تقارير وتحقيقات

«999 طويلة».. عسكر السودان في قفص الاتهام

لا شيء يمكنه توصيف ما يحدث من عمليات نهب وسطو للسودانيين -بعضها موثق- على يد العسكر، بقلب العاصمة الخرطوم، سوى عبارة (حاميها حراميها) التي توضح تحول عناصر الأجهزة النظامية بمختلف مكوناتها (بما فيهم الجيش) من جهات يلجأ إليها المواطنون لتوفير الأمن، لعناصر تهدده، بتنفيذ عمليات النهب المسلح (الهمبتة) نهاراً وليلاً.

الخرطوم: التغيير

انتشرت في الوسائط الاجتماعية عددا من مقاطع الفيديو التي يقوم فيها عسكريون بسرقة مواطنين؛ إلّا أن حادثة المعمل القومي للصحة العامة (ستاك) هزت المجتمع السوداني بصورة خاصة، لجهة أن المتهمين فيها ينتمون (وفق فيديو وثق به عاملون في المعمل الحادثة) لقوات الشعب المسلحة.

خلل تنظيمي

الناطق باسم القوات المسلحة

الاعتداء الذي مارسه منسوبو الجيش بتاريخ 17 مارس على ستاك وبنك الدم المركزي؛ شمل تحطيم النوافذ الزجاجية وسرقت هواتف العاملين، ولم تتوصل الأجهزة المختصة للجناة حتى ساعة نشر التقرير، مع كشف الناطق الرسمي باسم الجيش العميد نبيل عبد الله بأن التحقيقات جارية بعد وصول البلاغ.

وقال عبد الله لـ(التغيير) إذا ثبت تورط أفراد من الجيش ستتم محاسبتهم ومعاقبتهم وفقاً لقانون القوات المسلحة الذي يحرم ويجرم الاعتداء على المدنيين في أي حالة من الأحوال.

ولا تعتبر حادثة (ستاك) الأولى من نوعها؛ بل هناك شكاوى من مواطنين، من بينهم صحفيين، من تعرض منسوبي الجيش لهم بالضرب ومحاولة الدهس وسط الخرطوم.

وحول تلك الحادثة التي طالت اثنين من الصحفيين المعروفين (شمائل النور وعثمان فضل الله) علّق الناطق الرسمي باسم الجيش، إن الأمر يبقى مجرد رأي على صفحات التواصل الاجتماعي؛ مطالباً بالتبليغ عن الحادثة مع تقديم الدلائل والبراهين والصور والمستندات.

وأضاف: “ما لم يحدث ذلك لا يمكن معاقبة أي فرد”.

وحول سؤال (التغيير) عن عدم قدرة الجيش على ضبط منسوبيه، قطع عبد الله بأن الجيش لا يمكن بأي حال أن يعجز عن ضبط منسوبيه، مؤكداً أن (القوات المسلحة عمادها الضبط والربط).

وأشار إلى أنه قد تحدث تجاوزات فردية في بعض الأحيان، وصفها بـ(المعزولة) ويتم التعامل معها فوراً، مؤكداً في الوقت نفسه عدم صدور نتيجة التحقيقات في حادثة معمل (ستاك) حتى الآن (ساعة نشر التقرير).

وحول تساؤلات المواطنين من تدخل الجيش في عمليات فض التظاهرات؛ قطع عبد الله بأنه إحدى واجبات القوات المسلحة التدخل في عمليات الأمن الداخلي وفق تدابير معينة.

قال الناطق باسم الجيش لـ(التغيير): تتدخل قوات الجيش في عمليات الاضطرابات والحصار والتفتيش في معاونة السلطات المدنية عندما يفوق الأمر قدراتها المتيسرة بضوابط وطابور محدد حسب الموقف.

 سرقات (نظامية)

“لم يتركوا رغيفه واحدة”، هذا ما كشفه شاهد عيان بمدينة بحري كان موجوداً في الوقت الذي هجمت فيه قوات بزي الشرطة على مخبز بحي الأملاك، لتسرق من الموجودين هواتفهم والأموال مع كامل الرغيف الموجود داخله.

جرت هذه الحادثة وفق شاهد العيان الذي تحدث لـ(التغيير) وتحفظنا على اسمه، في نهاية إحدى المليونيات التي جرت في شهر فبراير الماضي.

وقال شاهد العيان في ذات اليوم قامت مجموعة من العساكر كانوا على متن 8 تاتشرات بتوقيف جميع المواطنين الذاهبين إلى موقف المواصلات بالمحطة الوسطى، وأمرتهم بالجلوس على الأرض ونهبت كل ما يحملون من مال وهواتف.

وكشف شاهد العيان عن رفض الموجودين داخل قسم المدينة بحري فتح بلاغات في مواجهة المعتدين.

مضيفاً: “أثناء وجودنا داخل القسم دخل هؤلاء العساكر الذين نهبونا إلى داخل القسم”.

وقال شاهد العيان إن أحد العساكر قال له إن تلك القوات التي قامت بنهبهم لديها أوامر لتنفيذ ما فعلت، مطالباً إياه بالمغادرة لعدم جدوى الشكوى.

مدير شرطة ولاية الخرطوم الأسبق: عناصر الشرطة مرهقون جسدياً وذهنياً من الاستعداد طيلة 3 أعوام

هذه الحوادث تعتبر مجرد نماذج من شكاوى المواطنين اليومية في مدن العاصمة الثلاث (الخرطوم، بحري، أم درمان)، حيث تكثر حوادث سرقة الهواتف والأموال من المواطنين وفي أحيان سرقة الأسواق (مثل حادثة السوق المركزي) أو المطاعم والمخابز.

وتتكرر حوادث السرقة في نهاية كل موكب معلن، الأمر الذي يمنح حديث العسكري بعض الوجاهة في كونها أوامر تمنح للعساكر لتنفيذ عمليات نهب المواطنين كأسلوب قمعي جديد يضاف إلى القتل والضرب والاغتصاب والاعتقال الذي تنفذه السلطات الانقلابية على المتظاهرين السلميين.

ولم تتمكن (التغيير) من الحصول على رد مباشر من الشرطة أو الناطق باسمها، لجهة عدم صدور قرار رسمي بتسميته بعد، وقمنا بالاتصال بأكثر من مسؤول في مكاتب إعلام الشرطة وقدموا جميعا اعتذارا بأنه غير مخول لهم الحديث لوسائل الإعلام.

من جهته، كشف أحد منسوبي الشرطة عن تذمر كبير من قوات الشرطة بسبب جمع سلاحهم وترك تسليح شخصي للضباط فقط، إلى جانب إرهاق كبير يطالهم بسبب استمرار العمل لساعات طويلة مرهقة.

قائلاً: “نريد أن نترك هذا المجال فوراً، ما نتلقاه من مقابل مادي قليل في مواجهة الكراهية الجماهيرية.. الناس يدعون علينا”.

واحتج المصدر الشرطي الذي فضل حجب اسمه على ادعاءات المواطنين بعدم موافقة القسم فتح بلاغات في مواجهة منسوبي الشرطة، مؤكدا أن ذلك غير مسموح به.

وقال لـ(التغيير) ربما يكون طلب منهم الذهاب للنيابة ومع التوتر الشديد بين الطرفين فهم المواطنون عدم تعاون الشرطة معهم.

 أزمة ثقة

وفي ذات المنحى، ذهب مدير شرطة ولاية الخرطوم الأسبق، الفريق طارق عثمان الذي أقر بوجود توتر كبير في الأجواء، عزاه للأوضاع السياسية غير المستقرة.

مدير شرطة ولاية الخرطوم الأسبق

وقال لـ(التغيير): “في حال حدوث تراضي سياسي سيتم حل المشكلة الأمنية.

وأضاف: إن القوات الشرطية مستعدة طوال ثلاثة أعوام الأمر الذي يؤثر على جميع منسوبيها جسدياً وذهنياً.

وقطع الفريق طارق بضرورة اجتثاث ظاهرة اشتراك عناصر الشرطة في النهب بصورة فورية “حتى لو كانت من أعداد قليلة”.

مشيراً إلى أنّ التجاوزات مقبولة من أي مهنة إلا قوات الشرطة.

واستدرك مدير شرطة ولاية الخرطوم الأسبق قائلاً: “ليس كل ما يقال عن الشرطة صحيح هناك كثير من الفيديوهات المفبركة”.

وألمح عثمان بوجود عناصر دخيلة وسط تغطية المواكب، مشيراً إلى انتشار الزي العسكري والعلامات العسكرية والشرطية في السوق.

واشترك الضابط الذي تحدث لـ(التغيير) في اتهام جهات أخرى بالتورط في التجاوزات، مشيرا إلى وجود عناصر تابعة للحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا.

من جهته قطع الفريق طارق بعدم مقدرة أي مكون عسكري آخر سوى الشرطة في التعامل مع المواطنين لجهة أن هذا هو تخصصهم.

ومع استمرار الاحتقان السياسي والتردي المعيشي، يزداد قلق المواطنين من تطور التفلتات الأمنية والسرقات والعنف، الأمر الذي رجحه المدير الأسبق لشرطة ولاية الخرطوم: “من المرجح أن تزيد التفلتات الأمنية حال استمر الاحتقان السياسية وتدهور الأحوال المعيشية”.

وأضاف: “أي حلول أمنية للوضع الراهن ستكون مجرد مسكنات ولن تعالج المشكلة”.

لافتاً إلى معاناة الخرطوم من وضع خاص بسبب عدد السكان الكبير والضغط على كافة الخدمات.

 الناطق باسم الجيش: إذا ثبت تورط أحد منسوبينا في حادثة (ستاك) ستتم معاقبته فورياً

من جهة ثانية رفض الفريق طارق ما يثار حول أن القوات النظامية لديها أوامرا بالسرقة.

وقال: “هذا لا يمكن مطلقا”، رابطاً ظاهرة السرقات بتدهور الوضع المعيشي.

وأضاف شارحاً: “في ظروف التدهور الاقتصادي هناك أناس ضعفاء ويلجئون للجريمة باعتبار أن عائدها أكبر، والبعض الآخر لديه قيم وأخلاق ولا يمد يديه مهما كان الحال”.

صمت رسمي

ويبقى تكرر السرقات التي ينفذها نظاميون أمراً واقعاً توثقه الهواتف النقالة، ينشر الهلع والفزع من جهة، ويفقد المواطنون حقهم في استرجاع ممتلكاتهم وهواتفهم وأموالهم من جهة أخرى.

ومع انتشار الفيديوهات الموثقة لتلك الحوادث، لم تخرج أي بيانات رسمية توضح ما تقوم به الشرطة من إجراءات تحقيق فيها أو إجراءات منع لحدوثها المستقبلي.

يحدث هذا بوقت تصدر قوات الشرطة بيانات راتبة، تتحدث فيها عن الإصابات التي يتعرض لها منسوبيها أثناء فضهم للمواكب الرافضة للانقلاب العسكري.

تعليق واحد

  1. ليس بعد القتل جريمة ، من يقتل يفعل أي شيء ، القاتل سفاح واذا كان ينتمي لجهاز أمني فهو جهاز فاسد ومختل وفاقد للشرف ، وجود قاتل واحد في جهاز أمني دون محاسبته يجعل الجهاز كله فاقد للشرعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى