أعمدة ومقالات

العسكر وتسريب فضائح السياسيين

رشا عوض
بحكم اشتغالنا في مجال الصحافة تصلنا بإستمرار تسريبات عن لقاءات وتفاهمات وصفقات تافهة بين الانقلابيين وبعض قيادات الاحزاب والشخصيات المدنية المرموقة ، مصدر هذه التسريبات مصادر موالية لعسكر الانقلاب ومؤكد انها تسرب هذه المعلومات تنفيذا لتعليمات عسكرية بهدف تدمير سمعة هذه الاحزاب والشخصيات !
لماذا يدمر الانقلابيون صورة القيادات الساعية للتحالف معهم؟
ببساطة لأنهم يشترطون فيمن يشاركهم من المدنيين الضعف والهوان والعزلة الجماهيرية، فهم لا يرغبون في شراكة حقيقية حتى فيما بينهم كعسكر! إذ ان جوهر الانقلاب العسكري هو الانفراد المطلق بالسلطة مع مساحيق تجميل مدنية لارضاء الخارج! وطبعا الانظمة الدكتاتورية الفاسدة تعلم تماما مدى كراهية الشعوب لها وان افضل وسيلة لتحطيم السياسيين هى إذاعة أسرار علاقاتهم بها!وبالتالي ان الأوان ان يدرك كل الساسة الحزبيين والشخصيات ذات المكانة في المجتمع المدني ان لا أسرار مع عسكر الانقلاب لن تصل الشعب! وبالتالي ليتهم يلتزمون الحكمة العظيمة: ما تدي قفاك للعسكر العسكر ما حيصونك..ادي قفاك للشارع الشارع ما حيخونك!
وليعلم السياسيون جميعا أن مهادنة الانقلابيين وملاطفتهم وخفض جناح الذل لهم – وان كان بحسن نية وطنية تنشد فعلا حماية البلاد والعباد من شرهم- لن يجدي في كسبهم واتقاء شرورهم لان السبيل الوحيد للجم استبداد واطماع هؤلاء هو تغيير معادلة توازن القوى على الأرض لصالح البديل الديمقراطي للدرجة التي تجعل خيار الدكتاتورية العسكرية غير ممكن واقعيا! ولأن الانقلابيين يعلمون ان وحدة القوى السياسية ضدهم عامل حاسم في تغيير معادلة توازن القوى على الأرض فإنهم يعملون ليل نهار لعرقلة او تخريب اي مشروع لتوحيد الصف المدني الديمقراطي، ومن وسائلهم في ذلك فضح من يتواصل معهم من الشخصيات الحزبية او المدنية ، ولذلك اذا كانت الاحزاب السياسية جادة في المساهمة الفاعلة في بناء جبهة وطنية صلبة لهزيمة المشاريع الانقلابية وتدشين مشروع حقيقي للتحول الديمقراطي فيجب عليها التحلي بأقصى درجة من درجات الصرامة في التعامل مع قياداتها التي تتواصل مع الانقلابيين سرا وعلانية، فإذا كان الحزب السياسي أعلن موقفا معارضا للانقلاب فمن الواجب عليه تجميد او فصل اي قيادي يناقض هذا الموقف، إذ ان الموقف المبدئي من انقلاب عسكري يواجه معارضيه بالرصاص الحي هو قضية مفصلية ومصيرية للوطن والمواطن ولا تحتمل التهاون والسبهللية. وبطبيعة الحال الحزب السياسي مؤسسة الانتماء لها مشروط بالالتزام برؤيتها وبرنامجها السياسي المعلن، فكل من خالف الرؤية والبرنامج خصوصا في القضايا التي بطبيعتها لا تحتمل وضعية المنزلة بين منزلتين مثل قضية الموقف من الانقلاب العسكري ، يجب أن يفصل او على الاقل تجمد عضويته ويخضع للتحقيق ولا بد أن تتوفر لدى كل حزب الآليات المؤسسية لتنفيذ ذلك،وبغير هذه الضوابط لن يستحق اي حزب تصنيفه ضمن الاحزاب السياسية بالمعنى المتعارف عليه في مراجع العلوم السياسية، فالحزب ليس (لمة ناس) في بيت عرس او بيت سماية حتى يكون هناك حرج في مطالبة شخص بمغادرته عند توفر اسباب موضوعية لذلك.
أما إذا كانت هناك احزاب تعلن موقفا جذريا ضد الانقلاب في العلن تحت ضغط الشارع ولكنها ما زالت مؤمنة بأن الخيار الامثل للخروج من الأزمة هو الشراكة مجددا مع الانقلابيين وتسعى لذلك في الخفاء ، فإن هذا موقف تافه لا يليق بحزب يحترم نفسه ويحترم شعبه، فالحزب الناضج والمحترم يجب أن يكون شفافا مع الشعب، وأن يعلن بصراحة وشجاعة موقفه السياسي الذي يراه صحيحا مهما كانت قوة درجة رفضه شعبيا، ويدافع عنه بحيثيات موضوعية تحترم عقول الجماهير وقواعد المنطق السياسي والاخلاقي، اما اذا كان الموقف عصيا على التبرير بمثل هذه الحيثيات فلا داعي لاتخاذه ابتداء!
السودان دولة تكابد مخاض التأسيس رغم مضي ٦٦ عاما على استقلالها، ولذلك يجب على كل كيان سياسي سوداني ان يرقى لمستوى مهام التأسيس لوطن قابل للحياة والتطور، وأولى خطوات ذلك الإبتعاد عن أساليب الفهلوة والاكروبات السياسية وعبادة المصالح الذاتية والالتزام بالشفافية والمبدئية في العمل السياسي وتوظيفه بصدق وإصرار لخدمة المصلحة الوطنية العليا، وفي هذا السياق يحاصرنا تحدي الانقلاب العسكري الذي لن يسقط الا ببناء كتلة سياسية تاريخية مؤهلة لهزيمته وتدشين فترة انتقالية ناجحة تمهد لانتخابات حرة نزيهة عبر تهيئة الملعب السياسي بحزمة من التدابير التي تخلق بيئة سياسية وقانونية تكفل تكافؤ الفرص. بكل اسف حتى هذه اللحظة لم تتشكل مثل هذه الكتلة التي يجب أن تضم كل اصحاب المصلحة الراجحة في التحول الديمقراطي.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى