أخبارأعمدة ومقالاترياضة

الرياضة في  السودان: تحديات الحاضر وآفاق المستقبل

الرياضة في  السودان: تحديات الحاضر وآفاق المستقبل

شهاب الدين عبد الرازق عبد الله

“للرياضة القدرة على تغيير العالم، فهي تستطيع توحيد البشر بطريقة يعجز عنها أي شيء آخر”.

نيلسون مانديلا

يعرف معجم كامبريدج الرياضة على أنها لعبة أو منافسة أو نشاط يحتاج إلى جهد بدني ومهارة يتم القيام بها وفقاً لقواعد، وذلك للاستمتاع و/ أو كوظيفة.

والرياضة في عالم اليوم أصبحت للجميع، فهي أسلوب حياة يعزِّز الصحة البدنية والنفسية للبشر ويطور القدرات التعليمية والفاعلية الاجتماعية، ويبني منظومة القيم في الشخصية الرياضيه على أسس الاحترام والصداقة والتميز، كما تطور الرياضة من مهارات العمل الجماعي والتعاون وتعزز من روح الانضباط وإحترام القواعد والتسامح واللعب النظيف.

والرياضة كنشاط تنافسي رسمي أو أسلوب حياة في المجتمع تحتاج الي إستراتيجية علمية شاملة تتبناها الدولة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني وكل الفاعلين في المجتمع لتحقيق الأهداف المرجوة من هذا القطاع الحيوي الذي أصبح جزءاً من القوة الناعمة للدول يعكس صورتها ومدي تحضرها و قيمها وثقافتها بين الأمم.

وحال الرياضة في السودان كحال كثير من القطاعات المهمة المهملة من الدولة ومؤسسات المجتمع، حيث تعشعش فيه العشوائية والارتجال بديلاً لحسن الادارة والتخطيط الاستراتيجي، إضافة إلى ضعف البنية التحتية للمرافق والمنشآت الرياضية، وعدم مواكبة وتوافق التشريعات المحلية مع التشريعات الدولية الصادرة من المنظمات الإقليمية والدولية الرياضية، هذا مع ضعف التمويل الحكومي والمجتمعي المخصص لهذا القطاع، واعتماد الأندية الرياضية في تسيير نشاطها على جيوب الأفراد المحبين للنشاط من الرياضيين والذين مهما امتلكوا من قدرات مالية فإنها تظل عاجزة عن النهوض بهذا القطاع الذي يتطلب استثمارات ضخمة ووقتاً حتى يصبح القطاع الرياضي قادراً على تمويل نفسه بنفسه وتحقيق الفوائد المرجوة منه، كما تعاني الرياضة السودانية أيضاً من ضعف تدريب الكادر الوطني الناشط في هذا القطاع الحيوي علي تعدد محاوره الادارية والفنية.

هذه التحديات تفرض تحركاً عاجلاً من كل المؤسسات الرسمية والمجتمعية لتطوير إستراتيجية علمية وواقعية وشاملة للنهوض بالرياضة في السودان.

وفي هذا الاطار لابد للدولة ممثلة في وزارة الشباب والرياضة من أن تبادر في طرح إستراتيجية شاملة لتطوير الرياضة السودانية بالتنسيق مع اللجنة الأولمبية والاتحادات الرياضية والأندية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والرياضيين وبمشاركة كل القطاعات المتداخلة مع قطاع الرياضة مثل المؤسسات الطبية خاصة مايلي الطب الرياضي وكليات التربية الرياضية، وبشكل عام وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي ووزارة العدل ووزارة الإعلام ووزارة الصناعة وزارة المالية وكل المؤسسات ذات الصلة.

ولابد أن تكون الاستراتيجية الرياضية شاملة لكل مجالات ومحاور النشاط الرياضي، بداية من تطوير التشريعات الرياضية القانونية حتي تتوافق مع قوانين ولوائح المنظمات الرياضية الدولية والقارية والإقليمية إلى تطوير وتدريب الكوادر البشرية العاملة في المجال الرياضي، وتحديث أنظمة الإدارة الرياضية لتواكب الطفرات التي أحدثتها ثورة التكنولوجيا في عالم الادارة الرياضية وفي المجال الرياضي بشكل عام، مع الالتزام الصارم بمعايير الجودة الشاملة في كل ما له علاقة بقطاع الرياضة.

كما لابد أن تهتم الاستراتيجية الرياضية بتطوير البنية الأساسية للنشاط الرياضي والتوسع في بناء الملاعب الحديثة والمرافق والمنشآت الرياضية، وألّا يكون الاعتماد  في ذلك على الدولة فقط بل يمكن للقطاع الخاص أن يلعب دوراً مقدراً في هذا الجانب، وذلك من خلال إقرار قانون خاص بالاستثمار الرياضي يخاطب مخاطر الاستثمار المحتملة في هذا القطاع الحيوي ويشجع على جذب رؤوس الاموال للاستثمار في الرياضة على مستوى البنية الأساسية كإنشاء الأندية الخاصة والملاعب ومستشفيات الطب الرياضي ومصانع الأدوات والمعدات الرياضية، وتشجيع الشركات العالمية المتخصصة في صناعة الأدوات والمعدات الرياضية على اعتماد وكلاء وفتح فروع وخطوط إنتاج لمصانعها داخل السودان.

أيضاً لابد من فتح الباب أمام أندية اللعبة الواحدة لمزيد من التخصصية، كما لابد من أن تجد قضايا الإعلام الرياضي بكل أنواعه حيزاً في الاستراتيجية الشاملة لتطوير الرياضة في السودان، وذلك من خلال تذليل كل العقبات التي تمنع النهوض بقطاع الإعلام الرياضي المشاهد والمسموع والمقروء، مع عدم إغفال تحسين أجور العاملين في مجال الإعلام الرياضي وتطوير قدراتهم من خلال التدريب المستمر داخلياً وخارجياً، وإقرار التشريعات القانونية الملزمة لذلك.

ولابد أن تركز الاستراتيجية الرياضية الشاملة في خططها على صناعة وإنتاج أبطال رياضيين اعتماداً على المدارس السنية من فئات البراعم والناشئين خاصة ما يلي الإعداد المبكر للموهوبين منهم للتنافس الإقليمي والقاري والدولي، واكتشاف ورعاية الموهوبين مسؤولية كل المجتمع، كما أن اكتشاف المواهب الرياضية يتطلب منافسات منتظمة على مستوى المدارس والجامعات والمؤسسات، كما لابد من التوسع في إنشاء المدارس السنية والأكاديميات الرياضية المتخصصة، وذلك لالتقاط وإعداد الموهوبين منذ الصغر ورعايتهم وفقاً لأحدث البرامج التدريبية والتنافسية، مما سيمهد الطريق أمامهم في المستقبل لحصد البطولات الدولية باسم الوطن.

أيضاً لابد للإستراتيجية الرياضية الشاملة أن تقر وتشجع الانفتاح على تجارب الدول الرائدة في كل لعبة تنافسية، واستقدام خبراء منها للاستفادة منهم في تطوير اللعبة المعنية في السودان، أيضاً لابد من العمل علي استقطاب كافة أشكال الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية، وتفعيل الاتفاقيات الثنائية مع الدول الصديقة، وتوجيه كل ذلك في اتجاه تطوير البنية التحتية الأساسية والتنمية البشرية للكوادر الرياضية السودانية (الإدارية والفنية) كماً ونوعاً.

إن من نقاط القوة التي تخدم أجندة الرياضة في السودان هو توفر المواهب والخامات الرياضية خاصةً فيما يلي الألعاب الفردية والتي ينقصها فقط الاكتشاف والرعاية منذ الصغر لتشب على أسس علمية وتنافسية، ويمكن للسودان أن يحقق بطولات قارية ودولية في الألعاب الفردية إن وجدت اهتماماً مثلما تجده بعض الألعاب الجماعية.

أيضاً من نقاط القوة شغف مجتمعنا السوداني بالرياضة على اختلاف ضروبها ومتابعته أخبارها، بل إن الفعاليات الرياضية خاصة كرة القدم تستحوذ على اهتمام قطاع عريض من مجتمعنا الذي يتدافع بالآلاف ويقتطع جزءاً من دخله المادي لمتابعة النشاط الرياضي المحلي من داخل الاستادات والمرافق الرياضية، بل ويتابع الرياضة العالمية من خلال الاشتراك في القنوات الحصرية مدفوعة القيمة، هذا الشغف لا نظير له مقارنة بالنشاطات المجتمعية الأخرى مثل الندوات السياسية أو الأدبية والتي لا يتعدى الحضور الجماهيري فيها على أحسن الفروض المئات في السياق الطبيعي، هذا الشغف المجتمعي رصيد يمكن تطويره ليكون أكثر فاعلية وإيجابية لخدمة أجندة الرياضة في السودان، خاصة فيما يلي التسويق الرياضي وتحويل الأندية الرياضية إلى شركات مساهمة عامة، وكسوق واعد بالطلب يمكن أن يكون عامل جذب وتحفيز للقطاع الخاص المحلي والدولي للاستثمار في المجال الرياضي  بالسودان.

إن ممارسة الجميع للرياضة في عالم اليوم لم تعد أمراً ثانوياً بل أصبحت ضرورة صحية واقتصادية وإجتماعية لهذا لابد من التوسع الأفقي والرأسي في المنشآت والمرافق الرياضية على مستوى السودان كله، وألّا ينحصر النشاط الرياضي فقط في المدن بل يتعداه للريف السوداني الزاخر بالإمكانيات البشرية والاقتصادية التي يمكن أن ترفد مسار الرياضة في السودان بكل ما هو مفيد.

إن التخطيط الاستراتيجي السليم والإدارة الجيدة والعمل الجماعي المخلص لمؤسسات الدولة والمجتمع فيما يلي الأجندة الرياضية في السودان، يمكن أن يضع وطننا في الصدارة على المستوى التنافسي إقليمياً وقارياً ومن ثم دولياً، وذلك لأن السودان زاخر بالمواهب في كل ضروب الرياضة، وينقص هذه المواهب الاكتشاف والرعاية والإعداد المبكر منذ الصغر وفقاً لاستراتيجية علمية متفق حولها تديرها الدولة ويدعمها المجتمع.

https://shihabeldinabdelrazigabdalla.blogspot.com/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى