أخبارأعمدة ومقالات

حول السياسة الثقافية في السودان

شهاب الدين عبد الرازق عبد الله

 

حول السياسة الثقافية في السودان

شهاب الدين عبد الرازق عبد الله

 

يرجع الفضل في إثراء مفهوم السياسة الثقافية في الدوائر الأكاديمية الي عالم السياسة الأمريكي دكتور كيفن في مولكاهي، وإن كان تطوير فكرة السياسة الثقافية يعود الي أدبيات منظمة اليونسكو منذ ستينيات القرن الماضي، وتعرف السياسة الثقافية بشكل عام علي أنها الإجراءات الحكومية والقوانين والبرامج التي تنظم وتحمي وتشجع وتدعم الأنشطة المتعلقة بالفنون والقطاعات الإبداعية ، مثل الرسم والنحت والموسيقى والأدب وصناعة الأفلام والمسرح وغيرها من الفنون ، وحماية وتطوير اللغات والتراث والتعدد الثقافي ، وما ينتجه هذا التنوع من ثقافات متباينة واسلوب حياة متغير ومتجدد . كما تعرف منظمة اليونسكو الثقافة علي أنها جميع السمات الروحية والفكرية والمادية والعاطفية التي تميز مجتمعا بعينه أو فئة إجتماعية بعينها وتشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة ، كما تشمل الحقوق الأساسية للانسان ومنظومة القيم والتقاليد والعادات ، وقد نص الإعلان العالمي لحقوق الانسان في مادته رقم 27 )) علي أن :”لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية ، وفى الاستمتاع بالفنون ، والإسهام في التقدم العلمي وفى الفوائد التي تنجم عنه.كما أن لكل شخص حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتبة على أي إنتاج علمي أو أدبي أو فني من صنعه.”

وفي واقع اليوم أصبحت القضايا الثقافية والاقتصادية والاجتماعية متداخلة بل أشبه بالحزمة الواحدة حيث من الصعب حدوث تنمية إقتصادية وإجتماعية في أي مجتمع دون حدوث تنمية ثقاقية لمؤسسات وأفراد المجتمع ، وكلما إرتفع الوعي بأهمية الثقافة وتذوق الفنون وإنتاجها وسط مجتمع ما كلما كان ذلك مؤشرا إيجابيا علي تقدم وجودة الحياة في ذلك المجتمع .
وفي الواقع السوداني المأزوم ، يعاني النشاط الثقافي علي تنوع وتعدد مجالاته من الشلل التام ، رغما عن وجود وزارة للثقافة تدير عددا من المجالس الثقافية المتخصصة ، والسبب الذاتي المباشر في هذا الجمود هو غياب سياسة ثقافية تقوم علي الشراكة بين الدولة والمجتمع تدعم وتشجع الابداع السوداني في كل المجالات الثقافية وتجعله متاحا لكل السودانيين ، إضافة الي أن الأجندة الثقافية علي أهميتها وحاجة بلادنا الماسة لها ، الإ أنها لاتجد الاهتمام والدعم الذي تستحق من صانع القرار الحكومي ، ويظهر ذلك جليا في ضعف ميزانية الدولة المخصصة لوزارة الثقافة و مؤسساتها علي المستويين الاتحادي والولائي ، ومع توارث سياسة الاهمال الرسمي والمجتمعي و غياب الدعم للأجندة الثقافية تداعي ماتبقي من مبان ، حيث أصبحت المسارح السودانية علي قلتها دورا مهجورة ، وتحولت دور السينما الي أطلال وخرابات يسكنها البوم والغربان ، وأندثرت صناعة السينما باندثار مؤسسة الدولة للسينما إلا من مبادرات شابة تكافح لاعادة الضوء مرة اخري علي شاشة السينما السودانية بعد عقود من الظلام ، يكافح هؤلاء الشباب لاعادة الروح لصناعة السينما السودانية في مبادرات منتجة بقدرات ذاتية وطموح لا يحده حدود ، وإن كان ينقص تلك المبادرات المخلصة الدعم المادي الرسمي والمجتمعي ذلك أن صناعة السينما صناعة باهظة التكاليف ، ولا تستطيع جيوب الأفراد مهما كانت سخية تحمل تكلفة النهوض بهذه الصناعة المعقدة التي تحوي في داخلها فنونا عديدة ، و ما يعتري صناعة السينما من تحديات تواجهه الفنون الشعبية التي يذخر بها وطننا المتنوع ، والتي إن لم تجد التطوير والرعاية وفقا لسياسات محكمة ودعم رشيد ، فستضمحل في مواجهة طوفان العولمة الجارف بثقافته كل الحدود والفضاءات. كما تدهورت في بلادنا صناعة الكتاب وتأثرت سلبا بالأزمة الاقتصادية المزمنة ، واغلقت عدد من دور الطباعة والنشر العريقة أبوابها بسبب الخسائر المادية الناتجة من إرتفاع تكاليف صناعة الكتاب ، خاصة تكاليف الرسوم الحكومية المفروضة علي مدخلات هذه الصناعة كرسوم الضرائب والجمارك ، وقل عطاء المواهب المبدعة في كل المجالات الثقافية لعدم القدرة علي التفرغ للابداع بسبب الانشغال في البحث عن لقمة العيش وتوفير أساسيات الحياة في واقع إقتصادي خانق لايتيح التقاط الأنفاس ناهيك عن الابداع ، في الوقت الذي تستنفر فيه الدولة كل طاقاتها المادية لشراء السلاح وأدوات الحرب والقمع ، وتقلل – عمدا أو جهلا – من قيمة الثقافة التي تبني الانسان و السلام والاقتصاد والتنمية ، كما تراجع النشاط التشكيلي داخل السودان ، علي تميز الفن التشكيلي السوداني الزاخز بالمبدعين ، والذي يعد أحد نقاط القوة في الفنون السودانية. وإجمالا ، فقد تجمد تماما النشاط المؤسسي للثقافة في السودان علي تنوعه أو كاد إلا من مبادرات وإجتهادات فردية وبقدرات ذاتية من قبل ناشطين في المجال الثقافي .

هذا الواقع الثقافي الجامد يفرض ضرورة تبني الدولة لسياسة عامة للثقافة تهدف الي الاهتمام بتطوير النشاط المبدع في كل مجالات الثقافة السودانية دعما وتشجيعا ورعاية ليكون حق الانتاج الثقافي والتمتع بخدماته متاحا لكل السودانيين ومعبرا بكل حرية وعدالة وتقدير وإحترام عن تنوع وتعدد الثقافات السودانية و معززا لقيم الانتماء والهوية السودانية ، وعنصرا فاعلا من عناصر القوة الناعمة للدولة و المجتمع ، علي أن تفسر السياسة الثقافية في خطط وأليات قابلة للتنفيذ والقياس لتحريك وتنشيط عصب الثقافة في الدولة والمجتمع ، دون إغفال لأهمية الإدماج التدريجي للثقافة في كل مجالات السياسة العامة ، باعتبار أن السياسة الثقافية تتكامل مع كثير من مجالات السياسة العامة كمجالات التربية والتعليم والبيئة والسياحة والتخطيط العمراني وسوق العمل وغيرها من المجالات ، ولانجاز عملية الإدماج الثقافي والتكامل بين وزارة الثقافة وكل مؤسسات الدولة بشكل فاعل لابد من هيكلة وزارة الثقافة بحيث تتيح لها الهيكلة الجديدة المرونة لتقوم بدورها المحوري في التنسيق والتكامل بين كل الوزارات والمؤسسات فيما يلي خدمة المحتوي الثقافي علي تعدد المجالات .كما لابد من دعم الاتجاه العالمي الذي يعامل مؤسسات الثقافة كمؤسسات عامة مستقلة عن الجهاز التنفيذي ، وخاضعة لسلطة البرلمان تشريعا ومتابعة.
هذا مع أهمية بناء شراكات بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني والفاعلين الثقافيين محليا وإقليميا ودوليا لدعم وتشجيع الإنتاج الثقافي السوداني -علي تنوعه – وتسويقه ودعم المبدعين السودانيين في كافة مجالات الثقافة و الفنون ، إضافة للاهتمام بتأهيل الكادر البشري العامل في مجالات الثقافة ، وتوفير فرص للمبدعين الشباب لصقل مواهبهم بالتعليم والتدريب في الداخل والخارج ، وبناء القدرات للتنفيذيين خاصة في مجال الادارة الثقافية ، إضافة لما يمكن أن يحدثه التكامل بين وزارات الثقافة والتربية والتعليم والتعليم العالي من نقلة نوعية في تطوير مناهج الفنون والمحتوي الثقافي بشكل عام في كل المناهج التعليمية بمستوياتها المختلفة ،مما يثمر ثقافة و إبداعا وحبا للفنون في الاجيال الناشئة .
كما لابد أن تركز السياسة الثقافية للدولة علي قضية التراث الحضاري المادي وغير المادي ، وضمان حمايته من كافة المهددات وإحترامه علي تنوعه كتراث يعزز قيمة الانتماء والهوية والسلام المجتمعي ، كما يمثل ذاكرة للحضارات السودانية الضاربة في عمق التاريخ ، إضافة لما يمثله هذا الثراث الثقافي من قيمة إقتصادية من خلال عائدات السياحة وإنعاش سوق العمل.
أيضا من أهم المطلوبات لاعادة الحياة للثقافة السودانية هو زيادة الميزانية المخصصة لوزارة الثقافة ومؤسساتها والاهتمام بالعمل الثقافي خاصة في الولايات والأطراف ، وذلك لان من حق جميع المواطنين في كل بقعة من أرض الوطن المشاركة و التمتع بالخدمات الثقافية الممولة من الخزانة العامة للدولة ، كما لا يمكن فصل قضايا التنمية والانتاج في الريف عن قضايا الثقافة وإشباع إحتياجات إنسان الريف من الثقافة وتفاعله معها منتجا لها ومستهلكا .
ومن الإجراءات الضرورية في السياسة الثقافية مراجعة كل القوانين والتشريعات واللوائح الخاصة بالعمل الثقافي في السودان مثل قانون الملكية الفكرية وقانون الصحافة وغيرها ، كما لابد من مراجعة كل القوانين التي تؤثر في صناعة الثقافة كقوانين الجمارك والضرائب ، ومنح إعفاءات ضريبية وجمركية لمدخلات صناعة الثقافة- كصناعة الكتاب مثلا – ورقيا كان أم الكترونيا- ، تشجيعا للنشاط الثقافي . كما لابد إن تنص السياسة الثقافية علي حق المبدعين في الأجر العادل والمعاش الذي يضمن لهم ولأسرهم الحياة الكريمة.
هذا وقد رفد التقدم التكنولوجي المجال الثقافي بابتكارات جبارة إنعكست إيجابا علي تطوير السياسة الثقافية وأدواتها حماية للتراث الثقافي وتنميته خدمة لأجندة الثقافة كمكون من مكونات التنمية الشاملة . بل وساهم التقدم التكنولوجي في نمو وازدهار الاقتصاد الابداعي من خلال تطوير فنون العمارة والديكور والبرمجيات والاذاعة والتلفزيون والتصوير والرسم والموسيقي وصناعة السينما والأزياء وغيرها من الفنون ، لهذا لابد أن تلتزم السياسة الثقافية في السودان بضرورة الاهتمام باستيراد التكنولوجيا المتقدمة التي تخدم المجال الثقافي وتوطين صناعتها وعلومها في السودان خدمة لأجندة الثقافة.
ولن تزدهر الثقافة بالسياسة الثقافية المحكمة وتتفيذ خططها أو بالدعم المادي والمعنوي فقط ، بل يجب أن تحمي الدولة الحريات وحقوق الإنسان لكل المجتمع حتي تزدهر الثقافة ، فالثقافة إبنة الهواء الطلق .

إن عالم اليوم يمضي بسرعة الضوء في مجال تطوير وتكامل و إدماج السياسة الثقافية في السياسة العامة للدولة علي إختلاف مجالاتها ، وتشارك المسؤوليات في تنفيذها بين الدولة والمجتمع ، وذلك نابع من أهمية الثقافة كأحد المحركات الأساسية لبلوغ أهداف التنمية المستدامة ، كما توفر السياسة الثقافية – إن وجدت الإدارة الثقافية الرشيدة و التنفيذ المتقن ومناخ الحريات وإحترام حقوق الانسان – الحماية والازدهار للثقافات المحلية ، وهي بذلك توازن بين التنوع والخصوصية المحلية والقيم العالمية في أن واحد .
ماسبق خطوط عريضة لأفكار حول السياسة الثقافية في السودان ، تحتاج الي مزيد من التفصيل والإثراء ، كما تحتاج قضايا الثقافة بشكل عام الي إهتمام أكبر من قبل الاكاديميين والمثقفين دراسة لمشاكلها وإنتاجا للحلول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى