أخبارتقارير وتحقيقات

«كرينك».. تواصل النزيف داخل الخرطوم

تواصلت تداعيات أحداث «كرينك» بولاية غرب دارفور- غربي السودان، التي راح ضحيتها مائتا قتيل وقرابة المائة جريح، أكثر من «40» منهم مضطرون لمواصلة النزيف أثناء العلاج بالعاصمة الخرطوم، وقد وصل منهم بالفعل «28» جريحاً!!

التغيير- أمل محمد الحسن

زارت «التغيير» مصابي أحداث كرينك في ولاية غرب دارفور، والذين يتلقون العلاج بمستشفى إبراهيم مالك في الخرطوم، واستمتعت إلى قصص معاناتهم أثناء الأحداث وما بعدها.

«الأسماء المذكورة في سياق هذه القصة مستعارة، وأي تشابه بينها وأي من ضحايا مجزرة كرينك هو من قبيل المصادفة البحتة».

بعد أن صعدت على متن الطائرة؛ ظنت «حليمة» أنها ستحملها إلى بر الأمان، وأن آلامها ستنتهي بمجرد وصولها للخرطوم، لم تكن تعلم أنها ستفقد هناك عضواً عزيزاً عليها.. «يدها اليمنى».

جلست والدتها تترجى الأطباء حتى لا يبتروا يد ابنتها ذات الـ«22» ربيعاً، والأم في ذات الوقت لـ«4» أطفال، أصغرهم رضيع اضطر الأطباء إلى فطمه قبل القيام بالعملية خوفاً عليه من وضع والدته النفسي المتدهور.

أحداث مجزرة معلنة

وتعرّضت السيدة العشرينية لإصابة من بندقية داخل سور منزلها بمنطقة كرينك، ونسبة للمسافة القريبة التي أصيبت منها «شباك منزلها» تمزّقت اليد وسقط جزء من عظمها- كان وفق الأطباء من الضروري حمله إلى المستشفى معها وهو ما لم يحدث!

«حليمة» كانت إحدى ضحايا مجزرة كرينك والجنينة التي حدثت في أواخر رمضان، حاصدة أرواح «201» شخص ومخلفة «98» جريحاً، وصل «28» منهم إلى الخرطوم، هم أصحاب الإصابات الخطيرة، ومازال «20» جريحاً في انتظار الإجلاء.

مصابة بترت يدها

نزيف متواصل

لم تكن «حليمة» وحدها صاحبة الحظ السيئ في تدهور وضعها الصحي بسيب تأخر العناية الطبية؛ شاب آخر تعرّض لبتر الذراع وغادر مستشفى إبراهيم مالك الثلاثاء. بينما لم يعرف «يحيى» مصيره بعد!

يحاول أن يبدو متماسكا، يقطب جبينه في توتر وهو يومئ برأسه كونه بخير، والدم الغريب الذي يدخل في شرايينه من كيس الدم المعلق بجواره ربما يزيد قلقه! وتكمل قسطرة البول الملقية على الأرض والحديد المحيط بقدمه اليسرى لتثبيت عظام الركبة في محلها، مشهد التقييد والضيق الذي يشعر به!

عندما يختلي بالطبيب؛ يبحث «يحيى» عن بارقة أمل في عينيه، ويكرِّر سؤالاً واحداً: هل ستتمكّن قدمي من السير مرة أخرى؟ وهي إجابة لا يملكها الطبيب الذي عبر عن قلقه من تدهور حالة الجرح.

عود من بخور «الند» يتطاير دخانه الخافت بالقرب من رأس «يحيى»؛ في محاولة يائسة للتخفيف من الرائحة النتنة النفاذة المنبعثة من جرح ركبته الملتهب!

«اضطررت لإغلاق الأبواب والنوافذ وأنا أنظف جرحه الذي تعفّن بسبب تأخر التدخل الطبي»- هذا ما قاله أحد أطباء يحيى لـ«التغيير»!

أصيب «يحيى» وهو يحاول مع اخوته وضع بضع لقيمات في الليل المتأخر داخل بطونهم لتعينهم على صيام رمضان، وبمجرد أن اضاءوا بطارية خافتة لينظروا للطعام اصطادتهم طلقات القناصة الذين يحيطون بالمعسكر في الجنينة؛ بهدف قتل كل من يتحرك!

مات أحد أشقاءه على الفور وأصيب هو وشقيقه، لكن جرح يحيى هو الأخطر.

الدماء تملأ أرضية المستشفى

معاناة داخل الخرطوم

معظم الإصابات التي وصلت الخرطوم على دفعتين «الاولى 13 شخصاً وصلوا 29 رمضان، والثانية 15 شخصاً في 30 رمضان»، وتوزعوا على مستشفيات الأكاديمي والسلاح الطبي وإبراهيم مالك ومستشفى بحري التعليمي، كانت إصابات خطيرة، وتأخرت حالتها الطبية بسبب تأخر إسعافها بولاية غرب دارفور.

لكن الكثير من الحالات لازالت تعاني حتى بعد وصولها للعاصمة؛ ومن بينها الطفل عبد الله الذي يبلغ من العمر «3» أعوام فقط وطال انتظاره لتدخل أطباء العيون بعد أن حرمته رصاصة من عينه، واخترقتها قبل أن تخرج من مؤخرة رأسه!

قدر الله للطفل عمراً جديداً بعد أن قرّرت الرصاصة مغادرة رأسه دون إحداث أذى يحرمه من الحياة؛ إلا أن الكثير من «الرايش» مازال باقياً هناك وينتظر التدخل الجراحي لإخراجه.

سيدة أخرى تم إنقاذها، وفقد جنينها بعد أن استقرت طلقة داخل رحمها الذي يحمل روحاً أكملت شهرها الرابع وكتب عليها عدم رؤية نور الحياة! وربما لا تخرج حياة أخرى منه بعد استمرار النزيف لأيام قبل وصولها للعاصمة!

الكثير من الحالات مازالت أرقاماً في قوائم العمليات بسبب أوضاع المستشفيات الحكومية المتردية، انتظار قد يسرق أرواحاً جديدةً، أو أعضاء عزيزة، ظنت أنها نجت من مجازر كرينك التي لم يراعِ فيها الجناة حرمة الأرواح أو الشهر المبارك!

موت أثناء واجب مقدس

توفي اثنان من المساعدين الطبيين داخل مستشفى كرينك مع الأحداث بعد أن تعرض المستشفى لإطلاق نار هو الآخر؛ ومع عدم وجود أطباء متخصصين داخل المستشفى؛ ألقى موت المساعدين بعبء ثقيل على العدد القليل المتبقي منهم ما تسبب في عدم القدرة على إنقاذ أرواح المصابين.

الهجوم الذي تعرض له مستشفى كرينك والذي حصد أرواح مرضى على أسرتهم، ولاحقاً الهجوم الذي منع الكوادر الطبية من الوصول لمستشفى الجنينة لـ«3» أيام هو ما فاقم الأوضاع الصحية للمصابين.

«استمر إطلاق الرصاص داخل المستشفى لمدة نصف ساعة قبل أن تتم محاصرتها وتهرب الكوادر الطبية لتنجو بنفسها»- وفق شهود عيان التقتهم «التغيير».

أحداث دبرتها «الخرطوم»!

«أحداث كرينك ليست قبلية»، بل هي أحداث دبرتها الخرطوم لتنفيذ أغراض سياسية محددة! هذا ما قطع به عضو اللجنة الطبية لأحداث كرينك، اختصاصي التخدير يوسف محمد.

وقال لـ«التغيير»: «أنا من أبناء كرينك، ولدت وتربيت فيها، وعملت في العيادات المتحركة في ولاية غرب دارفور.. لا توجد مشاكل قبلية لدينا، العرب يحضرون مواشيهم داخل السوق يذبحها جزار مسلاتي، ويقضون الليل داخل المعسكر اذا تأخروا في العودة لمنازلهم».

وأضاف: «العرب وغيرهم ضحايا يتم استخدامهم لتنفيذ أجندة».

وأشار إلى أن أسباب الأحداث كان يمكن حلها جنائياً، وليس عبر استباحة المدينة!

وأضاف ابن كرينك متحسراً: «هذه الأحداث كانت تتم في عهد النظام السابق والآن مازالت مستمرة».

«الدعم السريع» المتهم الأول

وأكد عضو اللجنة العليا لأحداث غرب دارفور، أن القوات التي هجمت على كرينك تتبع للدعم السريع وترتدي الزي المخصص له، ونفى إمكانية حصول قبيلة على كم الأسلحة والمعدات التي يمتلكونها.

وكشف عن اشتراك «280» سيارة دفع رباعي في الهجوم إلى جانب «700» موتر وعدد لا يحصى من الجمال والأحصنة، واتهم الجيش بالتواطؤ عبر الانسحاب!

وقال بمرارة: «وعد الجيش المواطنين بالحماية لكنهم انسحبوا»، وأكد أن عدم التكافؤ في القوات «الجيش لديه 19 سيارة دفع رباعي ودبابة وكومندر» لا يعتبر مبرراً لما وصفه بالغدر بالمواطنين العزل.

«لو كان الجيش يمتلك سيارة واحدة لزاماً عليه الوقوف ومحاولة حماية المواطنين العزل».

أحد مصابي أحداث كرينك

حبر على ورق

لم يوفر اتفاق جوبا أي سلام لإقليم دارفور، مازال القتل مستمراً وما حدث في كرينك يعتبر وفق تعريف الاتفاقات الدولية إبادة جماعية! هذا ما أكده «محمد» الذي طالب حاكم إقليم دارفور مني اركو مناوي بالاستقالة لفشله في حماية مواطني دارفور!

«عليه أن يستقيل»، ووصفه بأنه هو وبقية رؤساء الحركات المسلحة يجلسون على الكراسي في الخرطوم دون أن يحاولوا تغيير الواقع في دارفور.

وأضاف: «لا يستطيع واحد منهم أن يتجرأ ويزور المعسكرات»، ونوه إلى إيمان أهل دارفور بالثورة السودانية التي- وفق عضو اللجنة الطبية لأزمة دارفور- هي التي ستجلب السلام لدارفور.

واتهم «محمد» رؤساء الحركات المسلحة بإجراء مساومة مع من وصفهم بـ«الانقلابيين»، وشدد على أن كل أهل دارفور مع الثورة السودانية التي ستغير عقلية النظام السابق التي مازالت تدير الأمور في البلاد- حسب قوله.

مازال هناك ضحايا لم يكتمل شفاؤهم من أحداث كرينك الأولى، وكانت حصيلة الجرحى «84» ما زال «6» منهم في انتظار عدد من العمليات لكسور في أماكن ضيقة أو عمليات في الأعصاب، بعض الجرحى ذهبوا للولاية ومازالوا يعودون إلى العاصمة لإجراء مقابلات.

المشهد في مستشفى إبراهيم مالك يعكس بجلاء حجم المعاناة المريرة التي عاشها ويعيشها أبناء كرينك الأبرياء الذين تعرضوا لهجوم وحشي غير مبرر، وتواصل النزيف من كرينك إلى الخرطوم يبعث بالكثير من الرسائل المؤلمة والمضرجة بالدماء تنادي بالبحث عن حل جذري لكل هذا الموت والدماء والدمار!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى