أخبارتقارير وتحقيقات

الثورة السودانية.. مصاب يرفض مغادرة «قطار المواكب»

الثورة السودانية، التي لاتزال جذوتها متقدةً للعام الرابع توالياً، لم تفتأ تقدّم الدروس والعبر يوماً تلو الآخر، في الشجاعة والتصميم والعزيمة وقبل ذلك في الوعي المصحوب بإرادة التغيير.. وقصة «ترس» الخرطوم تحمل من ذلك الكثير..

التغيير- فتح الرحمن حمودة

أربعة أعوام متواصلة، منذ ديسمبر 2018م، وما قبل ذلك بكثير، كان «تروس» الثورة السودانية و«كنداكاتها» يضعون التغيير الحقيقي، وتنزيل شعارات «حرية، سلام وعدالة» هدفاً أسمى، دونه ارتقت مهج الشهداء، وسقط آلاف المصابين، ولم ينل تنكيل النظام البائد، ومن بعده الانقلابيون الجدد، من هذه العزيمة، إذ أنه كل ماسقط شهيد أو مصاب أو غاب معتقل، ارتفعت الهمة وقويت عزيمة النضال.

قصص مصابي الثورة السودانية، تجسِّد، فعلاً لا قولاً، عبارة «الجيل الراكب راس»، الذي حمل على عاتقه مهمة إنهاء حقبة الانقلابات والديكتاتوريات في السودان، وإلى الأبد.

«التغيير» رصدت عدداً من قصص الشجاعة والإقدام لـ«تروس» لم تزدهم الإصابات والقمع والاعتقال إلا عزيمةً ماضية نحو الهدف الأسمى، ولم يؤثروا مغادرة «قطار المواكب» الرافضة للانقلاب والظلم والقهر، والـ«ترس» الخرطومي الذي التقته الصحيفة لازال يعاني حتى اليوم، لكنه لا زال فاعلاً في محيط المواكب- نخفي هويته لأسباب عديدة.

إرادة أقوى من الموت

كانت إرادته أقوى من الموت، ورغم الإصابة الخطيرة التي تعرّض لها، عاد من جديد ليواصل مع رفاقه ما بدأوه من معركة المواكب الرافضة للانقلاب، وآثر أن يكون بجوار الرفاق لاستكمال ثورتهم، «إذ أنه لا وقت للراحة والاستلقاء أثناء معركة الوطن».

بطل هذه القصة، خرج كعادته ليشارك في مواكب «24 يناير الماضي» الرافضة للانقلاب، والتي تلت «مواكب 17 يناير» التي حدثت فيها المجزرة الدامية بالعاصمة الخرطوم وراح ضحيتها 7 شهداء وعشرات الجرحى برصاص السلطات الانقلابية، لكنه أصيب برصاصة في الرأس.

كان هذا «الترس»- وفق ما روى لـ«التغيير»- مع رفاقه خلال ذلك الموكب يقوم بمهمة توجيه الثوار إلى الانسحاب بعدما كثر عدد قوات السلطات الانقلابية في محيط الموكب وبدأت فعلياً بإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي بكثافة على الثوار، وفي تلك اللحظة وقعت إصابة «الترس» برصاصة في الرأس- من سلاح خرطوش- وذلك بالقرب من حديقة القرشي المعروفة بأنها واحدة من الاتجاهات التي تعبر خلالها المواكب المتجهة إلى محيط القصر الرئاسي.

ولأن الشجاعة والثبات من سماتهم الأساسية، ظل «الترس» ثابتاً في وجه الموت، غير أنه بدأ بالتفكير في من حوله وأسرته التي علمت بإصابته ومثلّت صدمةً كبيرةً لهم- بالطبع-، كما كان أكثر ما يشغله أصدقاءه ورفاقه، ما الذي سيحدث لهم حال وفاته- وهم بانتظاره أمام المستشفى يملأهم الخوف والذعر.

تأثيرات كبيرة

أقر «الترس» بأن الإصابة خلّفت تأثيرات كبيرة على نفسه، فكان منها ما هو جسدي وصحي، حيث كانت هناك معاناة شديدة من الصداع المستمر لفترات طوال، كما بدأ يفقد التركيز، ويشعر بألم كبير لم يفارق عينيه، إضافة إلى الحمى التي سكنت جسده.

بجانب ذلك، كان التأثير النفسي هو الأشد عليه، حيث ظل في صراع دائم مع النوم عندما يستحضر لحظات العنف والإصابة والرصاص الكثيف الذي مر بجاوره يومذاك، وكوابيس أخرى أثرت كثيراً على حالته النفسية.

ومن تأثيرات الإصابة أيضاً التفكير السلبي والتساؤلات التي كانت تدور في ذهنه، وما إذا كان سيصاب بالشلل، أو يفقد الوظائف التي يقوم به عقله، وكيف سيكون حاله، وكثير من الأفكار السالبة بشأن القمع الذي تتعامل به سلطات الانقلاب معهم في المواكب.

عودة للميدان

الإصابة الخطيرة التي تعرض لها «الترس» في الخرطوم، زادته يقيناً تجاه حتمية استمرار الثورة ووصولها لغاياتها، وعاد مجدداً إلى محيط المواكب، لكنها جعلته يفكر بصورة أكبر في التأمين، فبات يبعث برسائل إلى رفاقه لأخذ الحذر ورفع الحس  التاميني «لأن الرصاص لا يواجه بالصدور العارية ولذلك من الافضل الانسحاب إلى مكان آمن في بعض الأحيان».

ووجه رسلته للانقلابيين بأن «الثورة مستمرة وليس هنالك شئ يوقفها، لا اعتقال، لا موت لا رصاص، وسوف تتحقق الأهداف».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى