أخبارأعمدة ومقالات

معارك الحقوق ليس لها نهايات سعيدة لكن هنالك دوما ما يمكن القيام به

بكري الجاك

فكرة النهايات السعيدة فكرة لها عمق و قيمة في المخيال الاجتماعي للتجربة الانسانية، من الطبيعي ان يتطلع الفرد الي هزيمة الشر و انتصار الخير بغض النظر عن السياق الذي يعرّف الخير و الشر، و من الطبيعي ان يكون هنالك مناصرون للخير و هم الاخيار أو الأبطال، و هنالك ايضا مدافعون عن الشر و هم الاشرار أو الشياطين. هذا التبسيط لفكرة الفعل الاجتماعي هو ضروري لأن يتخذ الافراد خيارات كبري ذات كلفة عالية، فالانسان بطبعه اناني و يفضل الحياة و اليسر علي الموت و العسر، هنالك لحظات محددة في تاريخ الانسانية التي يمكن أن يختار فيها الناس خيارات ترجح من كفة الموت علي الحياة و العسر علي اليسر و هذه الخيارات عادة ما تتوائم مع فكرة أن الفرد يقف في جانب الخير و هو ما يجعل فكرة التضحية بالحياة أو اختيار العسر( اعتقال و تعذيب) أمر ذو قيمة للفرد و للجماعة، هذه العملية تتم في اطار ما يسمي بالصناعة الاجتماعية للمعاني Social construction of meaning و كل مجتمع او ثقافة لابد لها من أن تمر بوضع الخطوط العريضة لفكرة ماهية الخير و الشر و من هم الابطال و من هم الاشرار و هذا ما فعلته الثورة السودانية.
ستظل معركة الحقوق من اجل عدالة نوعية تعطي حقوق متساوية للنساء و الرجال معركة طويلة حيث لا نهاية سعيدة متصورة لها، ففي الاساس هي معركة تغيير اجتماعي بنيوي لعلاقات السلطة و القوة و هذه معركة قد تتطلب انهاء البشرية و تصوراتها عن الحياة كشرط لاعادة تعريف المعاني من منظور جذري يعيد توزيع الامتيازات بشكل عادل، في المقابل هنالك خيار القبول بالتغييرات الجزئية او ما يعرف بالا incrementalism اي القبول بتغييرات محدودة في القوانين و في الثقافة و في البنيات الاجتماعية و هي معارك مهمة و ضرورية حيث لا يمكن احداث تغيير جذري نوعي دون المرور ببعض التغييرات الجزئية الكمية في مجال فرص العمل و الترقي و الصعود الاجتماعي و الحصول علي الحماية و القبول. عليه و انا كرجل في سوداني يتمتع بقدر من الامتيازات أدعو غيري من الرجال أن هنالك الكثير الذي بامكاننا القيام به في دعم و مناصرة الحقوق المتساوية و العدالة النوعية، اولا بامكاننا الكف عن الكثير من الممارسات التي نعتقد انها طبيعية و هي محض نتاج طبيعي لامتيازات ذكورية موروثة، مثلا يمكننا أن نتوقف عن التشكيك في اقوال النساء في كل شيء وأخذهن علي محمل الجد خصوصا في قضايا الظلم الشائعة من تحرش جنسي و فرص الترقي و التجاهل، كما علينا ايضا أن نقدمهن في كل سانحة للقيادة و للظهور مثلا في ادراة الاجتماعات و تشجعيهن علي الظهور بمظهر القادرات المؤهلات فهن بالفعل كذلك، نحن من يمتلك هذا الفضاء الي حد ما فقط بفعل شروط الميلاد.
و في هذا السياق لا استطيع الا أن افكر في اقرب امرأة الي قلبي منذ أن عرفت الحياة، اعتقد أن اي محاولة لتحرير امي و غيرها من الامهات سيتطلب تغيير في البنية الاجتماعية برمتها فمحض وعي أمي بانها بأنها ليست في حاجة أن تستمد قيمتها في الحياة من الانجاب و القيام بكل الواجبات المنزلية من رعاية الاطفال و استقبال الضيوف و رعاية الجميع ليس كافيا و غير منطقي، سيظل كل فرد منا في حالة بحث عن مدلول الحياو و مفهوم قيمتنا فيها و الي أن تتم صناعة معني اجتماعي مغاير لفكرة القيمة التي هي ليست بالضرورة في الانجاب و الطبيخ و الضيافة و اسعاد الجميع ، هذا هو جوهر فكرة التغيير الاجتماعي الذي يتطلب اعادة تعريف المعاني و بالضرورة صناعة مؤسسات سياسية و اجتماعية و ثقافية تصون هذه المعاني في شكل حقوق وواجبات.
الطبيعة الانسانية الي حد ما لها تأثير في تشكيل كنتور التطور الاجتماعي و تمحوره حول علاقات السلطة و القوة، عليه حتي الهدف أو الوضعية التي يمكن ان نسعي لها كوضعية مقبولة لتحقيق العدالة النوعية و العدالة الاجتماعية ستظل في حالة متغيرة علي الدوام و سيظل هنالك مجموعات من ضحايا الهيمنة و الاستتباع علي الدوام و هذا ما سيجعل معارك الحقوق معارك دائمة و مهما تحسن الوضع في مجال ما لمجموعة ما سيكون هنالك ضرورة للعمل في مجال ما لدعم مجموعات اخري. يمكن للفرد أن يعتقد أن انهاء كل علاقات الهيمنة و الاستتباع ممكن و قابل للتحقق بانهاء علاقات الاستغلال و هذا حلم انساني نبيل و فسيح، الا أن السؤال سيكون ماذا نحن فاعلون الي حين حدوث ذلك؟ اذا كان حدوثه ممكنا دون انهاء كل التجربة الانسانية و ما صنعته من معاني؟
الحق في الحرية حق اصيل للجميع نساءا و رجالا و الحق في اختيار النمط الذي يرغب ان يكون عليه الفرد حق اصيل يجب أن يكفل للجميع نساءا و رجالا .علينا في فعلنا الثوري الحالي أن نجذر لمبدأ الحقوق مع الوعي بأن الناس ينطلقون من نقاط متفاوتة من حيث السلطة و القوة و الامتيازات لرسم المستقبل الزاهر للجميع .الحرية للمعتقلين من لجان المقاومة و من قيادات الحرية و التغيير و الحرية لنساء العالم في اختيار ما يفعلن بحايتهن من أجل التحرر من كافة اشكال المعتقلات الاجتماعية و الثقافية و السياسية. و كل مارس و كل نساء الارض في زحف للاعالي.
بكري الجاك
مارس ٢٠٢٢

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى