أخبارأعمدة ومقالات

نصائح «أبو هاجة»

أمل محمد الحسن

نصائح «أبو هاجة»

أمل محمد الحسن

كتب العميد الطاهر أبو هاجة نصائح غاية في الأهمية للأحزاب، واقتبس منها قوله “التغيير يتطلّب بذل الجهد “لن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” وليس من الممكن أن يغير النهر مجراه بعد طول سنين وسنن الله باقية في الأرض. وأضاف: “ولو أنهم ركزوا على كياناتهم وأحزابهم لكان خير لهم”.

في واقع الأمر الأحزاب تحتاج للكثير من الإصلاحات وذلك لأنها واجهت محاربة كبيرة في عهد الإنقاذ الذي تطاول لثلاثة عقود، منعها فيها من العمل العام والعلني ومن المخاطبات الجماهيرية، وكانت الندوات لا تتم إلا بأخذ تصريح من الأجهزة الأمنية، إلى جانب تردد قيادات الأحزاب ومنسوبيها على السجون بشكل راتب!

من جهة ثانية كانت هناك اختراقات كبيرة تتم للأحزاب، ويتم زرع “غواصات” فيها من الأجهزة الأمنية فلم يكن هناك عمل سري ولا علني متاح وناجح لها.

ومن غرائب القصص التي تعرفت إليها بصورة شخصية، اكتشاف إحدى الصديقات والتي كان والدها رئيساً لأحد الأحزاب أن “العريس” الذي تقدّم لخطبتها، كان ضابطاً في جهاز الأمن!

وقالت لي بالحرف: “اكتشفنا أنه في كل مرة كان يتم فيها القبض على والدي كان يكون هو الذي يخبر الأجهزة الأمنية عن مكانه!”.

هذا نموذج صغير لما تعرّفنا عليه بمحض الصدف من أفعال جهاز أمن البشير، وما خفي أعظم وأكبر دون شك!

فالأحزاب عانت ما عانت من ذلك العهد، مثلها مثل الإعلام، والحياة المدنية والاقتصاد والعلاقات الخارجية، الجميع خرج من عهد الإنقاذ بإصابات مميتة، إلا أن حب الوطن والأمل في الإصلاح والبناء من أجل المستقبل هو ما يجبر الجميع على المواصلة في المسير.

وعلى الرغم من العهد الشمولي الديكتاتوري، كانت هناك أحزاب تقدم نماذج مشرّفة في العمل الديمقراطي، وتقوم بعمل انتخابات تغير بها رؤساءها، وتفتح منابرها وتناقش مواقفها بصورة علنية، مثلما فعل حزب المؤتمر السوداني إبان خلافاته حول المشاركة في انتخابات 2020 وهو أمر من شأنه أن يشكِّل نبراساً هادياً لأجيال الحزب اللاحقة.

“أبو هاجة” قدم نصائح للأحزاب التي لا ينتمي إليها، بينما لو قدم نصائح للمؤسسة العسكرية التي ينتمي إليها ربما كان صوته مسموعاً هناك أكثر، وربما ساهم هو بذاته في إحداث تغييرات تفيد الجيش والمواطنين، والوطن.

قائد الجيش، في بيانه الانقلابي قال إن التشاكس بين الأحزاب كان سبباً لإحداث الانقلاب، خوفاً على الوطن من الضياع! ومنذ تاريخ الانقلاب في 25 أكتوبر تشهد البلاد أزمات اقتصادية متلاحقة، وارتفاعاً في الأسعار وتوقفاً للمساعدات الدولية، والأخطر انفلاتاً أمنياً مرعباً، لا يمنح النساء الثقة في الذهاب لـ”بيت الله” لأداء صلاة التراويح!.

الأمن هو مسؤولية الأجهزة النظامية المباشرة، فكيف لمن يفشل في أداء مهمته الأساسية أن يتمكّن من فعل ما هو ليس مسخراً له، حكم البلاد؟.

شاهد العالم كله؛ دخول القوات النظامية لمكتب قناة العربية والحدث، وإرهابهم للناس وسرقتهم لهواتفهم، هذا نموذج صغير جداً لما ظلت الأجهزة النظامية تفعله باستمرار في كل شوارع ومحلات العاصمة وفي بعض الولايات، نهب أموال وهواتف المواطنين، بات الناس في الشارع يخافون منهم أكثر مما يخافون من مواتر 9 طويلة!

تعرّضت النساء لإهانات بالغة، وضرب وحشي، وانتهاكات في المواكب والمليونيات التي كانت تخرج رافضة للانقلاب العسكري، وصلت حد الاعتداءات الجنسية والاغتصاب، ولم نسمع أي خطاب من السيد أبو هاجة يدافع فيه عن شرف النساء ويزجر فيه الأجهزة النظامية مذكراً إياهم بأنهم أتوا من أرحام نساء، وأخواتهم نساء وبناتهم نساء، وأن صونوا أعراض الناس ليصون الله أعراضكم!

هل شاهد أبو هاجة صور الشهيدة “ست النفور”؟ هل يا ترى تؤثر فيه ابتسامتها الناصعة التي تملأ وجهها في أي صورة تقفز أمامك من على محركات البحث؟ هل يا ترى جرى دمعه باكياً على شبابها أو واسى أمها؟.

العشرات الذين سقطوا شهداء وجرحى، هل لدى سعادة العميد أبناء في أعمارهم؟؟ هل عندما يحتضن أحد أبنائه يتذكّر أن أباً مثله فقد ابنه ولن يلتقيه يوماً، وعليه أن يذبح كافة أحلامه بأن يراه طبيباً أو مهندساً، ويقتل عشمه في أن ينزل ابنه إلى قبره “يوسده” الثرى ويخلفه في رعاية أسرته!.

شهد العالم صور الزجاج المحطم في معمل استاك، وإفادات الموظفين الذين تعرضوا لاعتداء وسرقة من قبل قوات نظامية تتبع للجيش السوداني، إلى جانب عشرات الفيديوهات لأجهزة نظامية تداهم مرافق طبيةً، تلقي هناك الغاز المسيل للدموع، تعتقل العاملين في الحقل الطبي، والجرحى، وتمنعهم من العلاج!.

هل فتح الله على سعادة العميد بأن يقلّب بعض صفحات القانون العالمي لحقوق الإنسان، ويتلو على القوات النظامية تلك الفقرات التي تتحدث عن حق الانسان في الحصول على العلاج وعن قدسية العاملين في الحقل الطبي التي تستوجب حمايتهم حتى في فترات الحروب بين الدول؟.

الأيام التي تشهد مواكب مندّدة بالانقلاب العسكري، تتحول فيها شوارع الخرطوم لساحات حرب! نرى تاتشرات ودفارات الشغب من كل لون وشكل لا يستطيع شخص أن يحصي عددها من كثرتها، بينما نسمع كل يوم حوادث تقشعر لها الأبدان من اعتداءات العصابات المسلحة على المواطنين، لتدخل مسجداً يوماً، وصالة مناسبات يوماً آخر، وتقتل بالرصاص صاحب بقالة، تنهب وتسرق وتتجوّل حرة، ويُترك المواطنون ليدافعوا عن أنفسهم في مواجهتها، وتختفي الأجهزة النظامية وأسلحتها وغازها المسيل للدموع وقنابلها الصوتية ورصاصها!.

لماذا لم نقرأ أي وصايا ونصائح من السيد أبو هاجة للأجهزة النظامية، قائلاً لهم إنكم الحامين مال ودم الشعب السوداني، وعليكم بأداء أدواركم كاملة غير منقوصة.

لماذا لم يقل السيد أبو هاجة لرفاق السلاح إنهم أقسموا لحماية الوطن والمواطنين، ولم يقسموا لحماية القصر ومبنى القيادة العامة من الجماهير المسالمة التي لا تملك سوى الهتاف وزغاريد النساء!

القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان قام بانقلاب 25 أكتوبر واسماه إجراءات تصحيحية، وطوال 6 أشهر لم نشهد أي تصحيح، كل ما رأيناه كان تراجعاً وتدهوراً على جميع الأصعدة، ولم يغادر الشعب الشوارع ولم يوقف الهتاف والنضال.

ومن الواضح أن محاولة عمل حاضنة للانقلاب من الأحزاب التي شاركت البشير في حكمه، وإخراج قيادات حزب المؤتمر الوطني المحلول، وتكوين تيار إسلامي استعداداً للانتخابات التي يتحدث عنها البرهان، هي جميعها أفعال لا تتسق مع مطالب الشارع العام، فهل ينصح أبو هاجة، المستشار، رئيسه بأن يتراجع عن كل ذلك ويستمع لمطالب الشارع.

هلا استمع أبو هاجة لشباب الشارع؟ لمطالبهم؟ وترجم أحلامهم التي يتحدث عنها البرهان في كل خطاب، وسلمها له: إنها من شباب المقاومة.. وإنها بسم الله والوطن؟!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى