أخبارتقارير وتحقيقات

الانفلات الأمني.. عجز الحكومة وفرضية «الطرف الثالث»

بدا الانفلات الأمني في العاصمة السودانية الخرطوم وولايات أخرى، أكثر عنفاً وتأثيراً على حياة الناس بعد انقلاب 25 اكتوبر الماضي، مما خلق استفهامات كثيرة، ومثلها من المخاوف!!

التغيير- الفاضل إبراهيم

لا يكاد يمر يوم إلا ويفجع فيه المجتمع السوداني بجريمة جديدة، حوادث نهب وسلب وقتل وخطف ليلاً ونهاراً جهاراً، سيولة أمنية لم تشهدها البلاد منذ أن نالت استقلالها، يومياً هناك ضبطيات كبيرة من المخدرات والأسلحة بالعاصمة والولايات، وأسوأ ما في الامر هو مشاركة نظاميين في بعض هذه الجرائم باعتراف السلطات الانقلابية، كما حدث في المعمل القومي للصحة العامة «استاك» وبنك الدم المركزي.

فوضى

مواقع التواصل الاجتماعي تعج بعشرات الفيديوهات لأفراد يرتدون زي القوات النظامية ينهبون المواطنين في الشوارع خاصة أيام المواكب والمظاهرات، ورغم وضوح الصور، لكن لا يتم القبض على الجناة أو محاسبة أحد، الأمر الذي دفع بالعديد من المواطنين في الأحياء لتشكيل دوريات للحماية، في وقت منح فيه قائد الانقلاب حصانة للقوات النظامية في التظاهرات التي سقط خلالها عشرات الشهداء.

أبسط وصف يمكن إطلاقه على الوضع الحالي هو الفوضى، لدرجة أن التفريق بين منسوبي القوات النظامية المختلفة أصبح صعباً بعد دخول الحركات المسلحة للمدن وارتداء أزياء عسكرية مموهة ومموجة تشبه زي القوات النظامية الأخرى، وسط اتهامات لبعض منسوبي هذه القوات بارتكاب جرائم في العاصمة كما في حادثة نهب طلمبة وقود بمنطقة الكلاكلة وغيرها.

مصدر عسكري: أقسام الشرطة أصبحت متكاسلةً عن أداء واجبها

إقرار بالتدهور

وأقر مصدر عسكري، بتدهور الأوضاع الأمنية في البلاد، وقال لـ«التغيير»، إن أقسام الشرطة أصبحت متكاسلةً عن أداء واجبها، وتراجعت حالتها المعنوية عقب شيطنتها من قبل بعض المتظاهرين والمواطنين.

وأضاف: «للأسف “عسكري” الشرطة أصبح لا يستطيع أن يسير “بالكاكي” وسط المواطنين في الشوارع كما كان سابقاً وهذه حالة لم تحدث في تاريخ السودان».

واعتبر المصدر الثوار أنفسهم جزءاً من المشكلة، وأن المواكب اليومية والاحتكاكات أضعفت القوات الأمنية وأرهقتها لدرجة أن الحكومة قامت باستدعاء أفراد من الولايات، وكثرت الغيابات وأرانيك المرض.

وأضاف: «بعض الجنود يحاولون تفادي المتظاهرين- كما تعلم الوضع الإجتماعي في السودان معقد- هؤلاء الجنود لديهم أهلهم وجيرانهم ومعارفهم في الحراك الثوري وبالتالي البعض لا يرغب في هذه المواجهة».

وأشار إلى أن دخول عناصر من الحركات المسلحة وارتداء زي القوات النظامية خلق إشكالية كبيرة جداً، لدرجة أن الشرطة نفسها تواجه إشكالية في تحديد حقيقة انتماء بعض الأفراد الحركات الموقعة للسلام «وبعض هؤلاء يواجهون الشرطة بنوع من العدائية ويرفضون الانصياع للقانون وبعضهم يحمل السلاح».

ولم يستبعد المصدر فرضية وجود طرف ثالث يسعى للوقيعة بين المواطنين والقوات النظامية لتحقيق أهداف تخصه.

وقال: «هنالك عامل مهم جداً هو الجانب المادي، المرتبات أصبحت ضئيلةً جداً دفعت الكثيرين لترك مهنة الشرطة، وفي العموم هنالك قاعدة معروفة كلما تراجع الاقتصاد تتزايد معدلات الجريمة».

رئيس حزب: القوات الأمنية نسيت مهامها في حفظ الأمن والحدود وانشغلت بالأمور السياسية

فراغ أمني

ويقول رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الوحدوي صديق أبو فواز‏ لـ«التغيير»، إن أي ظاهرة سياسية أو إجتماعية أو أمنية تحدث يكون لديها أسباب رئيسية وأخرى فرعية.

صديق أبو فواز

ورأى أن ما يحدُث من تفلُتات أمنية يعود بالدرجة الأولى إلى أن القوات الأمنية نسيت مهامها تماماً في حفظ الأمن والحدود وانشغلت بالأمور السياسية لذلك حدث فراغٌ أمني وظهرت العديد من التفلتات وهذا هو أساس المشكلة.

وأبدى أسفه لمشاركة القوات المسلحة في إخماد المظاهرات، وقال: «هذه ليست مهمة الجيش، كان من المفترض أن يكون بعيداً عن الاحتكاك مع المواطنين لدرجة أن الكثير من العسكر الآن اختلت لديهم المهام فالبعض يرى أن مهمته الأساسية هي الدفاع عن النظام الحاكم».

خلايا نائمة

وحمّل أبو فواز الحركات الموقعة على اتفاق السلام في جوبا جزءاً من المسؤولية فيما يحدث من تفلتات أمنية بالبلاد.

وقال: «المشكلة تكمن في دخول عناصر من الحركات المسلحة للعاصمة رغم أن اتفاقية جوبا نصت على وجود رمزي للشخصيات الموقعة على الاتفاق».

«بعض هذه الحركات لم يكن لها نشاط عسكري كبير في الميدان لأن نظام البشير قضى عليها، فلجأت إلى تنظيم خلايا نائمة بالعاصمة وبعض المدن الكبيرة، لذلك انتشرت التفلتات الأمنية بالعاصمة وأصبحت الحركة صعبة جداً في الخرطوم خاصةً في الأمسيات وكثرت جرائم النهب والسلب والخطف وساعد عدم وجود إنارة كهربائية كافية بالشوارع في زيادة معدل الجرائم»- حسب أبو فواز.

غياب هيبة الدولة

وقال: «أيضاً تسبب انضمام بعض المدنيين لاتفاق جوبا باعتبارهم حركات مسلحة في تمييع المظهر الأمني وتقليل هيبة الأجهزة الأمنية لدى المواطن الذي أصبح مندهشا من وجود أشخاص ليست لهم علاقة بالعسكرية في أعلى الرتب».

أحداث مصطنعة

وحول ما إذا كانت هذه الأحداث الأمنية مصطنعة لتحقيق أهداف سياسية محدّدة مثل تهيئة المسرح لانقلاب أو استخدام ذريعة حفظ الأمن من قبل العسكر في أي تفاوض مع القوى السياسية، رأى أبو فواز أن كل الاحتمالات واردة مفتوحة في ظل هذه الأوضاع، وقال: «لا يمكن تأكيد أو نفي شئ منها».

وكان رئيس حزب الأمة الوطني- المحسوب على داعمي العسكر- عبد الله مسار، حذّر من وجود تخطيط لتنفيذ انقلاب بالبلاد.

وأكد أن هنالك انقلاباً وشيكاً يجري الإعداد له بتجهيز المسرح الداخلي من خلال تجاهل الوضع الأمني.

وقال في مقال صحفي: «الوضع الأمني المتدهور والتظاهرات اليومية وتتريس وقفل الشوارع ربما يكون مقدمة لحدث يدبر في الخفاء».

ولفت إلى أن المبادرات المطروحة في الساحة مجرد تعطيل فقط للقرارات المصيرية لصالح البلاد لحين وقوع الانقلاب.

خلل

ونوه صديق أبو فواز إلى أن قيادات المكون العسكري في المجلس السيادي كانت ترمي باللوم على الجهاز التنفيذي في عهد عبد الله حمدوك عند حدوث أي فشل أمني أو اقتصادي بقصد إفشال التجربة.

واعتبر أن «حمدوك كان عبارة عن سكرتير فقط ينفذ ما يريده العسكر، لذلك من غير المناسب تحميله أي فشل سابق في النواحي الأمنية التي تراجعت حالياً بصورة مضاعفة والعسكر على رأس السلطة عقب انقلاب 25 اكتوبر».

وأكد أبو فواز أن القوات النظامية تعاني من خلل في التربية الصحيحة والقوانين الصارمة وليست لديها ثقافة ديمقراطية وهي محتاجة لترسيخ هذا المفهومز

وقال: «لذلك كنا نتطلع أن تستمر فترة الديمقراطية لأربع سنوات رغم المآخذ على حكومة حمدوك لكن كان من الأفضل أن تستمر تجربة الحكومة المدنية بما يسهم في إعادة صياغة المواطن السوداني والقوات النظامية من جديد».

الحلول

وأوضح أبو فواز أن الجميع في السودان يعاني من القهر «مواطنين وعساكر»، وقال: «كيف تطلب من شخص أن يحفظ الأمن ومرتبه لا يكفيه وجبة فطور في اسبوع».

وأضاف: «لذلك اقترح أن تتم إعادة صياغة للقوات النظامية على أسس ديمقراطية خاصةً الشرطة لأنها تحتك مباشرة بالمواطن مع ضرورة إخراج وحدات الجيش المختلفة من العاصمة كما يحدث في كل دول العالم والابقاء على القيادة العامة فقط».

وتابع: «أيضاً هنالك ضرورة لترتيب جهاز الأمن الوطني والمخابرات وتكوينة على أسس جديدة مع تغيير القيادات الحالية بدلاً من حله كما يطالب البعض لأن تجربة الحل السابقة سهّلت من مهمة العسكر عندما قام انقلاب الإنقاذ في العام 1989م».

وزاد: «أما قوات الدعم السريع ليس منها أمل»، ووصفها بالسرطان في جسد السودان «لذلك يجب بتره واستئصاله تماماً من المجتمع السوداني».

قيادي بمبادرة المجتمع المدني: الحكومة بقيادة البرهان ونائبه حميدتي تتحمّل مسؤولية التفلتات الأمنية

فشل الحكومة الانقلابية

وحمل القيادي بمبادرة المجتمع المدني حامد إدريس، الحكومة بقيادة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان «حميدتي» مسؤولية التفلتات الأمنية التي أصبحت تشكِّل ظاهرةً وهاجساً للمواطنين في العاصمة والولايات.

حامد إدريس

وقال إدريس لـ«التغيير»: «من الواضح أن الحكومة أصبحت عاجزة عن أداء واجبها تجاه حماية المواطنين».

وأضاف: «التفلتات والسيولة الأمنية بدأت مع بداية الفترة الانتقالية وحسب تقديري الشخصي أنها كانت مقصودة في البداية من المكون العسكري في مجلس السيادة الذي سعى بشتى الطرق والسبل لإفشال الحكومة المدنية، لذلك غض الطرف عن بعض المجموعات المتفلتة هذا إذا لم يكن دعمها بصورة مباشرة بهدف تكوين رأي عام سلبي تجاه الحكومة المدنية لإظهارها بمظهر العاجز بالرغم من أنه كان مسؤولاً عن اختيار وزيري الدفاع والداخلية وترشيحهما لرئيس الوزراء».

فقدان السيطرة

وتابع: «وبعد انقلاب 25 اكتوبر لم يستطع المكون العسكري السيطرة على الوضع نتيجة تمدّد هذه المجموعات وخروجها عن السيطرة، بجانب أن بعض الانتهاكات أصبحت تتم بواسطة بعض منسوبي القوات النظامية التي استفادت من الحصانة القانونية التي منحها لها رئيس مجلس السيادة الفريق البرهان مع بداية إعلان قانون الطوارئ، وأصبحت هذه القوات بلا رقيب ولا حسيب تمارس كافة أنواع الانتهاكات، بالرغم من ان قانون الطوارئ نفسه كان يمكن أن يُسهم في خفض الجريمة، لكن يتم تفعيل مواد محددة في القانون ضد المتظاهرين فقط».

وقال إدريس: «من الواضح أن المجلس السيادي همه الأول والأخير إخماد المظاهرات فقط والبقاء في الكرسي دون مراعاة لواجبه الأساسي في توفير الأمن والخدمات للمواطنين».

وأضاف: «الآن لا يوجد أمن وغلاء طاحن ووضع اقتصادي بائس سيزيد من معدلات الجريمة التي بدأت بما يعرف بتسعة طويلة والآن تمدد النهب تحت تهديد السلاح وأحياناً من قوات ترتدي اللبس او الزي الرسمي للقوات النظامية بجانب انتشار جرائم الخطف والقتل».

مجموعات جديدة

ونوه إلى أن حالة الفوضى وصلت لدرجة ظهور مجموعات عسكرية مسلحة خارج اتفاقية السلام في شرق وشمال السودان تبث نشاطها أحيانا على مواقع التواصل الإجتماعي بصورة علنية لها مكاتب وأختام وشخصيات أصبحت معروفة ولا أحد يسألهم.

وقال: «هذا أمر شاذ وغريب جداً لكنه في النهاية يؤكد عجز الانقلابيين عن إدارة الدولة السودانية واهتمامهم فقط بقمع المتظاهرين السلميين».

وفيما يتعلق باتهام عناصر تتبع للحركات بارتكاب جرائم، أشار إدريس إلى أن قيادات الحركات والحكومة دائماً ما تنفي وجود عناصرها في الخرطوم، لكن من الواضح أن هنالك خللاً كبيراً في بند الترتيبات الأمنية».

وقال: «الدليل على ذلك أن العديد من التجاوزات عندما تقع ويضبط فيها أفراد يقولون إنهم يتبعون للحركة الفلانية وهذا أصبح معروفاً، وبالتالي كلما يرتكب هؤلاء جريمة تعلن الحركات عدم تبعية هؤلاء الأفراد لها، إذا لمن يتبعون، وطالما لا يتبعون للحركات لماذا لا يتم القبض عليهم؟».

«التغيير» ترصد يوميات جرائم معلنة بالعاصمة السودانية وغياب للشرطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى