أعمدة ومقالات

طرد ياسر عرمان من الموكب وأشياء أخرى

رشا عوض
على خلفية طرد نائب رئيس الحركة الشعبية والقيادي بقوى الحرية والتغيير ياسر عرمان من موكب احتجاجي ظهر السبت ٢٦ مارس بالخرطوم بواسطة بعض المتظاهرين برزت أصوات مؤيدة لما حدث وشامتة، وهنا لا بد من وقفة للتمييز بين الموقف السياسي من عرمان سلبا او ايجابا وبين قضية مبدئية وهي احترام الحريات العامة وعدم التسامح او التواطؤ تحت أي ذريعة مع أي شخص او مجموعة تريد أن تنصب نفسها حكما في الفضاء العام فتعطي نفسها الحق في رفع الكروت الصفراء والحمراء في وجه من تختلف معهم! مسألة الطرد من المواكب والاعتداء بالضرب على أي شخصية سياسية سلوك غير ديمقراطي وكل من يتواطأ معه اليوم سيجد نفسه من ضحاياه غدا لان محاكم التفتيش النضالي تتكاثر وكلما وجدت التصفيق ستزداد بخلا في منح صكوك الغفران السياسي!
ولكن في المقابل لا بد أن يدرك السيد ياسر عرمان أن انخراطه هو في معارضة الانقلاب العسكري ووجود رئيس حزبه في المجلس الانقلابي ومشاركة قيادات الحزب في مناصب عليا : والي في ولاية النيل الأزرق ووزيرة حكم اتحادي ووجود قيادات الجبهة الثورية بربطة المعلم في قلب الانقلاب، هو وضعية غير منطقية ومربكة وتنطوي على استخفاف بعقول الجماهير بل ويمكن تفسيرها بالانتهازية السياسية ممثلة في اكل كعكة السلطة باسم اتفاق جوبا للسلام والاحتفاظ بذات الكعكة لاكلها مجددا بعد الاطاحة بالانقلاب !
الموقف السياسي لعرمان ولقوى الحرية والتغيير التي ما زالت عاجزة عن فصل الجبهة الثورية من التحالف ، مواقف مستعصية تماما على أي تبرير منطقي، ولكن مبادئ الديمقراطية تفرض علينا احترام حق الاخرين في اختيار اللامنطق او اللاشيء ما داموا يفعلون ذلك سلميا ولم يفرضوا مواقفهم على احد. ومحاسبتهم على ذلك مكانها صندوق اقتراع حر ونزيه لا بد منه وان طال السفر.
لقد ولى إلى غير رجعة زمان الرومانسية السياسية في التعامل مع الحركات المسلحة وعلى رأسها الحركة الشعبية، فلم يعد هناك من هو مستعد لشراء خدعة أن الحركات المسلحة عندما تتقاسم السلطة مع النظم المستبدة الفاسدة تفعل ذلك مجبرة ومن اجل سواد عيون المهمشين! لقد جرت مياه بل دماء ودموع كثيرة تحت الجسر اثبتت أن هذه الحركات تشارك في السلطة المستبدة الفاسدة أصالة عن قياداتها التي لا فرق يذكر بينها وبين قيادات المركز “الاسلاموعروبي الجلابي” الذي قاتلت ضده لاقتسام امتيازات السلطة والثروة مع قياداته وليس من أجل التوزيع العادل للسلطة والثروة وصولا إلى تنمية متوازنة لصالح المهمشين المفترى عليهم!
جميعنا يلاحظ الفرق بين القدسية التي كنا نتعامل بها مع اتفاقية نيفاشا وبين الاستخفاف والتحقير الذي نتعامل به الآن مع اتفاق جوبا للسلام!
لقد وعينا الدرس تماما والغافل من ظن الأشياء هي الأشياء! اذا كان السيد عرمان يرغب في دور قيادي في معارضة الانقلاب واستعادة المسار المدني الديمقراطي للانتقال فإن خطوته الأولى نحو ذلك ليست المشاركة في المواكب، قبل ذلك يجب أن يتقدم باستقالة مسببة إلى الحركة الشعبية بقيادة مالك عقار العضو بمجلس السيادة الانقلابي.
فتح الصفحات الجديدة في تاريخ الشعوب ليس بالمجان ابدا، وعلى كل الاحزاب السياسية في السودان أن تدرك ذلك وان تقدم للشعب السوداني عربونا كافيا لكسب الثقة والاحترام، الأمر لا يتوقف عند الحركات المسلحة، فحزب الأمة مثلا لماذا لا يجري إصلاحات داخلية يعزل بموجبها العناصر المتواطئة مع الانقلاب وتتسرب ليل نهار اخبار علاقاتها المشبوهة بالانقلابيين! لن يشتري الشعب السوداني حكاية ان اللواء فضل الله برمة ناصر في احاديثه المتواطئة مع الانقلابيين وفي مشاركته وآخرين من قيادات الحزب في هندسة اتفاق ٢١ نوفمبر المشؤوم يعبر عن رأيه الشخصي ولكن المكتب السياسي لحزب الأمة معارض للانقلاب وللاتفاق الذي عاد بموجبه حمدوك ! ما قيمة حديث مكتب سياسي اذا كان رئيس الحزب يضرب به عرض الحائط؟ واذا لم ينجح حزب سياسي في عزل الانقلابيين من صفوفه كيف يمكن أن ينجح في بناء تحالف لهزيمة الانقلاب؟
لقد كنت وما زلت ادعو مخلصة لبناء كتلة تاريخية لهزيمة الانقلاب واستعادة المسار الانتقالي المدني الديمقراطي، ولكن يجب أن تعلم كل الاحزاب السياسية والحركات المسلحة وكل الشلليات التي لعبت ادوارا خفية ومعلنة خلال عامين من عمر الفترة الانتقالية (شلة المزرعة وما شابه) يجب أن يعلموا جميعا أن السودان لن يتجاوز ازمته التاريخية الراهنة الا بسداد امين لاستحقاقات عبور تاريخية تبدأ داخل كل كيان سياسي ، باختصار كل يجب أن ينظف منزله أولا ثم ينخرط في عمل مشترك مع الآخرين لتنظيف الشوارع.
الدعوة إلى التلاحم الوطني الكبير من أجل هزيمة الثورة المضادة وبناء سودان الديمقراطية والسلام والعدالة لن تنجح الا اذا كانت ممهورة بأفعال وطنية ملهمة وبخطوات جادة نحو التغيير الذاتي الملهم داخل الكيانات السياسية المختلفة،وصولا إلى استنهاض عظيم ومؤثر يثمر نهوضا وطنيا نوعيا يفتح صفحة جديدة في تاريخنا بأيدينا جميعا ؛ نعم بايدينا جميعا رغم تنوعنا واختلافاتنا الجذرية والفرعية.

 

‫2 تعليقات

  1. أقترح أن تشرعي ، بمعية نفر من الحكماء الثوار، ذوي بعد النظر الشمولي، وليس من لا ينظرون لأبعد من أرنبات أنوفهم، في عقد لقاءات مع جميع الفاعلين في الشارع الثوري، لتحليل الأوضاع ، وإجتراح الحلول لخلق بيئة مواتية لرفع البلاد والعباد من وهدة السقوط في الفشل. لا أعتقد أنهم سيرفضون، إلا من لديهم غرض!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى