أخبارأعمدة ومقالات

ها قد اقتربنا من نموذج اللادولة والشمولية الجديدة

بكري الجاك

ها قد اقتربنا من نموذج اللادولة و الشمولية الجديدة

بكري الجاك

تحدثت في كتابات سابقة عن أن الانقلابيين في السودان يدشنون نموذج جديد لنظام استبدادي ربما سيكون مادة لكتابات جادة عن نوذج جديد في النظم السياسية للبحاثة و المهتمين، جرت العادة الي تصنيف الانظمة الاستبدادية الي نظام دكتاتوري يبدأ بصيغة عسكرية بلا حزب سياسي، وقد يقوم قادته ببناء حزب سياسي و خلق قاعدة اجتماعية من طبقة وسطي مستفيدة و متصالحة مع النظام و هذا هوالطريق الذي مضت فيه تجارب العديد من الانقلابات حول العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية. و لا يصبح النظام الدكتاتوري شموليا الا اذا تبني ايدولوجيا سواء كانت يسارية او يمينية او فاشية. نظام الانقاذ كان نظاما شموليا بامتياز في عشريته الاولي و بعدها اصبح استخدام الدين مجرد وسيط سياسي للسيطرة الاجتماعية و ليس لغاية ايدولوجية مبتغاة مثل “الدولة الرسالية و اعادة صياغة المجتمع” في اوائل تسيعنينات القرن الماضي.

النظام الذي قيد التشكل الآن هو نظام ليس له ايدولوجيا و لا مشروع سياسي و كل همه هو توظيف جهاز الدولة لاكتساب شرعية سياسية و اجتماعية لا يكترث لها بالداخل و قد بدأ يتخلي عنها و يخرج وجه الكارتيلات و طريقة عمل العصابات بشكل مباشر. اولا هذا نظام يقوم علي ادارة كيانات تعمل كدول مستقلة داخل الدولة و لا يرتبط نشاطها الاقتصادي بطريقة عمل الدولة الا في اطار التقنين لهذه الممارسات كوضعية طبيعية. و في مثل هذا النظام الدولة لا تكترث إلى الاضطلاع بمهام الدولة الاساسية الثلاث: اولا احتكار العنف و استخدامه فقد وفق صيغة قانوية دستورية و منع الاخرين من استخدامه، ثانيا تنظيم المجتمع عبر سياسيات تقديم خدمات و اعادة توزيع الدخل، ثالثا انفاذ التعاقد. من الواضح أن الدولة التي يسعي التحالف الانقلابي الي تشكيلها انها غير قادرة علي القيام بهذه المهام اما نظامها السياسي فهو غير معني بالحكم بمعني تسيير شؤون الناس اي governing بل بالحكم بمعني ruling و التمسك بالسلطة بأي ثمن.

مظاهر تلاشي الدولة اصبحت ماثلة للعيان و خير مثال لذلك هو انهيار النظام الاجتماعي Social Order و النظام الاجتماعي لا يقوم علي الخضوع للقانون الرسمي وحده بل هو اساس تنظيم العلاقات الاجتماعية و هو التعاقد الاول بين الفرد و المجتمع، و لا يوجد مجتمع علي ظهر الارض بوسعه البقاء دون عقد اجتماعي الذي هو أهم من القانون الرسمي الذي تنفذه مؤسسات الدولة. و كنت قد جادلت سابقا أنه ربما يكون الحراك الثوري هو آخر أمل في الحفاظ علي العقد الاجتماعي. التفلت الذي نشهده من القوات النظامية الآن هو ليس محض أمر سياساتي حيث يتم توجيه هذه القوات بالسرقة و القتل و النهب و الاغتصاب لاثارة الرعب، لا بل هنالك دلائل و قرائن تؤكد أن هذه المجموعات هي الآن خارج سيطرة حتي من يجب أن تأتمر بأمرهم. و في مثل هذه الاوضاع ليس بالسهولة لكل فرد في أن يعرف ما المتوقع منه وفق ما يعرف ب نظرية ال social exchange theory وبالتالي سيصيح هاجس كل فرد كيف لي أن احمي نفسي حتي من آخرين هم ليسوا بنظاميين، فالثقة المتوفرة في البنيات الاجتماعية غير كافية فعادة قدرة الانسان في معرفة ناس بشكل لصيق لا تتجاوز حدود المائة و خمسين شخص، مما يعني أنه ليس من المنطق التعويل علي المعارف الشخصية للحفاظ علي أي عقد اجتماعي. المؤشر الآخر هو أن الانتهازيين من بطانة المؤتمر الوطني التي احيانا يطلق عليها الناس مصطلح الاسلاميين و الكيزان، الآن تتعامل مع مؤسسات الدولة خصوصا القضاء كوسيلة لتطبيع حقها في السرقة و النهب و الفساد. عليه علينا التوقف عن الدهشة اذا ما قام القضاء الحالي بابطال كل القرارات القضائية السابقة ربما بما فيها اي اجراء سياسي او تنفيذي، فما الغريب في ذلك؟ أوليس هذا هو نفس الجهاز العدلي الذي خلقته الانقاذ ووظفته في التنكيل بالخصوم و بسجنهم و في توطين منظومة الفساد المؤسيي؟ف هو لا يرقي الي وصفه بانه جهاز عدلي في الأساس، و ربما من الافضل للكيزان و لنا أن نسمي الاشياء باسمائها هذا محض زراع للاستبداد يتم استغلاله و استخدامه لاصباغ هيبة علي هذه القرارات لاستخدامها للمحاججة بصحة اجراءآت التقاضي، و هو أمر اشبه بالقول أن القضاء في كوريا الشمالية عادل و مستقل او أن في المانيا النازية كان يمكن للضحايا اللجوء للقضاء للدفاع عن حقهم في الحياة.

ما حدث في دارفور من انفراط للعقد الاجتماعي و خروجها عن اي فرص لان تصبح قابلة للحكم Ungovernable يتم نقله الآن الي الخرطوم و الي الشرق و النيل الازرق و كردفان و بقية انحاء البلاد. و هوانعكاس مباشر لانهيار العقد الاجتماعي و تلاشي الدولة و غيابها عن الحياة و ابدالها بمليشيات تعمل في شكل كارتيلات و عصابات مافيا. هذا النموذج من الحكم يوجد في الكونغو و في العديد من دول العالم، اذ تجد هذه الكارتيلات صيغة ما لادارة مصالحها و المحافظة علي شكل ما لنظام اجتماعي و واجهة مؤسساتيه للدولة، الا أن مليشيات السودان ليس لديها الرغبة حتي في المحافظة علي صورة شكلية كواجهة للدولة. يجب أن نكف عن الدهشة و الاستغراب و نحن نري ماذا تفعل القوات الشرطية من قتل و سحل و اغتصاب و سرقة للمدنيين المتظاهرين السلميين و العزل، في القريب ربما ستأتي هذه الميليشيات الي البيوت و ستعوث فسادا و قتلا و سرقة و اغتصابا و تخريبا و ما نراه الآن قد يكون محض البدايات.

خلاصة القول أن هذه المليشيات ترتبط بمصالح اقليمية و تحركها رغبات ذاتيه في الحصول علي المال السياسي عبر جهاز الدولة و هي غير مهتمة بما يحدث للناس، صحيح أن ضنك الحياة سيخرج ملايين السودانيين من حالة الصمت، الا أن التحدي الاكبر هو كيف ستكون ردة فعل مليشيات تعاني من حالة توازن ضعف ليس بوسع اي من قيادتها اتخاذ قرارات حاسمة و ايضا التحدي في مدي استمرار سلمية هذا الحراك. الفريضة السياسية الغائبة هي مدي ضحالة الخطاب السياسي ازاء هذه الاوضاع و مآلاتها. فالقوي السياسية المنظمة التي يمكن وصفها بثورية تعاني من ضعف في القيادة و غياب للرؤية و منشغلة بأمور ثانوية و بتثبيت مواقف، أما القوي الثورية الحية الأخري فهي غارقة في السياسية علي مستوي المايكرو Micro politics في تنظيم الحراك الثوري، و جزء من خطابها يقوم علي تصوارت مثالية تفترض أن انهيار الدولة ليس بالأمر السيء بالكامل فيمكن اعادة البناء من حيث ابتدأ العمل القاعدي، و لعمري هذا ليس بمستغرب من افراد لم يشهدوا الانهيار الكامل للنظام الاجتماعي حين يعود الناس الي الانتماءآت الأولية حيث حتي هذه الشعارات الثورية الحداثية قد لا تصبح ذات جدوي في ظل حالة الخوف الشامل و انعدام الثقة. ما لم يتم تطوير رؤية مشتركة تعبر عن التطلعات الثورية للسودانيين و يصحبها خطاب سياسي و خطاب دبلوماسي ناضج لدول الاقليم ( اللاعب الأكبر في حالتنا الراهنة) و لدول العالم، و للداخل لتشكيل اللحمة التي ستحافظ علي الحراك الثوري كعقد اجتماعي ربما من المنطقي أن تكون النتيجة هي التشظي و تفكك ما تبقي من الدولة، لكن هذا لن يحدث قبل المرور بعمليات فوضي واسعة و غياب للأمن، و لا تندهشوا يا سادتي ان غدا وجدتم بنك السودان في مزاد علني للبيع.

31 مارس 2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى