أخبارأعمدة ومقالات

أمين حسن عمر: أم على قلوب أقفالها؟! ١/٢

جمال عبد الرحيم صالح

 

أمين حسن عمر: أم على قلوب أقفالها؟! ١/٢

جمال عبد الرحيم صالح

بعد إطلاعي على مقال الأستاذ المحبوب عبد السلام، المعنون “العجز عن التغيير لا بل عن فهمه”، بتاريخ 3/5/2022، وعلى رد الأستاذ أمين حسن عمر عليه المعنون “عبر التاريخ والأيام في كلام المحبوب عبد السلام”، وجدت نفسي مدفوعاً للرد على الأستاذ أمين حسن عمر لثلاثة أسباب. الأول، لاعتباري لنفسي واحداً من المهمومين بوصول ثورة ديسمير المجيدة لغاياتها المتمثلة في وضع البلاد على منصة جديدة، تقوم على أساسها دولة حديثة مدنية وديمقراطية على أنقاض دولة الانقاذ التي لا أظنها تستحق مجرد وصفها بأسمال دولة.
والسبب الثاني، هو اهتمامي الشخصي بقضايا الاسلام السياسي في جانبيه الفكري والفقهي، وهو اهتمام عبرت عنه من خلال مجموعة من الكتب والمقالات التي تناقش قضايا التجديد الديني، بإعتباره قطباً أساسياً في إنجاح قيام الدولة المأمولة.
أما السبب الثالث، فهو دهشتي البالغة بأن يكون أول عمل فكري لمفكر الإنقاذ الأول، عبارة عن رد على مقال لأحد الذين خرجوا عليها منذ المفاصلة الشهيرة ١٩٩٩ ولم يتوان فى بذل النصح مهما كان الدواء مراً عليها ( ورقة المقدمات من ستين صفحة التي وجهها للشيخ الترابي شخصياً فى شجاعة غير مسبوقة عام ٢٠١٣ وطالبه بالاعتذار والاعتزال، ورقة الحركة الاسلامية هل تتجدد ٢٠١٨ والتى أكد فيها بجلاء أن الاسلام السياسى قد استنفد أغراضه، ورقة حركة النهضة فى مؤتمرها العاشر ٢٠١٧ بعنوان الغنوشي انجاز المؤجل، حديثه الشهير مع الاعلامى المصرى ابراهيم عيسي والذى شرح فيه بجلاء رأيه فى زمنية الاحكام الشرعية). ويبقى السؤال ما الذى دعا الاستاذ أمين للانتفاض هذه المرة لدرجة كتابة رد على المقال فى ذات يوم صدوره وكتابة الجزء الثانى فى اليوم التالى؟ هل زادت حدة التحريش كما اشار فى مقاله ووصلت درجة لا تحتمل يا ترى؟ ثُم لماذا لم يغضب امين لشيخه ولشريعة الولاء والبراءة فى كل تلك المواقف حيث أن موقف المحبوب ومقالاته معروفة منذ المفاصلة ومذكرة التفاهم مع الحركة الشعبية ٢٠٠١ وحتى تأييد حركته، تضامن، لاتفاق جوبا بين البرهان والحلو؟ أم أنها السلطة والانشغال ببريقها وديوانها عن “ترهات الافكار”؟

من يملك عقلاً سوياً يتوقع أن يكون إسهام شخص بمثل هذا الوزن في الإنقاذ، كالأستاذ أمين حسن عمر، تحليلاً عميقاً يتناول جدلية الفكر والتطبيق، أي أن يوضح للجميع جوهر ومضمون الفكرة التي أتت الإنقاذ لتطبيقها، وما قامت به من سياسات وإجراءات في سبيل ذلك، موضحاً ومُبيِّناً في ذات الوقت لماذا انتهت إلى ما نراه أمامنا من فشل بلغ حد الرجوع بالبلاد إلى ما قبل الدولة الوطنية، بل إلى ما قبل مجتمع القبيلة، حيث أصبح الآمر والناهي في أمرها اليوم العائلة والمليشيا، إن صح التعبير.

لقد احتفى الكثير جداً من المثقفين والناشطين المرتبطين بثورة ديسمبر المجيدة بمقال الأستاذ المحبوب المشار إليه باعتباره يساعد قوى الثورة في لجم حجج الإسلاميين الذين نفخ فيهم الانقلاب بقايا روح، فقد شهد شاهد من أهلهم على رخص بضاعة الاسلاميين، بل فسادها؛ وأيِّ شاهد: المحبوب عبد السلام شخصياً، ذلك القريب جداً من مراكز التفكير وصناعة القرارات في الحركة الاسلامية!
بعيداً عن ذلك فإن الأستاذ المحبوب اجتهد في فتح النوافذ لعالم المسلمين النائم، ليتنفسوا هواءً صحياً ونظيفاً يعيدهم لعهد البطولات، ليس عبر أحلام المنام واليقظة، وإنما عبر الأخذ بأعظم منتجات العصر من مفاهيم وأطر سياسية وعلمية وثقافية، لا تتناقض مع دينهم فى
غالبها؛ مائلاً في ذلك، على ما أحسب، لرأي الإمام الشاطبي في موافقاته: “حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله”.
ما يجدر ذكره، أن جوهر ما قاله المحبوب لا يبعد كثيراً عما يعتمل في قلب أي مثقف عاقل وهو تقديم النصح لإخوانه القدامى بأن التاريخ لن يعيد نفسه، مذكراً لهم بأن استراتيجيتهم السياسية الحالية تتنافى مع طبيعة الأشياء وسنن الكون، داعماً نصحه ذلك بتقديم الأدلة على ذلك من دروس التاريخ، وبالاستشهاد ببعض أقوال من يمكن اعتبارهم في الطبقة العليا من المفكرين الإسلاميين، كمالك بن نبي.

في مقالي هذا لن أتعرض كثيراً لما يخص الأستاذ المحبوب في شخصه فهو الأقدر على الدفاع عن نفسه، كما لن استرسل في الرد على دفوعات الأستاذ أمين عن الإنقاذ في وجهها السياسي، فهناك من هو أقدر مني على ذلك، وعلى كل حال هي من الافتضاح بما لا يحتاج معه رجل الشارع البسيط لمن يكشف له عوارها وفسادها ونتانة سيرتها؛ بل سأركز على ما طرحه الأستاذ أمين من قضايا فكرية، باعتباره كبير المنظرين للحركة الإسلامية في طورها الإنقاذي الذي ناء بكلكله، وبدون وجه حق، على بلادنا لمدة 30 عاماً. وسوف أختم مقالتي هذه بمجموعة من الملاحظات والأسئلة التي يتوجب على مفكرها وفقيهها الأول الرد عليها، ليقنعنا بأصالة مشروعه الحضاري الذي تسبب في هدر طاقات وموارد هذه البلاد، وتبديد أحلام شعبها، عبر فرض شعارات أثبت التطبيق كذبها، وعدم واقعيتها عند النظر إليه بمناظير الفكر والسياسة.

ربما يكون من غرائب الصدف، أن أحد محفزاتي، وأنا اليساري الهوى، للولوج لعالم الفكر والفقه الاسلاميين، ذلك الذي كان محتكراً مغلقاً بأمر الحركة الاسلامية بالضبة والمفتاح، باعتبارها صاحبة الحق الحصري في التعامل معه؛ أقول أن أحد محفزاتي كان برنامج درج الأستاذ أمين حسن عمر على تقديمه بالتلفزيون السوداني في تسعينيات القرن الماضي باسم “المنتدى الفقهي”، حيث كان يدير من خلاله بعض الحوارات مع صفوة مختارة من علماء وفقهاء الاسلاميين، مستهدفاً بذلك، على ما أظن، التمرد على بعض مسلمات الفقه الموروث الذي تعبر عنه المذاهب الأربعة. والحق أقول، أن الأستاذ أمين يعتبر من النادرين من مثقفي الحركة الاسلامية الذين كرسوا نذراً ولو كان يسيراً، من وقتهم وطاقتهم للجانب الفكري، على غير عادة اغلبيتهم الساحقة، بمن في ذلك الذين تخرجوا في أفضل الجامعات محلياً وعالمياً.

سأبدأ لب مقالي بالتعليق على طلب الأستاذ أمين من الأستاذ المحبوب أن: “ينظر إلى من يتنصل من الاسلام اليوم ومن يمحوه من كتب المناهج ويتهم أهله بالإرهاب على الهوية من يحارب القرآن وشعائره ويرفع الخمار عن المجحبات ويمجد التبرج والسفور  ويجعل النسوية والمثلية علامة على التقدمية ويكره صوت الآذان بينما تخرج مكبرات الصوت المجنونة لا يزال الليل طفلا أو ربما بكرا لم تفض”. وفي هذا أرى أن الأستاذ أمين، قد رجع، ويا للأسف، إلى مستوى سجالات خمسينات وستينات القرن الماضي، حيث كانت البضاعة الأساسية للإسلاميين حينها، هي تخويف، بل إرعاب، المجتمع مما يسعى له الشيوعيون، في نظرهم بالطبع، كإباحة الشيوعيين للزواج من أخواتهم، وإغلاق المساجد، وتحويل البلاد لماخور كبير، وما إلى ذلك من اتهامات ساذجة، لا تليق بمن في قلبه أو عقله ذرة إيمان أو أخلاق.
وإلا فعلى أي قاعدة استند المفكر الإنقاذي الكبير على ما أورده أعلاه من تهم؟ مَن مِن القوى التي قامت بالثورة بشَّر بمثل تلك الأجندة أو عَمِل بها؟ إن ما سطرَّه الأستاذ أمين أعلاه، يدل دلالة لا شك فيها على ما اتَّسمَت به الإنقاذ، وأكبر منظِّريها، من تردِّي أخلاقي؛ فهو يعلم بالطبع أن ما قاله لا يتعد دور الهراء المحض، كما أنه يعلم علم اليقين، أن إجازة أي قانون في الفترة الانتقالية يتطلب، وحسب الوثيقة الدستورية وغيرها، يتطلب إجماع غالبية مجلسي الوزراء والسيادة، وأن أولئك “الفسقة” الذين يتهمهم أعلاه لا يملكون معشار القوة اللازمة لتمرير أي قانون، مما يسمح لنا بوصف  إتهامه الساذج، الذي نقلناه أعلاه، باعتباره “كلام ساكت” كما نعبر نحن السودانين !

لقد بلغ من إفلاس الأستاذ أمين، وهو المنظِّر الأساسي لتنظيم حكم بلادنا لثلاثين عاماً، أن يذكِّر المتلقي لحديثه بقاعدة فقهية لا يعتقد فيها مسلم في زماننا هذا، بمن في ذلك الإسلامويين، غير أفراد التنظيمات الإرهابية كالقاعدة وداعش، حيث يقول: “يحدثنا المحبوب عن حكمة التاريخ وعن أبن خلدون ومقدمته وأحدثه بدوري  عن حكمة قد تكون  فاتت على لبه الذكي وهي ألا يحاول أن  يكون مرشدا للقوم وحكيما لهم وقد فارق مضاربهم وأقترب من فسطاط العدو فأن قاعدة الولاء والبراء قاعدة راسخة في وجدان المسلمين”، وعن هذه القاعدة، الولاء والبراء، أحدثكم!

فوفقاً للفقه السياسي السلفي الموروث، فإن قاعدة البراءة المعنية تقوم على التالي:
أولا: بغض الشرك والكفر وأَهله، وعداوة الكافرين والمشركين.
ثانيَاَ: هجر بلاد الكفر، وعدم السفر إِليها إِلا لضرورة مع القدرة على إِظهار شعائر الدِّين.
ثالثا: عدم التشبه بهم فيما هو من خصائصهم، دينا ودنيا؛ لأَنَّ ذلك يورث نوعا من المودة والموالاة في الباطن، والمحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر.
رابعا: أَلا يناصِرَ الكفار، ولا يمدحهم، ولا يعينهم على المسلمين، ولا يَرْكَن إِليهم، ولا يتخذهم بطانة له يحفظون سره، ويقومون بأهم أَعماله.
خامسا: أَلا يشاركهم في أَعيادهم وأَفراحهم، ولا يهنئهم عليها، وكذلك لا يعظمهم ولا يخاطبهم؛ بالسيد والمولى، ونحوها.
سادسا: أَلَّا يستغفر لهم، ولا يترحم عليهم.
سابعا: عدم التحاكم إِليهم، أَو الرضى بحكمهم، وترك اتباع أَهوائهم ومتابعتهم في أَي أَمر من أمورهم؛ لِأَنَّ متابعتهم يعني ترك حكم الله ورسوله.
ثامنا: أَلا يبدأهم بتحية الإسلام: “السَلاَمُ عَلَيْكُمْ”.

من مِحَن هذا السودان المنكوب بأمثال الأستاذ أمين، أنه كان أحد مناصري، إن لم يكن من ضمن كتبة، ميثاق السودان الذي صاغته الجبهة القومية الإسلامية كبرنامج سياسي استراتيجي تتهيأ به للحكم انتخاباً أو إنقلاباً وبالطبع لطمأنة الاقليم والغرب فى يناير ١٩٨٧، حيث كان حجر الزاوية في ذلك الميثاق هو الإقرار بمباديء السيادة للشعب، وبأن تكون المواطنة، وليس الدين، هي منشأ الحقوق والواجبات في الدولة، مُستَلْهَمَاً ذلك، أي الميثاق، من دستور المدينة الذي حكم العلاقة بين المسلمين وأصحاب الملل الأخرى؛ وذلك في هجر كامل لقاعدة الولاء والبراء، التي يريد بعثها من جديد لإرهاب خصومه، وخصوم من يتولى التنظير لهم.
ليس وحده ميثاق السودان الذي حمل موقف الحركة الاسلامية فحسب، بل أن دستور السودان لعام ١٩٩٨ الذي صاغه الترابي وجرى تعديله فى ٢٠٠٥ بواسطة فريق مباحثات نيفاشا، وأكاد أجزم أن الأستاذ أمين من صانعيه، قَطَع أي ارتباط، أو هكذا يجب أن يكون الأمر، مع فقه الولاء والبراء، ودونكم هذه النماذج من بنود الدستور التي تنفي ما يريد أن يرجعنا له الأستاذ أمين، أي عهد البداوة، علماً بأن الدستور المشار إبه خلا حتى من الإشارة إلى دين الدولة:

1- (1) جمهورية السودان دولة مستقلة ذات سيادة، وهى دولة ديمقراطية لا مركزية تتعدد فيها الثقافات واللغات وتتعايش فيها العناصر والأعراق والأديان.
1- (3) السودان وطن واحد جامع تكون فيه الأديان والثقافات مصدر قوة وتوافق وإلهام.
2ـ السيادة للشعب (وليس لله-الكاتب) وتُمارسها الدولة طبقاً لنصوص هذا الدستور والقانون دون إخلال بذاتية جنوب السودان والولايات.
3ـ الدستور القومي الانتقالي هو القانون الأعلى للبلاد (وليس القرآن الكريم كما هو عند أهل عقيدة الولاء والبراء-الكاتب)، ويتوافق معه الدستور الانتقالي لجنوب السودان ودساتير الولايات وجميع القوانين.
4ـ (أ) تُؤسس وحدة السودان على الإرادة الحُرة لشعبه وسيادة حكم القانون والحكم الديمقراطي اللامركزي والمساءلة والمساواة والاحترام والعدالة.
4- (ب) الأديان والمعتقدات والتقاليد والأعراف هي مصدر القوة المعنوية والإلهام للشعب السوداني.
4- (د) تُستمد سلطة الحكم وصلاحياته من سيادة الشعب (وليس من الدين-الكاتب) وإرادته التي تُمارس عن طريق الاستفتاء والانتخابات الحُرة.
5ـ (1) تكون الشـريعة الإسلامية والإجماع مصدراً (أي ليست المصدر الوحيد أو الرئيسي-الكاتب) للتشـريعات التي تُسن على المستوي القومي وتُطبق على ولايات شمال السودان.
5- (2) يكون التوافق الشعبي وقيم وأعراف الشعب السوداني وتقاليده ومعتقداته الدينية التي تأخذ في الاعتبار التنوع في السودان، مصدراً للتشريعات التي تُسن على المستوي القومي، وتُطبق على جنوب السودان أو ولاياته.
7- (1) تكون المواطنة أساس الحقوق المتساوية والواجبات لكل السودانيين.
23- (1) على كل مواطن سوداني أن يدين بالولاء لجمهورية السودان وأن يمتثل لهذا الدستور ويحترم المؤسسات التي أُنشئت بمقتضاه ويحمي سلامة أرض الوطن.
23- (2) (ط) يستهدي ويسترشد، بوجهٍ عامٍ، في أعماله بمصالح الأمة والمبادئ المنصوص عليها في هذا الدستور (أي أن الاستهداء والاسترشاد ليسا قائمين على الإسلام-الكاتب).

ثم يحدثك الأستاذ أمين من بعد ذلك، عن مبدأ الولاء والبراء. يا للحسرة ويا للهول!

نواصل ..

تعليق واحد

  1. شكرا على المقال ونحن سعداء بهذه المساجلات الفكرية فقط نذكركم بالابتعاد عن الألفاظ التي لا تليق بالمفكرين فقد شبعنا منها من اخواننا السياسيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى