أخبارأعمدة ومقالات

مسرح العبث السياسي وأحلام البان أفريكانزم: في سبر محنة الكائن ود لبات وعبث الوساطة الأفريقية

بكري الجاك

مسرح العبث السياسي وأحلام البان أفريكانزم: في سبر محنة الكائن ود لبات وعبث الوساطة الأفريقية

بكري الجاك

قبل سنوات كتبت معلقاً علي فكرة الجيش الأفريقي الموحد بأنها محض هروب إلى الأمام في أتون الفشل السياسي لمشروع الدولة القومية في أفريقيا، في زمن ما كان هنالك زعيم (أفريقي) ليبي يسمى معمر القذافي قام باستضافة قمة الاتحاد الأفريقي في مدينة سرت في أوائل الألفية الثالثة وكانت إحدى مخرجات تلك القمة تشكيل جيش أفريقي موحد وتفعيل فكرة الدفاع المشترك على شاكلة Article 5 البند الخامس الخاص بحلف الـNATO، وكتبت حينها أن القارة الأفريقية أحوج ما يكون إلى فرص للتعرف على ذاتها قبل الشروع في تشكيل حشود عسكرية أخرى تضاف للجيوش التي ظلت تعبث بحال السياسة في القارة الأفريقية منذ الخمسينات عبر الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية.

في حينها قلت إن بناء طريق بري يربط القارة من القاهرة إلى كيب تاون أو من أديس أبابا إلى داكار سيكون عاملاً حيوياً في دفع عملية التنمية الاقتصادية وجادلت في ذاك الوقت أن الحرب وعدم الاستقرار لا تمثل عائق لعملية التنمية وحسب بل هما نتاج لغياب التنمية والأنشطة الإنتاجية، وعليه فرص العمل التي يمكن أن يصنعها طريق بري يمكن أن تكون عاملاً في إنهاء حالة عدم الأمن والاستقرار بدلاً من استخدام حالة عدم الاستقرار كسبب أوحد لعدم قيام أي مشروعات كبرى تساهم في دعم عملية التبادل التجاري بين الدول الأفريقية.

ولمن لا يعرف من هو معمر القذافي فهو زعيم ليبي حكم ليبيا في الفترة من عام 1969 إلى حين مقتله في عام 2011م في إحدى مجاري الصرف الصحي في أعقاب ثورة شعبية أطاحت بحكمه بقوة السلاح بعد أن قام باستخدام كل قوة الدولة لقهر حراك سلمي شعبي حيث لم يتورع في استخدام الدبابات والأسلحلة الثقيلة في محاصرة مدن خرجت عن سيطرته مما أدى إلى نهوض ثورة مسلحة في كل قرى ومدن ليبيا، وربما سيأتي اليوم ليكتب فيه بعض الثوار عن صمود مصراتة في مواجهة قوات العقيد القذافي وتوابعها القبلية، وللعلم ليبيا ما زالت تتعثر في سبيل الوصول إلى صيغة حكم مدني ديمقراطي ويمكن إرجاع ذلك لعدة عوامل يأتي على رأسها ضعف المجتمع المدني وسيادة التركيبة القبلية التي هي قاعدة البنية الاجتماعية في ليبيا رغم أوهام القذافي ببناء حكم اشتراكي وجماهيري على أسس حداثية تتجاوز القبيلة والإثنية لأكثر من أربعين عاماً.

هذه المقدمة ليست إلا مدخل لقول إن فكرة الاتحاد الأفريقي كتطور لفكرة منظمة الوحدة الأفريقية كانت ومازالت فكرة سليمة من حيث التطلعات والآمال النظرية لتشكيل كتلة أفريقية تستوعب طبيعة القارة وتاريخها وتعقيدات واقعها السياسي والاجتماعي والثقافي إلا أنها بعيدة كل البعد عن تطلعات وآمال الشعوب الأفريقية في الأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي والنهوض الاقتصادي والسمو الهويوي، بل العكس ظل الاتحاد الأفريقي محض مطية سياسية وواجهة لتقنين وشرعنة الطموحات الدولية في المنطقة.

المبنى الذي يستضيف الاتحاد الأفريقي كان وما زال عرضةً لأجهزة تنصت صينية وحتى حينما تفجرت فضيحة التنصت الصينية هذي لم يأخذ الأمر من اهتمام الاعلام سوى ساعات قبل المضي إلى أمر آخر.

لا يخفى على أحد أن حديث الشركاء الأوروبيين وغيرهم عن حلول أفريقية للمشاكل الأفريقية ما هو إلا محض شعار slogan فضفاض يستخدمه الأوروبيون وغيرهم لتحقيق هدفين: أولهما ادعاء أن هنالك شيء من الاستقلال الأفريقي في اتخاذ قرارات تخص القارة في أمور ذات أهمية دنيا low stakes matters، وثانيهما فكرة اعطاء اليد العليا للاتحاد الأفريقي هو طريقة ذكية لنفض اليد والتخلص من المسؤولية الأخلاقية والتاريخية لما يحدث في القارة الأفريقية بتحميل المسؤولية للفاعلين الأفريقيين المحليين في التعاطي مع القضايا المحلية وكيفية معالجتها.

في هذا السياق لا يخفى على أي كائن مهتم أن هذه المنظومة بها متسلقون وضعاف النفوس وباحثون عن مجد وثراء، وليس هنالك أي أسرار عن الرشاوى وشراء الذمم في أي قرار يتعلق بالاتحاد الأفريقي بدءاً من البعثات التي تمثل دولها وانتهاءً بالموظفين الذين يفترض بهم أنهم بعثة محترفة دائمة على شاكلة البعثة الدائمة للأمم المتحدة في نيويورك.

ومن هذا الواقع المزري المسمى الاتحاد الأفريقي كوليد شرعي لمشروع البان أفريكانزم أتى ود لبات مرة أخرى ليلعب دور الوسيط في الحالة السودانية المتعثرة، ولعمري لو كان بهذه البلاد وقواها السياسية أي قدر من النخوة والهمة أو شيء من العقلانية سوف لن يكون هنالك مجال لرجل مثل ود لبات للعب أي دور في أي عملية سياسية في هذا البلد المنكوب بعد ما قاله عن الفاعلين السياسيين حين كان وسيطاً في مفاوضات عام 2019م.

الرجل عمل دبلوماسياً ووزيراً للخارجية في عهد حكومة معاوية ولد الطايع، وللأمانة طريقة حديث الرجل لا تمت للدبلوماسية بأي شيء، وتذكرني بالأراجوز إذ لا يقل ما يقوم به من كونه أراجوز في مسرح عبث السياسة السودانية (الأفريقية) حيث يفطر الرجل في دار الأمة ويؤم المصلين في دار المؤتمر الشعبي، وكل ما وقع بصري عليه جالت بخاطري قصص جحا والاستهبال وحكاوي أشعب الأكول وبالذات قصة الفطير باللبن.

ود لبات محض سمسار سياسة وصل إلى هذا الموقع ممثلاً لنظام عنصري من بين القليل من الأنظمة التي ما زالت تعتمد العبودية كنظام اجتماعي تحرسه آلة الدولة وقانونها ومنظومتها الثقافية والسياسية، وهو عدة شغل الاتحاد الأفريقي التي يستخدمها في اعطاء صورة أن هنالك اهتمام إقليمي بالشأن السوداني، وأن هنالك عملية وساطة حقيقية تجري على الأرض، وفي حقيقة الأمر ما يقوم به ود لبات هو شرعنة للانقلاب وتمهيد لقبوله محلياً وإقليمياً ودولياً عبر اعطاء صورة أن هنالك عملية سياسية ماضية وأن القوى الثورية الديمقرارطية متعنتة ورافضة للحوار وكأنما هنالك حوار حقيقي.

فكرة البان أفريكانزم نظرياً تظل مشروع حلم لتحرر أفريقي من الهيمنة والاستتباع إلا أن التحدي كما كان سيظل في شيطان التفاصيل وكيفية التعاطي مع الممكنات النظرية وتطلعات العقول الصغيرة التي هي نفسها نتاج عمليات الهيمنة والاستتباع بما في ذلك حديثها عن حلول أفريقية لمشاكل أفريقية الذي لم يعدو كونه استهلاك سياسي وشعاراتي، المؤكد أنه سوف لن يكون هنالك أمل في حلول أفريقية حقيقية ما لم تتحرر الشعوب الأفريقية سواء بتجاوز منظومة الدولة القومية الماثلة أو وفقها. إلى حينها يجب أن لا ننتظر الكثير من هذه المنظومة التي تباع وتشترى في سوق  النخاسة السياسية.

وخلاصة القول ما الذي يعطي رجل مثل ود لبات أي شيء من المصداقية أو الثقة ليكون وسيطاً في واقع سياسي بتعقيد الحالة السودانية؟ أو لم يكفِ أن الرجل كشف عن قدراته فيما كتب وقال؟ هل نحن محض مشهد عبثي في مسرح عبث السياسة الأفريقية حيث يلعب الأراجوز ود لبات دور المحلل والمشرعن لسلطة الانقلاب وهو يظهر هنا وهناك في الإفطارات وكأن الحياة طبيعية في هذا البلد ولم يمت ناسها في كل خفقة قلب؟ في كل الأحوال هذا ليس قدر مكتوب ونحن بإمكاننا تغيير ما يحدث ورفضه وفرض شروط مغايرة لهذا العبث فقط ما يعوزنا هو التكاتف ونبذ الفرقة والتوحد حول رؤية سياسية لمستقبل البلاد في ظل حكم ديمقراطي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى