أخباراقتصادتقارير وتحقيقات

الانقلاب أوقف المنح والمساعدات.. كيف يستقر السودان اقتصادياً

أدى الانقلاب الذي نفذه قائد الجيش السوداني في اكتوبر 2021م إلى تجميد إعفاء الديون وإحجام المجتمع الدولي عن تقديم المساعدات الموعودة، وبعد أكثر من (6) أشهر تواجه البلد سؤال كيف تستقر اقتصادياً.

التغيير- الخرطوم: الفاضل إبراهيم

بعد سنوات من العزلة نجح السودان في 2021م بإعادة علاقاته المتوازنة مع المؤسسات الاقتصادية الدولية، حيث تم الشروع في إعفاء قرابة الـ50 مليار دولار من ديونه عقب تطبيق روشتة صندوق النقد الدولي، التي قضت بفرض إجراءات قاسية أبرزها تحرير تامّ لأسعار الوقود والجنيه والدولار الجمركي.

في أبريل قرر البنك وصندوق النقد الدوليين أن السودان بات مؤهلًا للإعفاء من الديون الخارجية تحت برنامج إعفاء ديون الدول الفقيرة المثقلة بالديون “هيبيك”، وبالفعل حصل السودان على موافقة لإعفاء (23.5)  مليار دولار من ديونه البالغة (55) مليار دولار، ليصبح الدولة رقم (38) التي تحصل على إعفاء الديون في إطار المبادرة.

وخلال العام الماضي أعلنت مجموعة نادي باريس إعفاء (14.1) مليار دولار من ديون المجموعة على السودان، إضافة لإعادة جدولة بقية الدين (9.5 مليار دولار) إلى حين الوصول إلى نقطة الإكمال، مع التوقف عن سداد خدمة الدين خلال هذه الفترة.

ولكن انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان أعاد البلاد لنقطة الصفر بعد أن جمّدت الدول الدائنة برنامج الإعفاء، ولوّح المجتمع الدولي بوقف المنح والمساعدات رداً على ما قامَ به قائد الجيش، وأمهل البنك الدولي السودان حتى يونيو 2022م للتوصل إلى حل للأزمة السياسية والعودة لمسار الانتقال المدني الدولي، وإلا ستلغى خطة لإعفاء ديونه الخارجية والتي تفوق الـ(50) مليار دولار.

وزير المالية السوداني السابق ابراهيم البدوي

شروط الإعفاء وأسباب الانقلاب

وزير المالية السوداني الأسبق د. إبراهيم البدوي، دعا للتفكير في أسباب الانقلاب ومقارنتها بشروط البنك وصندوق النقد الدولي لإعفاء الديون والتي شملت بعض القرارات المتعلِّقة بالوضع الداخلي حيث نصت الفقرة (26) من الإصلاحات الهيكلية الواجب تنفيذها في إعفاء الديون وإعادة اطلاق الصرف التنموي، على ضرورة مكافحة الفساد وتحسين الحوكمة وهي من الأولويات الرئيسية، بجانب إنشاء لجنة مستقلة لمكافحة الفساد وقانون جديد لذات الغرض.

وأيضاً من الشروط المتفق عليها بين السودان والمؤسسات المالية الدولية والدائنين التطبيق الكامل للقانون الذي تمت إجازته في العام 2020م والذي ينص على التفكيك الكامل لمؤسسات النظام السابق وتقديم الأفراد المتهمين بالاعتداء علي المال العام للمحاكم أيضاً نشر قائمة بالشركات المملوكة للدولة وقطاع الأمن.

وأكد البدوي خلال ندوة بثت عبر (فيسبوك)، أن من أسباب الردة السياسية التي حدثت بالانقلاب العسكري هو عدم رغبة الانقلابيين في مواصلة برنامج الإصلاح المؤسسي بما في ذلك لجنة إزالة التمكين التي كان من المفترض دعمها بلجنة قانونية لمكافحة الفساد.

وعود

وقال البدوي إن اللقاء الذي جمع المدير التنفيذي للبنك الدولي مع رئيس الوزراء السوداني آنذاك د. عبد الله حمدوك، أكد على أن السودان سيكون من أكبر الدول الأفريقية المستفيدة من الدعم المالي للصندوق والبنك الدولي بعد التأهيل، وأشار إلى وجود خطة لتأهيل البنى التحتية “مطارات، طرق وسكة حديد” للربط مع دول الجوار بما يساهم في جذب الاستثمارات الخارجية.

وأوضح البدوي أن المساعدات التي كان من المفترض أن تصل للسودان تشمل (2.5) مليار دولار خلال عامين للموازنة يدفع منها صندوق النقد الدولي (2) مليار دعماً للتوازن الخارجي، بجانب الدعم من الشركاء “مؤتمر برلين” لدعم أنشطة الحكومة الانتقالية بمبلغ (1) مليار دولار منها (400) مليون دولار من البنك الدولي، وما تبقى من الشراكات الثنائية لتمويل برنامج دعم الأسر والتحول الرقمي.

قبل الانقلاب كان البنك وصندوق النقد الدولي سيقدم (950) مليون دولار في العام 2022م، بجانب (700) مليون دولار من الولايات المتحدة الأمريكية لدعم الموازنة، فضلاً عن مليار دولار من شركاء السودان مع منظمات الأمم المتحدة لدعم التعداد السكاني والزراعي.

ما تم إنجازه

وقال البدوي: “خضنا أسرع المفاوضات مقارنة بالدول المثقلة بالديون مفروض كان خلال عامين يتم إعفاء كامل للديون، لولا الانقلاب الذي حدث كانت ستنتهي مشكلة الديون في العام 2023م”.

ونوه إلى أن هنالك إجراءات تمت لإعفاء (20) مليار دولار تخص أعضاء في نادي باريس وهنالك (20) مليار أخرى خارج نادي باريس لكن الشيء المحير هنالك (8) مليارات دولار ديون تجارية بها شبهات فساد لأن الأموال التي أخذت غير معروف أوجه صرفها.

الدول المستفيدة

واوضح البدوي أن هنالك (37) دولة استفادت من مشروع إعفاء الديون من بينها أفغانستان بنين، بوليفيا، موزمبيق، زامبيا، إثيوبيا، ساحل العاج، النيجر ورواندا، وشكّلت ديون السودان (40%) من إجمالي ديون هذه الدول المعفاة، حيث يعتبر السودان من أكبر الدول مديونية.

وقال: “عموماً ما تم من إعفاء الديون ما كان سيتم لولا الثورة السودانية، كان هنالك تعاطف من المجتمع الدولي مع السودان ونحن نجحنا في التفاوض لمشروع كبير”.

وأضاف: “إذا ما تم إسقاط الانقلاب والعودة للمسار الدستوري الديمقراطي وإذا توافقنا على برنامج وطني سنصل لنهضة كبيرة”.

إبراهيم أونور

قضية سياسية

واعتبر الخبير البروفيسور إبراهيم أونور، أن قضية إعفاء ديون السودان الخارجية قضية اقتصادية وليست سياسية، واتهم شخصيات سودانية كانت في السلطة ابان عهد رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك، بالسعي لتسييس القضية بالضغط على المجتمع الدولي لربط إعفاء ديون السودان بالحكومة المدنية.

وقال لـ(التغيير): “نحن الأكاديميين مع الحكم المدني والديمقراطية ولكن الحقيقة التي يجب ألا يُنكرها أن إعفاء ديون السودان ملف تم تسييسه بالكامل في الوقت الذي استوفى فيه السودان شروط الإعفاء المختلفة باعتباره دولة مثقلة بالديون ونفّذ شروط وسياسات البنك وصندوق النقد الدولي”.

وذكر أونور أن السودان تخلّص من العقوبات الأمريكية السياسية التي كانت تقف حجر عثرة أمام إعفاء الديون ولذلك لا ينبغي أن تكون هنالك معوقات سياسية جديدة كما أن البنك الدولي وصندوق النقد أعفى الكثير من الديون لدول ليست ديمقراطية ولكن هذه الدول نفّذت الشروط الفنية فقط وتم إعفاؤه لذلك أعتقد أن ربط الإعفاء بالقرارات والأوضاع السياسية ليس عدلاً.

واعتبر أن برنامج الإعفاء الذي بدأ في عهد حكومة د. عبد الله حمدوك يجب أن يستمر بغض النظر عن نوع الحكم، وقال: “لكن إذا حدثت تسوية سياسية وجاءت حكومة مدنية ستكون فرصة استمرار برنامج إعفاء الديون أسرع”.

اختلاف

واختلف الخبير الاقتصادي د. الفاتح عثمان محجوب لـ(التغيير) مع ما ذهب إليه إبراهيم أونور، وقال إن برنامج إعفاء الديون مرتبط بالسياسة وليس الاقتصاد، ولفت إلى أن السودان ولأسباب سياسية لم ينل إعفاء الديون مع أنه كان يستحق ذلك منذ أكثر من عشرين عاماً.

المحلل الاقتصادي الفاتح عثمان محجوب

وأشار إلى أن برنامج إعفاء الديون تم تفعيله بعد سقوط حكم البشير وتمّ تعطيله بعد إجراءات البرهان العسكرية التي أطاحت بحكومة قوى الحرية والتغيير، ولذلك فإن القرار سياسي بامتياز ويخضع لرؤية الولايات المتحدة الأمريكية بالدرجة الأولى ثم الاتحاد الأوروبي ثانياً- حسب قوله.

فقدان المكاسب

وحذر محجوب من فقدان المكاسب التي تحققت خلال الفترة السابقة من حكومة الثورة فيما يتعلق بملف إعفاء الديون، وقال: “السودان مهدّد بإلغاء كل خطوات إعفاء الديون أو على الأقل فقدان البرنامج النهائي لإعفاء الديون الخارجية إن لم ينجز تكوين حكومة توافق سياسي ترضى عنها دول الترويكا الأوروبية والاتحاد الأفريقي.

لكنه عاد واعتبر أن هنالك أمل، ونوه إلى أنه ومن ناحية نظرية السودان لم يفقد حتى الآن فرصته في إعفاء الديون لكنه مهدّد بشدة.

“انتظار الدول الغربية لن يكون إلى ما لا نهاية خاصة وأن البنك الدولي قد حدّد صراحة منتصف شهر يونيو باعتباره آخر فرصة لتكوين حكومة توافق سياسي سوداني بقيادة مدنية وتحظى بمصداقية شعبية لكي تقوم المؤسسات المالية الدولية بإكمال برنامج إعفاء الديون”.

محمد الناير

حلول

لكن المحلل الاقتصادي د. محمد الناير أكد لـ(التغيير)، أن المؤشرات تقول إن هناك حلولاً في الأفق لوفاق سياسي قادم يفضي لتشكيل حكومة كفاءات ورئيس وزراء مدني، فإذا حدث ذلك وهو متوقع قريباً سيقود إلى استقرار أمني، وهذا سيمهِّد الطريق للاستقرار الاقتصادي ويجعل مؤسسات التمويل الدولية تستأنف دعمها للسودان مرة أخرى وتعيد النظر في تعاملاتها مع الخرطوم بصورة أساسية.

ونبه إلى إمكانية تراجع السودان عن هذه الروشتة حال عدم وفاء هاتين المؤسستين بالتزاماتهما تجاهه، وقال إن توجهات المجتمع الدولي تؤثر بشكل سلبي على الاقتصاد السوداني، لاسيما في مشكلة الديون الخارجية “لكن الحكومة حققت 90% من وصفة صندوق النقد”، وأضاف: “أي دولة نفّذت سياسات الصندوق حصلت في المقابل على الإعفاء”، ولفت إلى أن المجتمع الدولي لم يفِ بوعوده مع السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى