أخبارأعمدة ومقالات

ملحمة شيرين والثورة السودانية

محمد عتيق

 

خارج المتاهة ،، محمد عتيق

ملحمة شيرين والثورة السودانية

رغم أن شبابنا – شباب الثورة السودانية – يستشهدون بل ويتسابقون في ذلك يومياً وعند كل خروجٍ عظيم ، رغم ذلك ، دعونا نتوقف لتحيَّة شيرين أبو عاقلة عروساً لثورة فلسطين وعنواناً باهراً لعصرها الجديد ، بل ولاستقبالها في الحياة ميلاداً متفجراً ومضيئاً مع أبنائنا في اعتصامهم (المفضوض) ومسيراتهم المليونية الجارية لأنها فعلاً عنوان وعصر جديديْن لفلسطين والفلسطينيين كما أصبحت الأجيال السودانية الجديدة علامة بارزة لعهد جديد في السودان ، عهد الجدية والإنجاز والمساواة أمام القانون ، فلنقرأهم معاً :

في استشهادها ، نفخت شيرين روحاً إضافيةً من الجرأة في مؤسسة الرئاسة عندما رفضت بحزم مبدأ مشاركة “اسرائيل” لها في لجنة تحقيق حول استشهاد شيرين (باعتبار أنها هي التي ارتكبت الجريمة بلا شك) ، ولعلَّها تكون سبباً في تحسين البوصلة الثورية لتلك الرئاسة مستقبلاً ..
وباستشهادها ، وحّدت شيرين كل الناس عندما التفُّوا حولها كرمزٍ وطني “بحق” ودون معرفة حتى بديانتها التي فوجئ بها الجميع (تقريباً) عندما أقام المسلمون صلاة الغائب على روحها في فناء المستشفى الفرنسي بالقدس بينما اتجه جثمانها إلى كنيسة الروم الارثوذوكس لإقامة القداس على روحها !! ، وكان السودان قد صدح ، صوتاً وقلباً ، : “يا العنصري ومغرور ؛ كل البلد دارفور” ..
ووحَّدت الطوائف المسيحية وحدةً جديدةً (إذ لم يحدث لها أن اتخذت موقفاً مُوَحَّداً) فانطلقت أجراسها تقرع في نفس اللحظة ، في وحدةٍ لم تحدث من قبل ، عند تشييعها إلى مقابر جبل صهيون بالقدس القديمة ..

وباستشهادها اختفت التناقضات والاختلافات حتى بين غزّةَ والضفة الغربية ؛ سبحانك اللهم !! الذي بين شيرين واغتيالها وبين الثورة السودانية الجارية ليست الشهادة فالاستشهاد فعلٌ يومي هنا وهناك ، ولكن ما بينهما تشابهات أصيلة في تفاصيل ومنحنيات مدهشة :

– عندما قرعت كنائس الطوائف المسيحية كلها الأجراس في لحظة واحدة في وداع شيرين إيذاناً بتوحيدها لها ، كانت الوحدة بين الأديان عندنا في السودان حقيقةً قائمة قبل أن يأتي أبناء الطائفة القبطية إلى أرض الاعتصام يرفعون المظلات الضخمة فوق رؤوس إخوتهم المسلمين الذين وقفوا لأداء صلاة الجمعة تظليلاً وتبريداً لهم في هجير مايو/أيار ٢٠١٩ !!

– كانت ، ساميةً على همومها وظروفها القاسية ، وبابتسامةٍ مقتضبةٍ عند البعض ، ودودةٍ ، ظليلة… الخ عند آخرين ، تطل على مستقبلٍ واثقٍ لفلسطين وشعبها ، وفي هدوءٍ تلقائي وطيبةٍ أصيلة متدفقةٍ في ملامح الوجه وفي المفردات الدقيقة المحدّدة في تقاريرها ، وذلك إنما يتطابق (تماماً أو مجازاً) مع سلميَّة الثورة عندنا ، السلميةُ سلاحاً ومنهجاً اختارها شباب الثورة ، سلمية واجهوا بها أعتى الأسلحة وأشرس القوى (كما إسرائيل) ، سلمية حدَّ أن يُقيلوا عثرة العدو القادم عليهم بأسلحته النارية عندما يسقط من سيارته ، يُصلحون حاله ويعيدونه إلى ميدانه “كل واحد يشتغل شغلو” أو كما قال أحدهم وذَهَبَ مثلاً ونهجا ..

– نعم ، كنتِ مزعجةً للعدو حتى وأنتِ في نعشكِ بعد الاستشهاد يا شيرين ، فأخذَ يضع شروطاً “للتشييع” على عائلتك : (لا أعلام تُرفع ، لا هتافات لا ولا …) ثم يهجمون على سيارة التشييع يمنعون الناس عنكِ ، ينزعون العلم الفلسطيني عن التابوت الذي يحتويك ، يحولون بين الشعب وبين جثتكِ المسجاة التي لخصت وحدتهم وأبديَّة القدسِ عاصمةً لدولتهم كما كانت .. ولما كان منظر التابوت على أكتاف الشعب رمزاً تاريخياً لمرحلةٍ جديدة قصدوا ممارسة الإهانة والمحو لذلك الرمز من ذاكرة الشعب ووجدانه فَأَسْلَمَ الرجال أنفسهم للضرب والركل حمايةً للجثمان/الرمز من السقوط على الأرض فللسقوط معنىً سلبيّ لا يسهل مَحْوهُ من الذاكرة (لا ذاكرة الشعوب الجمعية ولا الفردية) ، وهو بالضبط ما حدث هنا بعد فض الاعتصام ؛ فإذا كان الشباب قد جَسَّدوا خلاله صوراً للحياة التي يتوقون إليها فإن الذاكرة البشرية إلى ضعفٍ وذبول مع الزمن ، فكانت الجداريّات واللوحات ، وكانت الرسوم والخطوط معرضاً زاهياً يحكي للأجيال قصة السودان وثورته الكبرى نحو الحياة ، معرضاً أنيقاً جذَّاباً في قلب الخرطوم يحكي سطوة “السلمية” التي أسقطت أعتى دكتاتوريات المنطقة وأكثرها فساداً ويرسم أحلام الجيل ورؤاه تخليداً وتمجيداً .. معرض ، مجرد رسوم وجداريات كان أكثر إيلاماً لأشباح الردة ، وقسوةً على قلوبها الفظّة ، فراحت تشطب وتزيل مذعورةً مرتجفةً ودون أن يخطر في العقول الصغيرة المُعتمة أن الجيل الشاب الذي فَعَلَ ذلك سيعيده قريباً ..

أمّا واقعة فض الاعتصام فإنها هي هي : قصة الشعب الفلسطيني , في أنينه وزئيره صعوداً وهبوطاً عند كل المحطات منذ النكبة (في مثل هذا اليوم ١٥ مايو ١٩٤٨) قتلاً وهدم بيوت ، اعتقالاً وتوسُّعاً في بناء المستوطنات … ودونما تفصيل ، رأيناها فجر الثالث من يونيو ٢٠١٩ (٢٩رمضان) عندما جمعت القوى المعادية للسودان -محلياً وإقليمياً- أشرس عناصر الجنجويد وأشتاتهم من بوادي غرب افريقيا ، ومن بقايا أجهزة النظام الساقط الأمنية ومليشياته وعناصر تمكينه في مختلف القوات النظامية .. عصابات أشبه بعصابات الاراغون الصهيونية (قبل النكبة) ، وضعت خطتها وهجمت باكراً على أرض الاعتصام بجنون وتوحُّش ؛ تقتل ، تجلد ، وتمارس أبشع أنواع الإذلال البشري : فوق الجلد والقتل مارسوا “الاغتصاب” اغتصاب النساء والرجال !! وهل تصدقين يا شيرين أن هنالك وظيفة لدي أجهزة النظام الإسلاموي الساقط اسمها “مغتصب” حسب اعتراف أحدهم في المحكمة !! هل من يمكنه تصديق ذلك في عالم اليوم ؟
وكما تعلمين ، فقد ختموا تلك “الجائحة” بإلقاء أكثر من مائة شاب في النيل ، وقد ربطوا كتلاً ثقيلةً من الحديد والصخور الحجرية في أطرافهم ليضمنوا وصولهم إلى قاع النهر (فيهم الأحياء والموتى ونصف الموتى) !! ثم أعقبتهم أشباح الردة (المذكورة آنفاً) لإزالة كل ما يشير إلى أن حياةً كانت هناك وتركت رسماً لحياةٍ قادمة : – في مقبرة جبل صهيون ، جبل قاسيون ، أحمد شرفي ، الختمية ، فاروق ، وغيرها ، أو في جوف النيل الخالد ؛ أنتِ يا شيرين وأنتم يا كل الشهداء : هنا تُولدون لا تُدفنون ، أنتم الأقوى والأكثر عطاءاً للمستقبل ..

فمهما نادوا بالتحقيق المستقل ، الشفاف ، الدولي .. وواصلوا المطالبة بكذا وكذا ، وأدانوا سلوك الشرطة خلال تشييعكِ ، فلن يُعيدوك إلى الحياة الدنيا لإنكِ أصلاً لن تَقْبَلي ذلك ، فاغتيالكِ قد وَحَّدَ كل وجوه الخير في هذه الحياة ولا أظنكِ تبتغين أكثر من ذلك..
15.05.2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى