أخبارأعمدة ومقالات

مقال على خلفية إيقاف حكم لمباراة كروية أثناء الأذان

العلاقة بين أسلمة الفضاء العام والتدين «المستعلي»

عبد الخالق السر

لفت نظري وأنا أتصفح موقع (دورينا العطبراوي)، بالفيس بوك، خبرا مفاده، أن حكم كرة باستاد عطبرة، يوقف المباراة لسماعه آذان صلاة العصر، ثم يستأنف المباراة بعد إنتهاء الآذان! قضيت وقتا ليس بالقليل لقراءة تعليقات المتداخلين، والتي بلغت في تلك اللحظة حوالي ٨٥ تعليقا، كلها كانت محل اشادة بقرار الحكم، وتقريظا ل”حسن تدينه”، بل ونحى البعض لتكريمه، وتشجيع الحكام ليحذو حذوه. كان الحكم على الحادثة من المتداخلين حكما دينيا محضا، ولم تتطرق أي مداخلة لمساءلة قانونية موقف الحكم، و ما إذا كان يحق له فعل ذلك ومخالفة القانون الذي ينظم اللعبة أم لا؟ وهل التقدير الذاتي لايمان الحكم يصح أن يكون معيارا يتجاوز صلاحياته المنصوص عليها في قانون اللعبة أم لا؟ وهل في هذه الحالة، سوف يكون عرضة للمساءلة من لجنة التحكيم باتحاد عطبرة، لتجاوزه صلاحياته المنصوص عليها أم لا؟

مدهش جدا، أن يمر حدث كهذا دون أن يكون موضوعا خلافيا ومثار جدل، في أروقة الوسط الرياضي؟ بل والأكثر دهشة أن يتحول إلى مسار اجماع “إيماني”، في ظل لعبة تحتكم أساسا لنظمها وقوانينها الوضعية الخاصة بها.

لست في حاجة للتأكيد بأن الحكم تجاوز صلاحياته القانونية الممنوحة له، وأنه وفقا لأحكام القانون المنظم للعبة، فأنه أرتكب خطأ يجب أن يحاسب عليه بصور واضحة لا لبس فيها، ولا يعفيه هنا “حسن” تدينه أو حتى حسن نواياه، ان جاز وصف ما حدث ب”حسن النية”، ولكن ذلك ليس كل الأمر، فما يعنينا هنا هو سلوك الحكم ذات نفسه، والذي في تقديري، هو انعكاس لحالة تديين أو أسلمة الفضاء العام بوصفها المولود الشرعي لسيء الذكر “المشروع الحضاري”، والذي أرادات به الحركة الاسلامية وقتها، مد ظلها الأيديولجي على كافة مناحي الحياة، وذلك ببسط السلطة الثيولوجية كموجه أخلاقي وقيمي يستبطنه الأفراد والجماعة ويتبارون في فرضه على بعضهم البعض بتزيد يصل حد “الغطرسة” الدينية، التي لا تعترف بأية نظم أو مؤسسات أو قوانين تقوم عليها الدولة الحديثة التي فيها معاشهم.

ومحاولة أسلمة الفضاء العام قديم قدم الاسلام السياسي في السودان والكثير من الدول العربية والاسلامية. ولكنه اكتسب مع تجربة الإنقاذ بعدا سلطويا واستراتيجيا، أصبح فيما بعد بمثابة رأس مال رمزي، له منافعه المادية والمعنوية للأفراد والجماعة التي تستبطنه وتزايد به على العامة والمؤسسات في سلوكها الممارس، حتى أصبحت المغالاة والغطرسة الدينية سمة وملمح في الحياة اليومية تمارس فعلها المنظم والعشوائي محاصرة به الأفراد والجماعة التي لا تجد نفسها في وفاق مع سلطة الإنقاذ، وتهشم بها النظم والقوانين التي تستقيم بها الحياة في الدولة الحديثة، لصالح هرج سلوكي وخطابي “متدين”، يظن أنه في حضرة تهاويمه، أكبر وأخطر من كل التجارب البشرية، وأنه مالك زمام المعجزات، وكل شيء يأتمر بأمره، وما عليه سوى أن يقول للشيء “كن فسيكون”، وهي ” عشوائية تلبست الحركة الاسلامية، ويبدو أنه لا شفاء لها منها” كما في قول للكاتب الأمريكي المسلم، عبد الملقم سيمون.

فتديين الفضاء العام المفرز للتدين المتغطرس، هو من أقعد بتجربة الانقاذ، والدولة السودانية ككل. وما انهيار كافة مؤسسات الدولة الباين أمام ناظرينا، إلا تجليا وانعكاسا، للاستخفاف بالنظم والقوانين والمؤسسات التي بدونها لا تقوم للدولة الحديثة قائمة. فالاحتقار الذي مورس ضد مؤسسات الدولة وقوانينها ونظمها، بفضل هوس تديين الفضاء العام، أتاح للجهلاء والغوغاء من كل صنف ولون أن يعملوا معاولهم لهدم صرح الدولة لا لشيء، سواء إرضاء غرور تدينهم المستعلي على الواقع، عبر السلوك اليومي الممارس المحتقر لكل شيء، والمتعالي على كل شيء، والمفضي إلى خواء وعدم ونرجسية لا عائد منها.

ومشكلة تديين الفضاء العام أنه يلقي بثقله ونفوذه على الكافة: فهو أداة ابتزاز وترهيب للآخر المناويء، من خلال تحويل الفضاء العام الى سجن ثيولوجي أيديولوجي واسع تنخفض فيه سقف حرياته بشكل كبير، لأنه عرضة للرقابة الاخلاقية نتاج تحول سلوكيات التدين المتغطرس إلى معيار. فمثلا، لا يكفي أن تكون مجيدا في عملك بالمؤسسة التي تنتمي اليها وتخضع لقوانينها ونظمها، لأنه من الممكن جدا أن يمارس عليك ابتزاز من نوع آخر، مثل فرض صلاة الجماعة بالمؤسسة، يجب عليك اجتيازه فقط بالانصياع ارضاءا لنزعة أسلمة الفضاء العام، والا عرضت نفسك لمواجهات قد تقود الى التضحية بالوظيفة نفسها. وتديين الفضاء العام يتم أحيانا بواسطة عنف الدولة، حسبما كان وما يزال يحدث بواسطة بوليس “النظام العام” والموجة في الغالب لتحجيم حضور المرأة في الفضاء العام، من خلال حزمة من الاكراهات التي تحدد لها لبسها وطريقة تواجدها فيه. وكثيرا ما استبطن المواطن العادي هذا الاكراه السافر ونصب نفسه ممثلا للقانون فارضا معاييره الخاصة الناتجة من غطرسته الدينية على النساء في الفضاء العام، في سلوك هو التحرش بعينه.

على الجانب الآخر، بات يجد المواطن البسيط المتماهي مع فكرة تديين الفضاء العام، لأسباب، قد تكون متعلقة بأشواق إيمانية تخصه، أو نزعة انتهازية يحاول من خلالها تحسين صورته الاجتماعية، أو تحقيق مصالح اقتصادية، أو اختراقات طبقية، فرصة عظيمة لفرض معايير سلوكه التديني على الآخرين وتمريرها كأنموذج يجب اتباعه على كل من يشغل حيزا في الفضاء العام، متى ما كان ذلك يشكل مردودا معنويا أو ماديا يصب في مصلحته.

وفي تقديري، أن حكمنا الهمام (حسين تيه)، من هذا النوع الأخير. فهو قد يكون “متدينا” ويجهد نفسه في الاهتداء بقواعد الدين في سلوكه، ولكن في ذات الوقت فات عليه نتاج سيطرة أسلمة الفضاء العام، أنه اشتط ومارس استعلاء دينيا اتخذ بموجبه قرارا لا يمت بقوانين اللعبة التي امتثل لنظمها، بصلة. ولو كان هناك احترام للقوانين المنظمة للعبة من قبل إتحاد الكرة بعطبرة ولجنة التحكيم المتفرعة منه، لتم استدعائه، وربما إيقافه، لتجاوزه حدود صلاحياته كحكم. ولكن في ظني الضعيف، أن اتحاد الكرة نفسه ولجنة التحكيم واقعين تحت ذات التأثير الذي خلفه تديين الفضاء العام في الثلاث عقود الماضية من عهد الانقاذ. وان ما أخاف الكضب، فمن الممكن القول أنه قد يتلقى اشادة على فعلته تلك، شفوية كانت أم مكتوبة، ولا أبالغ أن قلت، ربما، أن هناك ترتيبات تجري لتكريمه من قبل الثورة المضادة، المبثوثة في ثنايا مؤسساتنا الحكومية والأهلية، والتي تستميت في الابقاء والمحافظة على تديين الفضاء العام، والذي هو دوما يمثل لها بارقة أمل لعودة مشروعهم، بشكل أو بآخر.

تديين أو أسلمة الفضاء هو الأخطر في مشروع الحركة الاسلامية السودانية والإسلام السياسي في عمومه، لأنه يعمل على عدة مستويات: فهو من جهة، يعمل على هيمنة وسيطرة الخطاب الديني، بتحويله إلى لغة يومية غير مفكرة، تعزز من تنميط المتواضعات الدينية وتحويلها إلى ثوابت واكراهات ومعايير يصعب بمرور الوقت مساءلتها أو الالتفاف عليها، وذلك لتسهيل الايهام بأن هناك دولة دينية على أرض الواقع. كذلك يعلي هذا الخطاب من النعرة الدينية للغالبية العظمى من المتدينين، ويجعلهم ينصبون أنفسهم أمناء ورقباء ومسئولين من استمرار هذه الدولة “الدينية”، وهذا مدخل واسع للتدين المتغطرس، المستخف، بوعي أو بدونه، بكل مواريث وقيم الدولة ونظمها وقوانينها، كما هو حادث الآن. اضافة لذلك، فإن تديين الفضاء العام هو الأقل تكلفة والأكثر أثرا وفاعلية في مشروع الاسلام السياسي، لأنه ينطوي في كلياته على القوى “الناعمة”، الناجمة من الحمية الدينية للأفراد، وقدرتها على تأجيج العاطفة والشعور الديني لديهم، وتحويله إلى سلوك ابتزازي يجعل من المعيار الشخصي للتدين قانونا يجب أن يحتذى، حتى لو كان مخالفا للنظم والقوانين التي تسير المؤسسات، ومن ثم، فهو مدخل للتطرف والعصبية الدينية العمياء التي لا تعترف أو تقر بحقائق الواقع، خصوصا في بلد متعدد ومتنوع العقائد والثقافات، كالسودان.

ختاما، في تقديري أن تفكيك تديين الفضاء العام لا يقل أولوية وأهمية من التفكيك المادي للنظام السابق، والذي بدأته لجنة تفكيك التمكين السابقة قبيل الانقلاب الحالي، وإن كنا نكافح اليوم لاستعادة الثورة وأهدافها، فيجب الانتباه إلى أهمية تفكيك تمكين العقول الذي ظل يمارسه تديين الفضاء العام، وأن يجد اهتماما يستحقه، ان كنا فعلا نروم أن تكون تجربة الإنقاذ من مخلفات الماضي، والا كنا، كما في قول للدكتور شريف حرير recycling the past نعمل على اعادة تدوير الماضي.

 

(نقلا عن صفحة علمانيون مسلمون على الفيسبوك)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى