أعمدة ومقالات

الحركات: يحيا الكفاح وينبغي

 خالد فضل

في مغزى ومعنى وحصيلة أن تكون لك حركة سياسية تنتهج العمل المسلح سبيلا لتحقيق المطالب، يجب التوقف مليا عند تلك الحركات التي نشطت في إقليم دارفور، وأقاليم جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، لنرى جدوى تلك الحركات، وما أضافته لسجل النضال الوطني العام، مع مقارنة الحصيلة مع تلك التي حققتها حركات الكفاح السلمي المدني التي نشطت وتنشط الآن في مقاومة مدنية سلمية باذخة ومفيدة ومبدعة، آخذين في الاعتبار موقف الحركات المسلحة من ذلك الفعل المدني الراشد وما إذا كانت تشارك فيه أم تترصده وتقمعه أسوة بأجهزة القمع المسماة نظامية.

في برنامج الذاكرة السياسية على شاشة قناة العربية السعودية، كان د. لام أكول أجاوين يستعرض ذكريات وقائع سياسية شارك فيها عندما كان السودان موحدا، بل تولى د. لام منصب وزير الخارجية على قائمة طاقم الحركة الشعبية الذي تولى المناصب ضمن قسمة السلطة. تطرق المذكور إلى واقعة الهجوم على الخرطوم من جانب قوات حركة العدل والمساواة السودانية عام 2008م، ومن ضمن ما ذكره أنّ العقيد معمر القذافي الزعيم الليبي الذي أطاحت به الثورة الشعبية لاحقا، كان قد قدّم عرضا لحكومة المخلوع البشير بأن يتم تعيين د. خليل إبراهيم قائد الحركة وقتها_تم اغتياله بعد ذلك_في منصب نائب رئيس الجمهورية، لكن البشير ردّ على ذلك العرض بأنّه لا يمكن أن يحدث إِلَّا بموجب اتفاق سلام!! المهم توالت الأحداث بعد ذلك، وأستشهد د. خليل في عملية تشاركاها حسبما أشيع عدة جهات استخباراتية إقليمية ودولية، ولكن تبقى العبرة في عرض القذافي في أنّه ربما لمس من جانب د. خليل توقا إلى تولي مناصب السلطة العليا، وهو الأمر الذي جسدته فيما بعد اتفاقية سلام جوبا وما أفرزته من واقع مأموم أطاح بالفترة الانتقالية الهشة، وساعد على وأد الثورة السودانية السلمية، وحول البلاد كلها إلي مرجلا من الغليان الشعبي العارم، هذه مع الأسف الشديد واحدة من حصائل العمل السياسي المسلح، فقد نبه كثير من الناس إلى خطورة بند الترتيبات الأمنية على سلمية ومدنية العمل السياسي، فدخول عناصر مسلحة بميلشياتها إلى ساحة العمل السياسي يعني مباشرة عسكرة العملية السياسية وتحويل البلاد إلى إقطاعيات مسلحة يديرها أمراء الحرب تحت زعم الكفاح المسلح، فيما تبقى الشعارات والنضالات المزعومة رهينة بالفعل بما يحققه قادة تلك الحركات من نزوات ذاتية في تسمم السلطة والمناصب غض النظر عن المناخ العام أو الوضع السياسي الذي يعتاشون عليه، فقد جرت المفاوضات وتم توقيع الاتفاق خلال فترة حكومة الثورة، وإذا كان المكون العسكري قد تولى قيادة تلك المفاوضات فقد كان في الواقع يشكل جزءا من سلطة الانتقال، ولم تك الاتفاقية حسبما أذيع عنها بين أفراد، ولكن اتضح بتواتر الوقائع أنّها كذلك. إذ أن قيادات الحركات المسلحة في مناصبهم لأن قائد انقلاب 25اكتوبر قال في بيان انقلابه أنّه يحافظ على اتفاق السلام، ولكن السؤال البدهي هنا كيف يحافظ من انقلب على كل العهود والمواثيق الممهورة بدم الشهداء الأخيار، كيف يحافظ على صفقة مناصب مع أفراد يعلم قائد الانقلاب وقياداته حجمهم الحقيقي، ويعلمون أكثر مع من وقعوا هذا الاتفاق وما إذا كان حقا يعبر عن توق وتطلعات الجماهير المكتوية باللهب في أقاليم النزاع السوداني، يعلم قادة الانقلاب مما تتكون تلك الجيوش المسماة جيوش الحركات، وكيف تم توزيع الرتب العسكرية عليها جزافا، بل كان نائب قائد الانقلاب حميدتي قد أشار إلى تلك الرتب التي تتبعها صفة (ركن) بقوله إنّ الركن تحتاج إلى دراسة وقراية هو نفسه لم يحظ بها، فكيف توزع درجات الدراسات العسكرية لمن لم يستحقها؟

لذا لم يك غريبا أبدا حماسة وتآمر قادة تلك الحركات مع الانقلاب وما اعتصام القصر إلاّ شاهدا بذيئا على الدناءة، فقد شهدنا فيه التوم هجو وجلاب يحرضون على عقار وعرمان، وهم جميعا في عداد حركات كفاح مسلح تجمعها جبهة، يا للخزي، وعرمان يتم اقتياده بملابس النوم عند غبش الفجر إلى المعتقل، وقائد حركته يتوهط في مقعده في مجلس السيادة المزعوم!!

تبا لها النزوات والمطامح الذاتية تبا لكل من يزعم كفاحا من أجل الحرية والسلام والعدالة ثم تخور قواه عند بهرجة السلطان، يغريه ذهب المعز أو يرهبه سيفه سيان، فهاهو وزير مالية الكفاح المسلح يردد على الملأ أنّه بصدد تمويل اتفاقه من الجيوب الخاوية لمعظم فقراء الشعب، ها هو برنامجه الكفاحي من أجل نصرة المهمشين والفقراء يهشمهم ويجوعهم ويسد عليهم مسارب الأمل، بل لم يفتح الله على منتسبي الكفاح المسلح ببيان خجول يدين القتل والنهب والسلب في الشوارع للمتظاهرين السلميين أو القتل في تلك النجوع القصية في أقاليم اللظى السوداني من لدن دارفور إلى صناقير الجبال، وقصارى جهد حاكم دارفور عبارته (لا نملك عصى عيسى)، ولم تك لسيدنا عيسى عصى بل كلمة، والكلمة هي روح الرب، والكلمة أقوى من كل ما يزعمون وزعموا من كفاح مسلح!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى