أخبارأعمدة ومقالات

المسكوت عنه في الثورة السودانية: ما بين خطابات وتصورات اليسار والوسط واليمين

بكري الجاك

هذه العجالة ليست في مقام معالجة أو تحليل متكامل لكل التصوارت عن الثورة السودانية لكنها محض توصيف و تلخيص لتصوارت و مفهوم الثورة السودانية من قبل أطراف عدة تشترك في الأفعال الثورية من رفض لانقلاب 25 اكتوبر و للقوي الانقلابية و مقاومتها بواسطة كل الادوات الثورية من تتريس وتظاهر و اضراب سياسي و عصيان مدني، لكنها قد تختلف في دوافعها الذاتية و في توصيف فعها المقاوم و في تطلعاتها لشكل و طبيعة الدولة السودانية التي تسعي الي تشييدها في اعقاب انتصار الثورة.

القاسم المشترك الأعظم بين اليسار و الوسط و اليمين من بين كل القوي الثورية هو التطلع الي قيام دولة ديمقراطية مدنية تراعي مبدأ المواطنة المتساوية، فصل السلطات، سيادة حكم القانون و ضمان الحريات العامة، و تحقيق هذه الاهداف العريضة بالضرورة يقتضي اعادة تعريف دور القوات النظامية (من جيش وشرطة و أمن) في السياسة و الاقتصاد وفق عقد اجتماعي جديد يعرف ماهية الدولة و علاقات الافراد ببعضهم البعض و علاقة المجتمع بالدولة و دور الدولة في المجتمع بما في ذلك دور القوات النظامية. للأسف هذا القاسم المشترك الأعظم لايجد كثير اهتمام في ظل واقع التصعيد و المقاومة المتسربل الي حد ما بمحاولات التفوق الاخلاقي رغم الاجتهادات للاصطفاف الموحد في وجه القوي الغاشمة التي تسعي الي كسر شوكة المقاومة و اظهارها علي انها مقسمة كمبرر لاستمرار احتكار السلطة.

في اوساط قوي اليسار هنالك اطراف تتحدث عن تغيير جذري و هنالك عدة تصورات عن ماذا يعني التغيير الجذري في اوساط هذا المعسكر، لكن يمكن القول أن هنالك تيارين عريضين وسط قوي اليسار يدفع كل منهما بتصوراته عن مفهوم التغيير الجذري و ما يعني ذلك عمليا علي الارض في شكل تنافس بائن للمتابعين و لكل ذي بال. هنالك قوي يسارية مثالية تنظر للحراك الثوري في السودان من خلال تصورات جدلية تربط الواقع السوداني بالسياق العالمي و هذه القوي تري انه لا يمكن احداث تغيير ثوري كبير في السودان من دون التعاطي مع قضايا الاستغلال الطبقي و الهيمنة الأمبريالية، هذه القوي ربما تكون وصلت الي هذه الخلاصة من خلال تصورات منهجية تري انه لا يمكن أن يحدث تحرر في مكان ما دون انهاء كامل لعلاقات التبعية و الاستغلال التي شكلت طبيعة النظام العالمي الرأسمالي و اقتصاده السياسي منذ زمن طويل و بشكل رسمي منذ عام 1945. ومن دون اسباق اي احكام قيمية هذه القوي تجد نفسها في خطاب التفكيك و التحليل حول عدم عدالة النظم و الانساق التي تشكل طبيعة النظام العالمي و تحمل وصفات جاهزة لكل مختلف مع تصوراتها، لكنها في حقيقة الأمر لا تحمل اي تصور عملي عن كيفية الانتقال من الوصف و الشكية الي كيفية بناء نظام عادل اجتماعيا و نوعيا بحجة انه لا يمكن التفكير في مثل هذا المشروع الكبير ابان الاشتغال بتنظيم صفوف المقاومة محليا و اقليميا و دوليا. و هذا الخطاب قمة آلياته هي اما تصورات مثالية و فوقية عن كيفية تنظيم المجتمع أو الدعوة الي تضامن بين الشعوب باعتبار أن الحكومات هي شر مستطير، و حجية هذا التصور أن ديمقراطيات الغرب غير حقيقية و أن الدولة في الغرب مختطفة بواسطة شرائح رأسمالية لذا لا يمكن التعويل علي الحكومات و يجب اللجوء الي الشعوب و كأنما هذه الشعوب المغلوب علي أمرها في تعديل حالها محليا بمقدورها التضامن لتعديل وضع مائل عالميا. الغريب أنه حتي حينما تتضامن هذه الشعوب بالطريقة التي تعرف من خلال تبرعات طلاب المدراس التي تأتي في شكل أموال للمنظمات هناك من بين قوي اليسار ( الطفولي) التي تري في أموال المنظمات و المساعدات تطويع و تلطيخ للارادة الوطنية رغم أن جلّها يسعي الي الحصول علي هذه الاموال، هذا الموقف لا يمكن أن يوصف الا بكونه idealistic naivety مثالية ساذجة لا تتعدي الادعاء بالتفوق الاخلاقي، ان لم يكن عدم امانة اخلاقية، لا تكترث لكيفية تطبيق هذا الموقف سياساتيا من ناحية عملية. قوي اليسارالاخري الاكثر براغماتية ونضجا تعني بالتغيير الجذري خروج المؤسسة العسكرية من الحياة السياسية بالكامل و تأسيس سلطة مدنية كاملة تعيد تعريف علاقات السلطة و القوي في الدولة السودانية المنشودة. هذه القوي تفترض أن ما سيخرج من القواعد من تصورات عن علاقات السلطة القوي و كيفية تنظيمها سيكون هو الاساس لبناء الدولة السودانية، و هذه القوي تبني هذه الرؤي من وفق اسهامات القوي الحية المنخرطة في فعل المقاومة و تفترض أن ارادة و تصورات هذه القوي تعبر عن القوي الصامتة في المجتمع. هذا الافتراض صحيح في ظل ديمقراطيات راسخة و دولة بكامل مؤسساتها اذا يكفي ان يصوت اي عدد من الناخبين ( لا يوجد نصاب في العديد من الانظمة الديمقراطية) لشرعنة اي عملية انتخابية، السؤال هل تصورات الفاعلين السياسيين المنخرطين في فعل المقاومة كافية لتنوب عن الجميع في مرحلة التأسيس؟ هذا سؤال كبير سيظل مفتوح الي أن نجترح حوار جاد و خلاق. عمليا قوي اليسار بشقيها موجودة في عدة كيانات سياسية منظمة و غير منظمة.

القوي التي يمكن وصفها بقوي الوسط قد تتفق مع اليسار المثالي في التحليل حول التصورات عن علاقات الاستغلال و التبعية لكنها تتوافق، أو قد لا تختلف في اقل تقدير مع قوي اليسار البراغماتي في تطلعاتها الي تغيير جذري يفضي الي خروج للمؤسسة العسكرية من الحياة السياسية والاقتصاد بشكل كامل و شامل وفق ترتيب دستوري. و تسعي هذه القوي الي قيام دولة علي اساس المواطنة المتساوية بما في ذلك من عدالة اجتماعية و عدالة نوعية مع العلم أن بعض هذه القوي ليس لها تعريف واضح لماهية و مضامين و دلالات العدالة الاجتماعية و العدالة النوعية سياساتيا بما يفسر طبيعة دور الدولة في تنظيم العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية من خلال التشريعات و السياسات العامة التي يجب أن تسعي الدولة الي تطبيقها.

القوي اليمينية العريضة المنخرطة في الثورة ايضا تتفق مع بقية القوي الثورية حول قيام نظام ديمقراطي ودولة مدنية كاملة، هذه قوي عريضة و بها قدر من السيولة و بعضها لا يملك تصور كامل لفهم أن قيام نظام ديمقراطي هو لا محالة سيفضي الي مبدأ المواطنة المتساوية و سيادة حكم القانون والفصل بين السلطات وهو ما قد يتعارض مع بعض تصوراتها عن كيفية تنظيم المجتمع. هذه القوي متصارعة ما بين تصوراتها ومبادئها عن العالم و ما بين رفضها للمظالم و فشل الدولة السودانية. الخطاب الموضوعي الي هذه القوي يجب أن لا يقوم علي الاستخفاف بها و رفضها و تبخيس تصوراتها عن العالم بل بالانخراط معها في حوار مجتمعي جاد حول أهمية و قيمة قيام نظام ديمقراطي و دلالات و معاني تطبيق مبدأ المواطنة المتساوية و تفصيل أن ذلك لا يتعارض مع الارادة الالهية اذا ما نظرنا الي أن تفسير الارادة الالهية هي محض فعل بشري.

خلاصة القول أن الفعل الثوري، من خلال مشاهداتي و مشاركتي الحية، تنخرط فيه قوي تقدمية و قوي وسط و قوي محافظة الي حد ما و جميعها يتفق حول رفض الانقلاب كتجلي لفشل الدولة السودانية و ضرورة و حتمية هزيمته، و تختلف هذه القوي في توصيف تصوراتها للحراك و لطبيعة الدولة التي يجب ان تقوم في أعقاب هزيمة الانقلاب و تفكيك دولة الانقاذ، اذ أن مفهوم الحد الأعلي و مشروع التأسيس يتطلب البدء من المشتركات الكبري و من ثم البحث عن ثوابت بين كل هذه القوي لتصبح اساس للبناء الدستوري للجمهورية الثانية، هزيمة الانقلاب اصبحت واقع كما قلنا منذ وقوعه و الثورة السودانية ماضية الي تحقيق اهدافها، فهلا توحدنا حول رؤية للمستقبل.

بكري الجاك
26 مارس 2022

تعليق واحد

  1. مايعرقل حركة الثوره الان هو الصراع التاريخي بين اليمين المتطرف و اليسار المتطرف و الثأر الذي يتطلع اليه كلا الفريقان و تطلعات قادة الكفاح المسلح او حركات التمرد ايا كانت التسميه تطلعات بعض او معظم قادة الحركات الي مكاسب شخصيه و المتاجره بقضايا الهامش ايضا طموحات حميتي و بعض عسكر القوات المسلحه وفي الجانب الاخر تقف احزاب مدنيه ضعيفه مفككه و شباب ثائر يرفض هذا المنتوج البالي و اغلبيه اخري صامته تنظر بحسره لما ال اليه الحال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى