أخبارأعمدة ومقالات

متى سيسقط الانقلاب؟… «6»

مهدي رابح

متى سيسقط الانقلاب؟… «6»

مهدي رابح

العنصر الرابع والأخير المكون للمعسكر الانقلابي والذي يضفي على محنتنا الحالية اللمسات الأخيرة من ملامحها الأساسية القبيحة هو ما يسميه أحد الأصدقاء الأعزاء بالزعانف (بالإنجليزية Fin)، وهي وحسب تعريف الويكيبيديا مكونات رقيقة أو ملحقة متصلة بجسم أو بنية أكبر تعمل عادةً كرقائق تنتج قوة الدفع، أو توفر القدرة على توجيه أو استقرار الحركة في الماء أو في سوائل أخرى، كدماء الشهداء في هذه الحالة.

والتشبيه البليغ هنا مقصود به وصف مجموع السياسيين المدنيين المستعدين للتعاون مع بنية المنظومة الانقلابية الأكبر المكونة حالياً من المنظومة الأمنية والعسكرية الرسمية وشبه الرسمية بكل أجسامها القمرية وشبكات نشاطاتها التجارية.

وتكمن أهمية وجود هؤلاء المدنيين ملحقين بالسلطة الانقلابية في توفيرهم الغطاء السياسي الضروري لأي سلطة استبدادية للاستمرار في الحكم والأيدي العاملة القادرة على تحريك دولاب جهاز الدولة في حده الأدنى على الأقل أو حتى كتائب من المجندين القتلة متى ما تطلّب الوضع سفكاً لدماء المدنيين العزل، وهنا تتنوع الأجندات والدوافع بين السعي للسلطة من أجل السلطة أو الارتزاق أو الإفلات من العقاب في جرائم متعددة على رأسها الفساد المالي أو كسلوك تعويضي لفشل شخصي، وتتنوع كذلك الخلفيات السياسية والاجتماعية لهؤلاء المدنيين، لكن وحتى بوجود بعض الانتهازيين الذين كانوا يشكلون جزءاً من قوى المقاومة السلمية أو المسلحة لنظام تحالف الإسلامويين والعسكر سابقاً فإن الخيط الرابط بينها هو شبكات المصالح الأمنو/ اقتصادية المعقدة لنظام الإنقاذ والمتمددة في مفاصل الدولة ومكوناتها الاجتماعية والقبلية والنشاطات التجارية ذات الطابع الطفيلي في الغالب، وهو ما يفسر المقاومة الشرسة من الطغمة العسكرية وبعض قادة الحركات المسلحة ذوي الخلفيات الإسلاموية لـ”لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة” منذ مفتتح أعمالها وكذلك النمط المتسارع الحالي لإعادة الأملاك المنهوبة المستردّة لناهبيها وإطلاق سراح قيادات المؤتمر الوطني المتهمين بجرائم مشهود عليها تندرج بين قتل الأنفس والاغتصابات الجماعية والانقلاب على الدستور عام 1989م والاعتداء على المال العام.

ورغم ما قد تعطيه بعض الأصوات العالية الحادّة لما تبقى من بنية النظام السابق من انطباع كاذب بحجم مبالغ فيه لما يسمي بتنظيم الكيزان، لكن في ظل خطل المشروع الإسلاموي المثبت وفشله المادي الامبريقي المثبت بالأرقام والدلائل القاطعة وتآكل رصيده الشعبي بفعل انكشاف غطائه الأخلاقي المدّعي فإن تأثيره الحقيقي يتلخص في مناهضة كل عناصره، وبالتحديد المتغلغلين في الأجهزة العسكرية والاستخباراتية والخدمة المدنية والعدلية والفضاء الاقتصادي، لأي مشروع تحول مدني ديموقراطي لما يمثله من تهديد لامتيازاتهم ومكتسباتهم التي تحصلوا عليها دون وجه حق، وقدرته على إعماله فرض سيادة حكم القانون وتقديمهم للعدالة، أما الجانب السياسي منه فلن يتعدى حدود استغلاله من قبل النظام الانقلابي كفزاعة يخرجها أو يخفيها للضغط على القوى الديموقراطية وابتزاز القوى الإقليمية والدولية بتوجهاتها المختلفة.

قصدت بالوصف المطوّل لمكونات المعسكر الانقلابي في المقالات الأربع الأخيرة من هذه السلسلة، بجانب طرح أسئلة كبرى درج الجميع على تجنب الإجابة عليها مفضلين بدلاً عن ذلك ترديد الجمل القصيرة المختزلة والشعارات الحماسية السهلة، توضيح مدى حركية القوى داخل هذا المعسكر بفعل تناقضاتها الداخلية وتقاطع المصالح فيما بينها والخطورة الوجودية التي يمثلها ذلك على السودان في حال استمراره في الإمساك بتلابيب السلطة عنوةً وليس اقتداراً، والتشديد على أن أي جهد مبذول لإسقاطه، بعيداً عن ملحمة التوحيد الجارية ومحاولات تخطي آفات المزايدة والتخوين والتشظي داخل الصف المدني الديموقراطي يجب أن يستصحب كذلك هذه الدينامية العالية ويعيد استغلال التناقضات المذكورة فيها لصالح استعادة الانتقال الديموقراطي لمساره.

تبقى أيضاً هنالك جبهة في غاية الأهمية يجب وضعها في الحسبان، وهي كل القوى السياسية والاجتماعية الحية التي وجدت نفسها خارج العملية السياسية عقب ثورة ديسمبر المجيدة إما لاشتراكها المباشر في الحكم مع النظام السابق حتى سقوطه الأخير أو تعجّل تيار من منتسبيها المصابين بقصر النظر ومحنة العقل السياسي القديم للحصول على حصة من السلطة بغض النظر عن من يسيطر فعلياً على مقاليدها، ذلك أنه وبحسابات البنية الاجتماعية التقليدية لحواضنها الأساسية وقواعدها الشعبية المتركزة في الريف فإن وجودها في مركز الفعل يعزز من قدرتها على الحفاظ على الولاءات القديمة وشراء ولاءات جديدة وبالتالي تعظيم فرصها للحصول على أصوات الناخبين في المستقبل في ظل أي عملية انتخابية، أي بغض النظر عن إقامتها تحت مظلة نظام حكم ديموقراطي أم شمولي، وهنا لا أقصد الكيانات الإسلاموية، لأنه من الجلي أنها ما زالت تحمل في طيات أيديولوجيتها مشروعاً شمولياً قديماً متجدّداً كما وأنها لم تسعفها النزاهة للاعتراف بالجرم الذي ارتكبته في حق الوطن باستيلائها على السلطة عام 1989م أو الشجاعة للإعتذار عن بشاعة الجرائم التي ارتكبت في حق مواطناته ومواطنيه، بل أقصد تلك القوى التقليدية الكبرى وعلى رأسها حزبي السيدين، والذي يعاني أحدهما من وصمة عار مشاركته البشير حتى آخر شهقة من حملة (#تقعد_بس) والآخر الذي لعب دوراً أساسياً عبر بسالة شبابه وشاباته إبان ثورة ديسمبر والذي يلعب دوراً جوهرياً في الجهود الساعية حالياً لإسقاط الانقلاب واستعادة الانتقال الديموقراطي لمساره ويعد من ركائز أي مشروع ناجح للتحول المدني الديموقراطي مستقبلاً، والمواجه بتيار داخله على استعداد للقبول بأي تسويات مهما كانت مترتباتها، والذي تقوده عناصر ارتبطت عضوياً بالنظام السابق بل عملت داخل أروقة أجهزته الأمنية برتب رفيعة لآماد متطاولة وتعمل الآن على تغيير التركيبة السياسية داخل أجهزته صاحبة القرار الرسمي بتنسيقٍ عالٍ مع الطغمة العسكرية وشبه العسكرية ودعم سخي منها لا يخفى عن آذان وأعين أناس هذه المدينة الذين أحسن وصفهم شاعرنا المجيد محمد المكي إبراهيم بـ(لهم آذان تسمع رنة قرش في المريخ). وهو ما يمثل خطراً ماحقاً في حال تمكّنت الطغمة الحالية من استغلال هذين الكيانين المهمين لتوفير غطاء سياسي سيجعل من مهمة إسقاطه أكثر كلفةً بشرياً ومادياً ونتائجه كارثية على مستقبل السودان كما أسلفت.

ورغم أنه من المفروغ منه أن الوسيلة الأساسية لقطع الطريق أمام السيناريو المأساوي أعلاه يتمثل في رفع وتيرة الضغط الشعبي على النظام الانقلابي المتهالك وتعميق عزلته وزيادة عدم قدرته على إدارة شؤون الدولة عبر الوسائل السلمية الخلاقة المتعددة بما يجعل من عملية التحالف السياسي معه ليس فقط خطوة غير جذابة بل بمثابة انتحار سياسي صريح، فإن الحرص علي دعم التيار الديموقراطي داخل حزب الأمة القومي في جهوده الجبارة لمناهضة التيار الشمولي والدخول في حوار هادئ وبناء مع الحزب الاتحادي الأصل بقيادة مولانا محمد عثمان الميرغني لإيجاد معالجات للعقبات التي تقف في طريق مساهمته الإيجابية في عملية التحول المدني الديموقراطي يبقى من الضرورات التي لا غنى عنها حتى ولو لم يكن ذلك مستساغاً لبعض القوى الحديثة المشدودة بأشواق التغيير الحثيث نحو المستقبل.

يتبع….

متى سيسقط الانقلاب؟… «5»

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى