أخبارأعمدة ومقالات

البحر الأحمر خط أحمر

صلاح جلال

الرأي اليوم

البحر الأحمر خط أحمر

صلاح جلال

(1)

* تناقلت الوسائط الإعلامية حديث الفريق حميدتي في مؤتمره الصحفي أمس بعد عودته من روسيا حول قاعدة عسكرية روسية في منطقة في فلامنقو على البحر الأحمر، جاء الحديث بتبسيط مخل لقضية إستراتيجية كبرى وهي قضية أمن قومي من الدرجة الأولى لا يجب التلاعب بها ضمن ديناميات الصراع الداخلي على السلطة.

في نظام المخلوع عمر البشير في آخر أيامه قبل سقوطه الدواي حاول مقايضة بقاء نظامه واستمراره في الحكم بالتفريط في أمن البحر الأحمر ومنح روسيا الاتحادية الترخيص بتأسيس قاعدة. بلا شك أن العرض من النغمات المحببة للدب الروسي فقد كانت خططه الأمنية منذ أيام الحرب الباردة، تقوم على إيجاد موطئ بارجة عسكرية على شواطئ البحر الأحمر، وفي عمق المياه الدافئة، لم يتحقق هذا الحلم الإستراتيجي على الأرض فقد كانت هناك محاولة جادة أيام الرئيس سياد بري في الصومال، وكذلك محاولة أخرى في اليمن الجنوبي على أيام حكمها الشيوعي، في عهد الرئيس سالم البيض، لكن كلا المحاولتين لم تفضيا إلى تأسيس قاعدة عسكرية دائمة روسية على البحر الأحمر لتعقيدات الموضوع وكثرة التقاطعات الدولية والإقليمية حوله.

(2)

* فعالية الدول على المسرح العالمي من بين مقوماتها الموقع الجيوإستراتيجي لإرتباطه بالإستراتيجية الكلية للدولة السياسية والاقتصادية والعسكرية والمعلوماتية وغيرها لتحقيق أهداف الدولة الوطنية العليا كما ذكر السفير نصر الدين والي في مقاله الموسوم كيف نتحدث مع واشنطون 16 ديسمبر 2019م.

الممرات المائية العالمية مسألة معقدة فهي عبارة عن شبكة عنكبوتية من المصالح والإستراتيجيات الدولية المتضاربة والمتعارضة التعامل معها كالسير في حقل للألغام من الممرات المائية ذات الأهمية العالمية في منطقة الشرق الأوسط ممر الدردنيل ومضيق البسفور الذي تتحكم فيه تركيا ويعتبر المدخل الوحيد للسفن الروسية إلى البحر الأحمر والرابط بين قارتي آسيا وأوروبا ويأتي بعده مضيق هرمز الذي تعتمد عليه دول مثل العراق والكويت وقطر والبحرين لوصول تجارتها للعالم الخارجي وتسيطر على إدارته سلطنة عمان وتشاطئها الجمهورية الإيرانية لما على هذا المضيق من صراعات طرحت بريطانيا تشكيل قوة عسكرية عالمية للسيطرة عليه وإدارته وكذلك أزمة بحر الصين الجنوبي التي كادت تؤدي لحرب عالمية ومازال التوتر مستمراً. * هل بهذه البساطة التي طرحها الفريق حميدتي أن تقوم تركيا أو عمان بتصرف أحادي لإقامة قاعدة أجنبية لدولة ذات تقاطعات عالمية على هذه الممرات العالمية دون توافق دولي مع المستفيدين من هذا الممر المائي العالمي؟* ستمطر حصو يا سعادة الفريق.

(3)

* البحر الأحمر يمثل أهم ممر مائي عالمي يربط ثلاث قارات ويوصل المحيط الهندى بالمحيط الأطلسي، له ميزته الاقتصادية والعسكرية الهامة في الإستراتيجيات الدولية عبره يُصدر حوالي 40% من بترول الخليج، وعبره تمر نصف التجارة العالمية، بين أقصى الشرق والغرب، البحر الأحمر يمثل عمقاً أمنياً واقتصادياً لدول الخليج، كما يمثل مكوناً رئيسياً في الإستراتيجية الاقتصادية والأمنية الأوروبية والأمريكية والصينية، حيث تستورد أمريكا حوالي 25% من استهلاكها البترولي عبر البحر الأحمر، ويمثل البحر الأحمر ذراعاً أساسياً في إستراتيجيتها العسكرية وضامن تفوقها العالمي في المحيطين الهندي والأطلسي، البحر الأحمر موقع تقاطعات دولية حادة واشتباك إستراتيجيات اقتصادية وعسكرية تقتضي الحيطة والحذر في المساس بترتيباته الأمنية فهو يمثل جزءاً من جدوى السودان الجيوسياسية يجب المناورة به بمعرفة وخبرة لتحقيق مصالح البلاد العليا الإقليمية والدولية وليس بهذا التبيسط المخل الذي ذكرته في مؤتمرك الصحفي ضارباً المثل بجيبوتي التي فتحت شواطئها للجميع الفرنسيين والأمريكان والصينيين وبعض دول الخليج مما أفقدها السيادة على مياهها الإقليمية، هل تريد السودان أن يصبح مثل جيبوتي؟؟ نرفض ذلك فلتذهب شركة فاغنر للجحيم.

(4)

* البحر الأحمر يكاد يكون بحيرة عربية خالصة ويرتبط بأمن قناة السويس، من حيث عدد الدول المتشاطئة علية فمن بين العشر منها ثماني دول عربية هي الصومال وجيبوتي والسودان وعمان واليمن والمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر والأردن، عدا اثنتين هما أريتريا وإسرائيل فقد كان البحر الأحمر تاريخياً محور تحركات دولية كبرى أيام الحرب الباردة، رغم أهمية البحر الأحمر الإستراتيجية لا توجد إتفاقية أمنية شاملة للدول المطلة عليه وخاصة العربية منها، تم توقيع بعض الإتفاقيات الجزئية، بين إثنين إلى ثلاث دول من المتشاطئين لتنظيم مصالح اقتصادية وأمنية، لكن لا توجد إتفاقية شاملة تنظم أمن البحر الأحمر كله إلى اليوم، لما فيه من تعقيدات وتقاطع إسترتيجيات دولية جعلت التوصل لإتفاق حول أمن البحر الأحمر أمراً غاية في الصعوبة ناهيك عن إقامة قاعدة نووية روسية عليه، هل تريد أن يسقط نيزك ليدُك مصالح السودان مع الغرب؟ إذهب أنت وفاغنر قاتلا من أجل القاعدة ونحن الشعب السوداني من الرافضين ولن يهون السودان علينا لنبيعة في المزاد الدولي بالقطاعي ولا تفكر مرة أخرى.

(5)

* الواقع الآن البحر الأحمر تم تدويله وتوجد في مياهه الدولية عدد ضخم من القطع العسكرية لمعظم دول العالم الكبرى والمتوسطة منها، كما توجد قواعد دائمة لكل من الولايات المتحدة وفرنسا والآن الصين بجيبوتي، يمثل مضيق باب المندب أهمية قصوى للأمن والاقتصاد العالمي، عندما قامت ظاهرة القرصنة منطلقة من الشواطئ الصومالية في ظل تحلل الدولة وسيادة المليشات ظهر الاهتمام العالمي بالبحر الأحمر حيث شاركت حوالي عشرة آلاف سفينة وقطعة بحرية من كل أنحاء العالم للقضاء على القرصنة واستعادة الأمن للبحر الأحمر ومضيق باب المندب.

(6)

* خلال الخمسة أعوام الأخيرة، زاد اهتمام دول الخليج بالبحر الأحمر خاصة دولتي السعودية والإمارات حيث قامتا بتأسيس وجود عسكري دائم في باب المندب ووقعتا إتفاقيات مع الصومال وإريتريا مضافاً للوجود المصري الذي اتسم بقدر من القِدم حيث يرتبط أمن البحر الأحمر بأمن قناة السويس المورد الاقتصادي الأهم في مصر، الجديد تطور وجود البحرية الإيرانية في البحر الأحمر وأعقبتها البحرية الصينية التي تمتلك الآن وجوداً دائماً يتجاوز العشرة آلاف جندي بين المياه الدولية واليابس في جيبوتي كما توجد أساطيل أوروبية وهندية وروسية في عمق البحر المياه الدولية، يمكن القول الآن إن البحر الأحمر مسلح حتى  أسنانه وجاهز للاشتباك في أي صراع عالمي هل تعلم ذلك؟؟؟.

(7)

* البحر الأحمر ذو حساسية سياسية كبيرة لمتخذ القرار السوداني، خلال الفترة الديمقراطية رفضت حكومة السيد الصادق المهدي منح الولايات المتحدة قاعدة عسكرية على البحر الأحمر، كما رفضت منح قاعدة برية لقوات التدخل الأفريقي يونيكوم، مما عرّض علاقة السودان والولايات المتحدة لقدر من الجفاء والبرود، هل تعلم لماذا كان هذا الرفض؟ لأن البحر الأحمر يمثل حقل الغام يجب التحرك فيه بوعي وعلم ومعرفة بالمعطيات على المسرح الإقليمي والعالمي، هناك رسالة دكتوراة قدمها اللواء د. عمر محمد الطيب (حول الإستراتيجيات الأمنية في البحر الأحمر) أنصحك بالإطلاع عليها، قدّمت أسرة وادي النيل في مصر نهاية التسعينات، ندوة ذات مستوى عالٍ، قدم فيها اللواء عمر محمد الطيب تلخيصاً رصيناً حول رسالته للدكتوراة يصلح أن تكون إستراتيجية للسودان White paper للتعامل مع أمن البحر الأحمر، لم يكن من بين مقترحاته منح قواعد عسكرية لدول أجنبية على أرض السودان بل أشار لخطورة مثل هذه التصرفات على الأمن القومي السوداني وما تخلقه من انحياز واستقطاب دولي وإضرار بعلاقات السودان مع بقية العالم.

(8)

* ما قدّمه الرئيس المخلوع البشير في موسكو في العام 2017م يعتبر اختراقاً وتهديداً للأمن القومي السوداني، لم يحدث له مثيل في تاريخ البلاد مما عجّل بسقوطه، حتى عندما كانت ترفع الحكومة في السودان شعار الاتحاد السوفيتي العظيم لم تعرض للروس قاعدة عسكرية على البحر الأحمر، كما يشكل تصرف الفريق حميدتي خطراً على دول الخليج العربي والغرب، قد لا يعلم الفريق حميدتي أن هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية قد ذكر إذا كانت هناك حرب عالمية ثالثة ستنطلق من البحر الأحمر لما فيه من تعقيدات واستقطاب عالمي فخطورة منح قواعد أجنبية على التراب الوطني في البحر الأحمر تتقاطع مع الإستراتيجية الخليجية والمصرية والأمريكية والأوروبية والإسرائيلية في البحر فهي استقطاب عداء مجاني لدولة صغيرة ومحدودة القدرات مثل السودان، لذلك نقول مثل هذا العبث بالأمن القومي الوطني هو الذي يأتي بالطائرات طافية النور لضرب الخرطوم، في دولة دفاعها مازال بالنظر، كل ما تملكه ضبط النفس والاحتفاظ بحق الرد.

(9)

منح نائب الرئيس الفريق حميدتي لقاعدة روسية على البحر الأحمر هي عطاء من لا يملك لمن لا يستحق، على القوى الوطنية السودانية والعقلاء في البلاد العمل على إلغاء هذا الموضوع الخطر على أمن ومصالح البلاد فوراً، يجب العمل على عقد ورشة تنويرية في الوقت المناسب لكل المختصين تخرج بتوجيهات واضحة لكيفية التعامل مع القضايا الإستراتيجية خاصة أمن البحر الأحمر.

(10)

** ختامة

* (الما بعرف يغرف ما تدوهو الكأس، بيكسر الكأس ويعطش الناس)، البحر الاحمر أحد كروت المساومة الدولية الجيوإستراتيجية الهامة يجب أن نعرف كيف نلعب به لمصلحة إستراتيجيات السودان العليا الاقتصادية والأمنية والمعلوماتية ليست لصراعات السلطة وأزماتها مع جماهير شعبها زيارة موسكو بجريمتها تشمل كل المفرطين د. جبريل وأبو نمو ووكيل الخارجية ووزير الطاقة ومن يسمون أنفسهم خبراء أمنيون فليسجل التاريخ سطحية هذا الوفد الذي قارب العشرين موفوداً إلى روسيا المأزومة زيارة بكلياتها في الوقت الخطأ.

3 مارس 2022م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى