءة عميقة للأوضاع في العالم ؟ وهل تمت بموافقة أو بإشارة من الأصدقاء الإسرائيليين ؟ وهل من بين سطورها يمكن قراءة ما يشاع عن توتر مع الكفلاء الإماراتيين ؟ أم على العكس تمت الزيارة بإيعاز من الكفلاء هولاء لزوم تخفيف الضغوط الأمريكية عليهم للجم تدخلهم المدمر في الشأن السوداني , هنا يمكن لحلفاء أمريكا أن يكسبوا ورقة يلوحون بها أمام الإدارة الأمريكية مفادها , إنّ النظام الإنقلابي في الخرطوم بطبيعته المتهورة وقلة حيلته السياسية والدبلوماسية , وعزلته الشعبية المتنامية , مع العزلة وعدم الإعتراف الإقليمي والدولي به كسلطة شرعية أو على الأقل سلطة أمر واقع , هذه الوضعية هي التي تجعل هولاء المتسلطين في الخرطوم يتخذون القرارات دون فحص عواقبها , إذ لا توجد مؤسسات دولة تتخذ القرارات وتتداول جوانبها , هناك مجموعة أفراد اختطفوا الدولة , ولهم مطامحهم  وهواجسهم الشخصية  ودوافعهم السلطوية الذاتية , هم في الواقع إمتداد لسلطة البشير المقبورة ظاهريا , ومن ضمن خياراتهم الصفرية وهم في وضع العزلة هذا أن يتجهوا إلى أي وجهة , هولاء أفراد وقتيون بمعنى الكلمة لا يهمهم المستقبل مثلما لا تعنيهم مصالح بلادهم وشعبهم , لهذا فإن من الأفضل يا أمنا أمريكا أن تخففي من عزلتهم , ونسعى سويا لإحتوائهم عوضا عن جعلهم عرضة لمزادات تقاطعات المصالح الدولية التي نعرفها كلنا , ونعرف الطموح الروسي الصيني المتزايد في تكوين قطب ينازعك سيدتي سيادة العالم !! لهذا لا يمكن أبدا استبعاد فرضية الإيعاز الثنائي من جانب الصديقين الشريكين في ( السلام الإبراهيمي) !  

  ما الذي تقدمه روسيا ؟ هي تمتلك حق النقض ( الفيتو) في مجلس الأمن الدولي ضد أي قرار يمكن أن يتخذه المجلس ضد السلطة الإنقلابية , وقد نجحت بالفعل في تعطيل قرار كهذا منذ الأيام الأولى للإنقلاب .  تقدّم روسيا الأسلحة , ورئاسة الوفد ومعظم عضويته ممن يهمهم أمر التسليح ؛ فقد تبأوا المناصب ونالوا حظوة إمتياز الدولة بفضل البندقية وليس بفضل عطاء فكري أو سياسي مرموق ,كما لم يحظوا بالوظائف العليا عبر فوز أحزابهم بالإنتخابات العامة , لقد أبرموا صفقة حقائب ووظائف  وتآمر وضعوا عليها ديباجة ( إتفاقية سلام), هذا ليس توصيف الكاتب بل هو واقع الحال , فلم يتحقق سلام ولم يعد نازح أو لاجئ ولم تجر العدالة على منتهك , بل حتى المطلوبين للعدالة الدولية في لاهاي يتمتعون الآن بكامل الحرية في توجيه العصابة الإنقلابية , فما هو السلام ؟ روسيا تقدم عبر شركة فاغنر المشهورة خدماتها الأمنية الإحترافية على سبيل الإرتزاق وكسب العيش , والمتأمل في الوفد الذي تدثر بالمعاطف في موسكو الباردة هذه الفترة , لا يجده بعيدا عن مسألة المرتزقة هذه , على الأقل هناك من يصف الوجود العسكري السوداني في اليمن بهذه الصفة , كما أنّ النقاشات والمؤتمرات الدولية التي تعقد وتنفض لمناقشة الأوضاع في ليبيا تتحدث بوضوح عن بند خروج المرتزقة الأجانب من ليبيا , ومن ضمن البلدان المصدرة للمرتزقة مع الأسف يرد اسم بلادنا ! بل أكثر من ذلك هناك  تحديد لاسم حركتين على الأقل  من الحركات يقال أن مجموعات من منسوبيها في عداد مرتزقة ليبيا , وروسيا ليست بعيدة عن هذا الملف بكل تأكيد , ابحث معي عن خيط ولو رفيع لمصلحة وطنية هنا ؟ روسيا تطلب في المقابل شيئين مهمين لها , القاعدة العسكرية على البحر الأحمر ومن ثمّ التمدد وربما فرض منطقة عزل وخفض تصعيد ..إلخ ما يحدث في سوريا , والمطلوب الروسي الثاني هو المعادن النفيسة والنادرة وانظر معي إلى الذهب واليورانيوم إن كانت أرض بلادك تحتوي في تجويفاتها على هذين المعدنيين , والوفد الكريم وبكرم معهود لا يتردد في منح الإمتيازات لروسيا , وما قصة سيرين ببعيدة عن الأذهان , ولا تنس أنّ الإنقلاب امتداد موضوعي لنظام البشير . 

   هذه نقائض ونقائص واضحة تحملها تلك الزيارة , ولا سبيل أبدا للحديث عن استثمارات وتنمية ومشروعات بنى تحتية وتدرج في العودة للعلاقات السوية وسط المجتمع الدولي وفتح آفاق التكنولوجيا والمنح والمساعدات وإعفاء الديون وتوضيب خطط مشروعات الطاقة والنقل وتطوير وبناء القدرات .. إلخ  مما حملته الفترة القصيرة المؤودة من عمر السلطة المدنية الإنتقالية برئاسة د. عبدالله حمدوك .   

   

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى