أخبارأعمدة ومقالات

متى سيسقط الانقلاب؟… «7»

مهدي رابح

متى سيسقط الانقلاب؟… «7»

مهدي رابح

قبل أن ندلف إلى العامل/ المتغير الأخير في المعادلة التي تحوي في محصلتها الإجابة على السؤال “متي؟”– أي الجبهة المقاومة للانقلاب– يجب أن نتطرق في البداية لأحد الميادين المهمة جداً في الصراع الحالي والمؤثرة على هذه الجبهة، وهو ميدان ليس كميدان شروني أو المؤسسة بحري أو شارع الأربعين أو غيرها من ميادين البسالة والنضال في حواضر السودان كافة، حيث تستباح دماء المحتجين العزل وتوجِّه بنادق القوات الانقلابية حمم رصاصها الحي نحو صدور الشرفاء، بل هو ميدان آخر تذبح فيه الحقيقة على الملأ أو تشوه بطرق منهجية حتى لتكاد تخفي ملامحها تحت طبقات الزيف ليصبح المتلقي لها أكثر استعداداً لقبول الحقائق الموازية وبالتالي قبولاً للواقع البديل المراد فرضه بكل الوسائل، وهنا أقصد ميدان التضليل الإعلامي.

الدعاية السياسية أو البروباقاندا Propaganda قديمة قدم المجتمعات الإنسانية على هذا الكوكب ويمكن تعريفها ببساطة على أنها نشاط إعلامي تقوم به الدولة أو أيه هيئة أو منظمة اجتماعية أو سياسية بهدف التحكم بعقول الناس ومشاعرهم عبر نشر رسائل محددة بهدف تغيير الصورة الذهنية المسبقة وبالتالي حملهم على دعم سياساتها، ومن ثم تأييدها والاستجابة لما تطرحه من أفكار وما يتطلبه ذلك من تغيير لأنماط السلوك أو تثبيتها، ورغم أن هنالك كثير من المشتركات بينهما إلا أنه وفي حالة التضليل الإعلامي Disinformation فإن المصادر مخفيّة في الغالب وأكثر تعدداً وتعتمد بصورة كبيرة على المعلومات الكاذبة والواجهات المزيفة وهو ظاهرة خطيرة جداً في واقعنا المعاصر كونه يستهدف مساحات واسعة جداً من منصات وسائط التواصل الاجتماعي التي يستخدمها ملايين المشتركين والمتابعين ويعتمد في تحليلاته وتصميم عمله على خوازرمات Algorithms قادرة على الوصول إلى ما يسمي بـ”البيانات الضخمة”  وBig Data وفي ايصال رسائله عبر فرق مدربة ومنظمة من التقنيين (جداد إلكتروني) أو عبر ما يسمى بالبوت BOTs وهي أجهزة وتطبيقات قادرة على صناعة صفحات وهمية بصورة روبوتية مهمتها تكرار رسالة محددة لإغراق الأسافير أو إخفاء أخرى أو دعم صفحات محددة بإظهارها وكأنها متابعة من قبل عدد مهول من الناس وتحظى برضاهم (لايكاتهم Likes) أو العكس، فقد انتهى إلى غير رجعة ذاك الزمان الوريف حينما كان حلاقو القرية و(مشاطّاتها) هم من يتناقلون النميمة من مجلس إلى آخر.

وهو ما يثبته التقرير الأخير الذي صدر من مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية Africa Centre for Strategic Studies يوم 26 ابريل 2022م بعنوان خريطة التضليل الإعلامي في أفريقيا والذي ركز فيه على النشاط الروسي والمستلهم من استراتيجيتها العسكرية المسماة بـ”Ambiguous Warfare” أو الحرب الغامضة وهي استراتيجية تعتمد على زيادة وتيرة التململ والتظلم وتستغل التباينات في المجتمع المستهدف لزيادة تشظيه بينما تروّج الأعذار المختلفة للجانب المعتدي (كسردية الطرف الثالث هو الذي يقتل المتظاهرين كمثال)، والهدف في الغالب هو إقناع الجمهور بدلاً عن إرباكه بتفوق الفاعلين السياسيين الشموليين (العسكريين وأعوانهم) على المدنيين الديموقراطيين، وبالتالي تعميق الإحساس باليأس واللامبالاة. ويظهر السودان في الخارطة الملحقة بالتقرير ضمن سبع دول أفريقية تجري فيها أكثر من ثلاث حملات تضليل روسية منظمة تقوم بها جهات مرتبطة مباشرة بشركة فاغنر Wagner سيئة الصيت ومالكها الملياردير المقرب من الرئيس فلاديمير بوتين السيد يفغيني بريغوزن Yevgeny Prigozhin.

إذا رجعنا بالزمان بضع سنوات إلى الوراء سنجد أن الانقلابيين وأعوانهم عملوا على حملات التضليل الإعلامي والمعلوماتي منذ بواكير الفترة الانتقالية بشكل مكثف وبدعم إقليمي متفاوت كما بينت عديد التقارير الصادرة من بيوتات الخبرة المختصة وأبرزها تقرير صادم صدر أواخر عام 2020م يبين بالأرقام والمرجعيات ضلوع عديد الدول (الشقيقة) في إدارة حملات إما لدعم العسكريين (رسميين ومليشويين) أو الإسلامويين، عملت جلها على تشويه كل ما يمت بصلة للسلطة المدنية بالتركيز على وسيلتين أساسيتين هما المعلومات المغلوطة أو أشباه الحقائق والاغتيال المعنوي للشخصيات والمؤسسات الديموقراطية كالأحزاب، وبما أن المساحة هنا لا تسمح بالدخول في التفاصيل ولتقريب المعني عزيزي القارئ وإن كنت ممن يعلمون جيداً بأن انقلاب الخامس والعشرين من اكتوبر 2021م في حقيقة الأمر قام به العسكريون بمعاونة من بعض عملائهم من المدنيين وهو ثمرة إعداد مع سبق الإصرار والترصد استمر منذ ابريل 2019م وكنت على دراية بعلاقة أجهزتهم وشبكاتهم المختلفة بظواهر مثل ارتفاع قيمة صرف الدولار (قبل تنفيذ السياسات النقدية الناجحة التي أدت إلى استقراره) وأزمات الندرة المصطنعة في بعض السلع الاستهلاكية ولاحقاً إغلاق الطرق الحيوية وفي مقدمتها طريق الشرق والطرق المؤدية إلى بعض حقول البترول المنتجة، إذا كنت على يقين أيضا أن أيادي تحالف الانقلابيين الحالي هي المحرك الرئيسي خلف كل  تلك الأحداث وما زلت تكرر الخطاب الممجوج الذي يحمّل مسؤولية الانقلاب العسكري كاملة لتحالف الحرية والتغيير أو القوى المدنية والأحزاب “المتشاكسة” بشكل عام وأنك ممن يرددون تلقائياً وبطريقة ببغائية دون تفكير مسبق دفوعات “الخبراء الاستراتيجيين” التي ينعقون بها من على شاشات التلفاز ليل نهار والمسنودة بمصطلحات رنانة لكنها خاوية تم تحميلها دلالات تخدم المشروع الشمولي مثل محاصصات وتكنوقراط وعلمانية وماسونية وأنك تستهدف بـ(بوستاتك الفيسبوكية) الوطنية الشرسة َبصورة استثنائية القيادات المدنية حتى ولو كانوا معتقلين داخل السجون وتنسى ذكر السجانين والقتلة من زعماء الكارتيل العسكري الحالي، فاعلم أنك ودون وعي أصبحت أحد ضحايا هذه الحملات المدروسة مدفوعة الثمن والتي تستند على تحليلات عميقة للواقع ولسيكولوجية المتلقين وتعرف كيف تستوطن عقلك العاطفي المسكون بآلاف الهواجس وتفرض عليه السردية المطلوبة والتي لا يخرج محتواها في حالنا المائل اليوم من ترسيخ لليأس بشأن جدوى ومستقبل نظام الحكم الديموقراطي وربطه المباشر بالفوضى والتحلّل الاجتماعي، وتدفعه لإعادة النظر في ضرورات الحكم العسكري المستبد وعدم جاهزية مجتمعنا لغيره حالياً في ظل المهددات “الماحقة” التي تحيط بنا، وتزرع فيه الشك تجاه المدنيين والأحزاب السياسية كحزمة واحدة مترابطة صماء وفي قدراتها أو أجنداتها المخفية وتجعله يتقبل، أي ذهنك المسكون بالهواجس، محاولات الطعن في نزاهة قيادات مؤثرة أو سلوكهم الشخصي لتنصب نفسك في نهاية المطاف قارئاً للغيب والنوايا.

ورغم أني لست خبيراً في المجال إلا أنني أرجح أن هنالك عاملان محفزان لنجاح حملات التضليل هذه أولهما ضعف الثقافة السياسية بفعل عقود من غياب الممارسة الديموقراطية ومنهج التعليم التلقيني الذي يبني عقولاً تفتقد لأي آليات نقدية للتقنية Filteration وبذلك قابلة لاستيعاب الأكاذيب وأنصاف الحقائق دون تردد أو مراجعة وهي إشكالات عميقة ومعقدة تستدعي عقوداً من إعادة التثقيف والممارسة السياسية السويّة والمعرفة القانونية الراسخة بالحقوق والواجبات في سياق دولة المواطنة وسيادة حكم القانون، وعقوداً من الجهد في تطوير أدوات الحوار المجتمعي السليم، لكن هذا لا يعني أننا لا يمكننا أن نقاوم هذه الحملات والتقليل من أضرارها بل هو واجب الساعة دون أدنى شك، وهو ما يطرح سؤالاً مهماً ربما تكمن في إجابته جانباً كبيراً من الحل:

“كيف يمكن تنقية الفضاء السياسي المسموم من حملات المزايدة والتخوين بإعادة تعريف العلاقة بين الموقف الأخلاقي البحت والتقدير السياسي؟”.

يتبع….

متى سيسقط الانقلاب؟… «6»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى