أخبارأعمدة ومقالات

حوار خلف الأسوار

صلاح جلال

الرأي اليوم

صلاح جلال

حوار خلف الأسوار

(1)

* عندما كنت أفكر في كتابة عمود الرأي اليوم خطر في ذهني كتابان قريبا الشبه بحال السودان الراهن، الكتابين هما حوار وراء الأسوار والثاني أسوار حول الحوار للصحفي المصري الكبير جلال الدين الحمامصي وهي كتب نقدية للتجربة الناصرية، وجه الشبه مع حالنا مقدِّمة الكتاب الأول ناقشت الفترة قبل انقلاب 23 يوليو وما فيها من عيوب ومزايا، ثم تعرّض لمصادرة الحريات وانتهاك حقوق الإنسان والإطاحة بالتعددية الحزبية في الحقبة الناصرية، وفي الكتاب الثاني ناقش تحديات الحوار القومي وتشابك قضاياه وما فيه من محاذير ومسكوت عنه قضايا سماها أسوار حول الحوار، كل المقاربات التي تعرّض لها الكاتب وجدتها ذات شبه بواقعنا اليوم في السودان لذلك استلفت عنوان الكتابين ومضمونهما مدخلاً لعمود الرأي اليوم.

* لقد انفتح حوار مجتمعي واسع منذ إفطار الفريق ياسر العطا نتيجة لخطابي الفريقين حميدتي دقلو في مكانٍ آخر وعبد الفتاح البرهان الخيط الرابط بين الخطابين هو النبرة التصالحية والإشارات الوفاقية التي تخلّلت الخطابين وهي لا تتعدى أنها خطابات نوايا حسنة في أمسية رمضانية تعهّد فيها الفريق البرهان بما أسماه إجراءات تهيئة المناخ من إطلاق سراح المعتقلين خلال ثلاثة أيام، وللغرابة في ذات الوقت كانت أجهزته الأمنية تداهم وتعتقل مزيداً من النشطاء، ودعا لتعديل حالة الطوارئ ومراجعة بعض قرارات ما بعد انقلاب 25 اكتوبر، وهي تشبه لحدٍ بعيد مضمون مقاربة حوار خلف الأسوار طارت به وكالات الأنباء ومجالس رمضان، وتوالت ردود الأفعال منها مستبشر ومستطير ومتشائم وآخر متشائل.

(2)

* صدر بيان من الحزب الشيوعي ممعن في التشاؤم والرفض لفكرة الحوار مع اللجنة الأمنية ويدعو للتصعيد الثوري لقطع الطريق أمام ما أطلق عليه مشروع الهبوط الناعم في مقابلة قوى الحل الجذري الذي يسيطر عليه ويقوده الحزب الشيوعي وحلفاءه من بعض لجان المقاومة الجذرية وتجمع المهنيين الجذري، في المقابل أصيب معسكر الإسلاميين بالوجوم والربكة والتردّد الواضح والقلق من الخطوات التي أعلنها الفريقان البرهان ودقلو ومنها تتضح رغبتهم جليةً في استمرار الانقلاب ومصادرة الحريات العامة وإنهاء حقبة الحرية والتغيير وتغييب أهداف الثورة التي أطاحت حكمهم الظالم، جاء بيان حزب الأمة القومي يشمل ترحيباً حذراً بخطوة إعلان إطلاق سراح المعتقلين وإعلان تعديل حالة الطوارئ، وأضاف عليها عدداً من المشاغل الأخرى التي يعتقد أنها لازمة للخطوة المعلنة لتهيئة المناخ للحوار ليكون له مصداقية، وكما أعلن ترحيبه بالخطوة الثانية لحوار الآلية الثلاثية المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيجاد جاء موقف حزب الأمة القومي متسقاً مع بيان قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي في مؤتمره الصحفي الأخير الذي حدّد شروط تهيئة المناخ لأي حوار مُجدي ذو مصداقية يقبله الشارع الثوري العريض.

(3)

* النخبة السياسية في أي بلد هي المنتج للأفكار والحلول القائمة على مقاربة التحديات الواقعية، لا تكتفي بوصف الأحداث كمذيع المباريات وتحديد ما تريد، بل يجب عليها التعامل بمسؤولية مع ما لا تريد أو ترغب مما يقع في خانة الإكراهات السياسية التي لا تخلو منها أي سياسة عملية، إذا فشلت النخبة السياسية في هذه المقاربة المزدوجة بين الاختيار والإكراه فإنها تُرشِّح الأحداث للإنفجار الأعظم وتجاوزها لمرحلة الحوار بالتراضي والتنازلات المشتركة والطمأنة المتبادلة لمشاغل جميع الأطراف، هذه الحزمة من الإجراءات تعرف بالعملية السياسية، وهي متكاملة وذات كفتين كفة ما تريد وكفة ما لا تريد لخلق المقاربة الموضوعية وفق ميزان القوى السائد للمقاربة السياسية القائمة على المساومة والتنازلات وحلول منتصف الطريق أدوات السياسة المعروفة ولغتها العالمية.

(4)

* هذا إذا أرادت النخبة وكانت راغبة في الحلول الأقل تكلفة والمضمونة النتائج لتأمين أوسع توافق ممكن بين فرقاء الساحة السياسية، أما سياسة الدجاجة الصغيرة الحمراء فهي للحمقى والحالمين (زرعته وحدي وسآكله وحدي) لا تنتج غير الحلول التقسيمية ومزيداً من التشظي والاشتعال والتدهور في الموقف الوطني العام في الطريق للفرز الجذري الذي لن يتحقّق دون محرقةٍ ضخمة قد تكون الحرب الأهلية أحد فصولها المحتملة، وهي حلول ذات تكلفة عالية قد تعرِّض سلامة الوطن وأمنه لمخاطر كبيرة.

(5)

الجزء الثانى من كتاب جلال الدين الحمامصي تحت عنوان أسوار حول الحوار الذي يناقش تحديات الحوار القومي ومجموعاته المتكتلة في حالتنا يمكن تشخيص التكتلات التالية بوضوح المجموعة العسكرية والأمنية وهي ليست كتلة صماء موحدة منهم من يرغب في حل وسط ومنهم من يتطلع لاستمرار الانقلاب وقيادة المرحلة لإنتخابات مبكرة، كتلة إكسسورات الانقلاب منها مجموعات الجبهة الثورية التي تعاونت مع الانقلاب واعتبرته مشروعاً تصحيحياً لمسار الثورة ومعها جزء من الأحزاب خارج الحرية والتغيير قبل الانقلاب والأحزاب التي سقطت مع الإنقاذ ممثلة في الإتحادي الديمقراطي الأصل والمؤتمر الشعبي، هذه الكتلة رغبتها القاطعة عدم عودة هيمنة الحرية والتغيير المجلس المركزي على مجريات المرحلة الانتقالية لذلك يعلنون بوضوح رغبتهم في حاضنة موسعة تشملهم للإشراف على المرحلة المتبقية من الانتقال وفي حالة عدم تحقّق ذلك ليس لديهم مانع في استمرار الانقلاب وإجراء إنتخابات مبكرة كحل للانسداد السياسي القائم، أما كتلة الإسلاميين فهي منقسمة أيضاً بين خطابين أنس عمر الذي يرى ثورة ديسمبر فعل عبثي تافه بعيد عن الرشد يجب تجاوزه فهو خطاب عدمي يرشح المؤتمر الوطني خارج معادلة الثورة ويُعّمد عزلته المجيدة عن الواقع والمستقبل لأن الثورة حقيقة وليست وهماً من مفاخر الشعب السوداني ومقاومته الماجدة للإنقاذ بكل القبح الذي كانت تمثله، الخطاب الثاني وسط الإسلاميين وهو المؤتمر الشعبي الذي قال به أمينه السياسي المحامي كمال عمر إنهم ضد الانقلاب ويتوبون إلى الله والشعب عن ما جرى في حِقبة الإنقاذ من مساخر وجرائم لا ترضي الله ولا الوطن، وأنهم يعملون من أجل الإجماع القومي.

(6)

* كتلة الحزب الشيوعي المذكورة عاليه تتفق مع المجموعات الأخرى حول ضرورة قطع الطريق أمام عودة هيمنة قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي على الانتقال تختلف عنهم في ترشيح هيمنة بديلة على الانتقال من قوى التغيير الجذري وإبعاد الأجهزة الأمنية عن السياسة. أما لجان المقاومة فهي القوة الجديدة الباسلة والوازنة حُراس الثورة وضميرها ليست كتلة صماء أيضاً، فهي جبة درويش بها كل ألوان الطيف السياسي والفكري والثقافي والمهني والإثني والجهوي في البلاد، بها تيار عريض موضوعي وعقلاني وآخر متشدِّد يتطلع إلى إدارة العملية السياسية بالمظاهرات التي في حقيقتها أداة ضغط لعملية سياسية يجب طرحها وتبنيها، في تقديري قوة مقدرة من لجان المقاومة ستنحاز لأي عملية سياسية جريئة تخاطب القضايا الجوهرية المطروحة في شارع الثورة من استعادة الانتقال الديمقراطي وإكمال مؤسساته وسيادة الحكم المدني وتقنين العلاقة مع الأجهزة الأمنية وتحقيق العدالة الانتقالية وتعزيز مؤسساتها.

(7)

* هذه هي تحديات أسوار حول الحوار في مشهد واقعي فسيفسائي معقّد يحتاج لمقاربات حكيمة وحوار صبور للخروج بقواسم مشتركة تقود للحلول الممكنة، في هذا السوق السياسي المتلاطم لن يحقِّق أي طرف كل ما يريد، ولكن هناك مساحة مقدرة للحلول الكسبية الممكنة لمصلحة السودان الوطن المشترك.

(8)

* تستهدف العملية السياسية المطروحة معالجة الانسداد السياسي وتشكيل قاعدة واسعة للتوافق من خلال صياغة جديدة أو تعديل للوثيقة الدستورية في نسختها الأصلية الأولى ومع إجازة برنامج سياسي بسند داخلي شعبي واسع والتفاف من عدد مقدّر من القوى الديمراطية تمنحه المصداقية والاعتماد للتعاون مع المجتمع الإقليمي الدولي المسهِّل للمائدة المستديرة والضامن لها من خلال حكومة كفاءات وطنية يشارك في تأسيسها لجان المقاومة ومنظمات المجتمع المدني، وتكون مرجعيتها برلمان الثورة المؤقت الجامع لكل الطيف السياسي والمجتمعى في البلاد.

سيكون هناك تحدي مجموعة سلام جوبا فهم في التصنيف قوى سياسية لا يجب أن تشارك في حكومة الكفاءات الوطنية شأنها وبقية القوى السياسية الأخرى مما يتعارض مع إتفاق جوبا لمحاصصة السلطة، هذا تحدي يجب مناقشته والتحسب له مع مجموعة الجبهة الثورية المتخنّدقة الآن مع الانقلاب.

(9)

** ختامة

العملية السياسية بكل تعقيداتها وتشابكاتها الصعبة ولكنها ليست مستحيلة إذا توفرت الإرادة السياسية والتفكير العقلاني المسؤول بين قيادات النخبة السياسية كما قال الشاعر:

إذا التف حول الحق قوما فإنه

يصرم أحداث الزمان ويبرم

17 أبريل 2022م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى