أخبارأعمدة ومقالات

الترابي وبن باز: في استفسارات وإجابات!!

ركن نقاش

الترابي وبن باز: في استفسارات وإجابات!!

عيسى إبراهيم

“من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرّم الدكتور حسن الترابي وفقه الله لما فيه رضاه آمين.. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد

فأشفع لمعاليكم بهذا نسخة من الرسالة الواردة ممن سمى نفسه عبد البديع صقر صاحب مؤسسة الإيمان المؤرخة في 24/ 11/ 1400 راجياً من معاليكم بعد الإطلاع عليها التكرّم بالإفادة عن صحة ما نُسب إليكم فيها من الآراء لنعرف الحقيقة والشبهة التي أوجبت لكم هذه الأقوال إن صحت نسبتها إليكم، لمناقشتكم فيها على ضوء الأدلة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،، الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد”

رسالة عبد البديع صقر:

“بسم الله الرحمن الرحيم

مدرسة الإيمان الخاصة بدبي ص. ب 10003

صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز

رئيس دوائر الفتوى والدعوة بالمملكة العربية السعودية حفظه الله

بواسطة مركز الدعوة الإسلامية بدبي

السلام عليكم ورحمة الله،،،،

لقد جاءنا من القطر السوداني ما يفيد أن رجلاً اسمه الدكتور حسن الترابي يشغل وظيفة وزير هناك للشؤون الدينية أو نحو ذلك ينشر أفكاراً غريبة منها:

  1. أنه لا يرى إقامة الحد برجم الزاني المحصن.
  2. وأنه لا يرى في الدين شيئاً يمنع زواج المسلمة من الكتابي.
  3. وأن الردة ليست في الخروج من دين سماوي إلى دين سماوي آخر بل الشرك فقط.
  4. وأنه ليس في الخمر حد إنما هو التعزير.
  5. وأن القواعد الأصولية وقواعد علم المصطلح الحديث أمر غير ملزم لكل المسلمين.
  6. وأنه لا يمانع في بعض الاختلاط إذ أن الحجاب لا يمنع من وقوع الفساد.

وقد ناقشه بعض العلماء وسافروا إليه من مصر فلم يتنازل عن شيء من رأيه. وكان ممن ناقشه الشيخ مناع القطان.

وعندما شاورت إخواني في دعوة العلماء للرد على هذه الآراء قالوا من الأفضل أن نتركها تموت بدلاً من توسيع دائرة العلم بها.

ولكن الذي حصل أن عدداً كبيراً من شباب السودان تابعه على هذا وساعدتهم على ذلك نزعتهم الصوفية التي لا تعنى بالتحقيق بقدر ما تعنى بالمشيخة والثقة العمياء. لذلك بادرت بالكتابة إليكم لتتخذوا ما ترونه مناسباً لدرء تلك الفتنة. جعل الله لكم لسان صدق في الآخرين ونصر بكم الحق وأهله والسلام عليكم ورحمته،،، عبد البديع صقر صاحب مؤسسة الإيمان  24 من ذي القعدة 1400ه”

رد حسن الترابي:

“من حسن الترابي

إلى فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز

أحمد إليكم الله رب العالمين وأصلي وأسلم على محمد وسائر المرسلين، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،

وبعد.. فقد بلغتني رسالتكم الكريمة مرفقاً بها كتاب المدعو عبد البديع صقر وقد علمت أنه مصري الأصل لجأ إلى دولة قطر عندما ابتلي الإخوان المسلمون بمصر ثم أخرج إلى دبي.

وجزاكم الله خيراً إن جاءكم منه نبأ فتبينتم مني نسبته وحقيقته..

  1. لم يقع مني في كتاب أو خطاب عام أن أشرت إلى غير المعروف في حكم الزاني المحصن. ولكن في سياق إعداد قوانين للسودان توافق الشريعة الإسلامية، وقعت على رأي للشيخ أبي زهرة (رحمه الله) كنت قد سمعت أنه يذهب إليه، وما كان يريد أن ينشره إلا بين يدي محاولة جادة لتطبيق الشريعة، ثم وافته مبادرات القذافي السابقة في الشأن فأفتى ونشر. وقد تناولت رأيه بالنظر واستشرت فيه بعض من لقيت من المشتغلين بالعلم. وخلاصة مذهبه أن فواتح سورة النور تلت الوقائع السنية المروية في الرجم، فنسخت الحكم إلى الجلد. ولعل بعض من استشرت قد نقل المسألة بغية التحري، فتسامع بها المدعو صقراً وتوهمه رأياً لي فخطفه وسعى به.
  2. والنقل الثاني، افتراء وتلفيق. وقد كان في سياق بحث بالإنجليزية في مسلمي أمريكا أن قلبت وجوه فقه الأسرة وأسرار الحكمة فيه. وتطرقت للتزاوج مع المشركين والنصوص المانعة التي قطعت فيه منذ الهجرة للتنافر البعيد بين طرفيه. ثم تعرضت للكتابيين وقربهم النسبي لنا مما أباح طعامهم ومحصناتهم وجعل طعامنا حلاً لهم. أما نساؤنا فقد ذكرت اتفاق الفقهاء على منع ذلك استصحاباً لحرمة الفروج إلا بتحليل وسداً لذريعة فتنة من قوامة الكتابي على المسلمة.

ولكني أوضحت للسائل أن آيات الممتحنة بسياقها اللفظي (فلا ترجعوهن إلى الكفار)، (ولا تمسكوا بعصم الكوافر): شروط حلف الحديبية منصرفة من كفار المشركين. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۚ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ۚ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [سورة الممتحنة 10]

فالمسألة خرجت بأدلة قوية دون النص القرآني القاطع، والمجتهد المخالف فيها يجادل ولا يقاتل.

وكنت في مستهل المحاضرة قد نبهت إلى أني أسوق مباحث لوجوه الفقه لا فتاوى، ولما سئلت عيناً في المسألة ذكرت صراحةً في كلام مسجل أن التحريم هو المذهب في ابتداء النكاح مع تحفظ في الأوضاع الإنتقالية، إذ ربما تأتيهم الزوجة لتسلم فيفتنوها بطلب المفارقة فوراً فتنتكس، وذكرت أن الأوفق أن نتريث ثبات عقيدتها، ثم نلتمس منها مهاجرة الزوج واستبقاء العقد ودعوة الزوج لعله يلحقها إلى الإسلام، كسابقة الربيع زوج زينب بنت رسول الله.

  1. وما جاء في الردة تلفيق أيضاً، إذ لم يحدث أن رتبت حكماً عن التميز بين ما يرتد إليه المرتد. ولكني في محاضرة حول تعديل القوانين السودانية كذلك أوردت رأي الجمهور مع تحفظ أبو حنيفة في قتل المرأة، ثم ذكرت وجهاً في حمل عموم الحكم في الردة على خصوص المرتد المفارق للجماعة، وتطرّقت لسياسة الرسول في معاملة طوائف من المرتدين، ومن يأنس بذلك ليشترط من بعد الردة النظرية عملاً ظاهراً تفارق به الجماعة، أو من يرى القتل في الردة سياسة شرعية يراعى فيها خوف السمعة والفتنة.
  2. أما الخمر فالرأي الذي أوردته في محاضرتي لإعداد القوانين المقترحة للسودان أني مع رأي الجمهور في الحد، وخلافهم في عدد الجلد، رأياً بأن الجلد عقوبة قطعية ولكن عدده تعزير وتقدير، وحدثت بأن بعض من يشتركون معنا في اللجان القانونية يوافقون على منع الخمر، ولكنهم يكرهون فرض الجلد إلا خياراً للقاضي. وإننا لئلا نفوت فرصة منع الخمر أصلاً رضينا منهم ذلك النص، إذ لا نتحكم في اللجنة، وما لا يدرك كله لا يترك جله. وقد درجناهم بعد ذلك حتى قبلوا الجلد مع خيار إضافة عقوبة تعزيرية.
  3. أما القواعد الأصولية والحديثية فكل ما ذكرت فيها من حديث عام هو التفريق بين ما هو نصي وما هو اجتهادي اختلف فيه الفقهاء، اختلافاً كبيراً. وذلك معلوم بداهةً من كتب الأصول والمصطلح. ومعلوم أنه لا التزام فيه، إلا لدليل ينشرح له الصدر أو لإجماع ينعقد. والرأي الإجتهادي في أصول الفقه مثله في فروعها.
  4. أما الاختلاط، فكلمة لا استعملها استبشاعاً، وإنما رأيت كيف تمنع النساء مما كن يشتركن فيه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كالمسجد والعيدين والخروج للحاجة بحجة سد ذريعة الإختلاط وتحرياً لمصلحة ملغاة بصريح النصوص، وحرماناً للنساء من بركات جماعة المسلمين. وقد ذكرت كثيراً أن الحجاب وحده لا يمنع وقوع الفساد، لما رأيت من إهمال تأديب الفتيات بأدب الدين وتزكيتهن بمعاني الإيمان استغناءً بالحجاب، وإنما أمرن أن يكن حافظات وقانتات، ليكون الأمر تديناً منهن قبل أن يكن إلتزاماً بالمعروف.

وكل ما ورد مني بشأن النساء وغير ذلك، منشور في عدة كتب ورسائل، محفوف بالأدلة الوثيقية من القرآن والسنة الصحيحة، ولا مجال للتخليط عني سماعاً. ولا ادعي عصمة من خطأ ولكني أرتجي المؤاخذة عن بينة، والمناصحة عن إخلاص، وابتغي عند الله الهداية والأجر والمغفرة.

أما ما جاء من ذكر وفود علماء قدمت علي، فهي حاشية غير صادقة، إلا أن الشيخ مناعاً القطان، قد جاءنا في السودان يجادلنا في وجوب البيعة لمرشد اتخذته ثلة من الإخوان المسلمين بمصر وحاورناه بفقه في البيعة أن ذلك لا يلزمنا فنحن بفضل الله نعمل للإسلام في السودان دعوة ومجاهدة. ونتعاون ونتناصر مع أهل العلم والجهاد في كل مكان. تطرق الشيخ مناع أيضاً لما تسامع به بعضهم والجهاد في كل مكان. تطرق الشيخ مناع أيضاً لما تسامع به بعضهم عني تدليسات وتلفيقات ومذاهب غريبة، هي من مثل ما ردد أصدقاءه المدعو صقراً وحدثته بمثل ما سلف. ولكن بعض أخواننا المصريين ما انفكوا- مما يجدون في أنفسهم من إنكارنا لزوم بيعتهم-يحملون علينا بما اتفق لهم، وقد بلغ الفجور في الخصومة- بأحد كتاب مجلتهم الرسمية: الدعوة، أن رماني بالشيوعية والمروق، وزج بي في زمرة محمود محمد طه السوداني (وهو رجل تنبأ ثم تأله وأنكر جل شعائر الإسلام وشرائعه)، وأتاتورك (وهو الفاجر الكافر الذي عطل الشريعة وقتل المسلمين وفرض الملة الأوروبية)، والقذافي (وهو من سمعتم عنه إلغاء السنة وغير ذلك) وبالله العياذ وإليه المشتكى. وعجبت للمدعو صقراً من غيرته المزعومة على الدين، وهمه بتعبئة العلماء!! أما كان أولى به أن يتصدى مجاهداً لمذاهب الكفر الصراح وسياساته التي تسود بلاده؟ وما بال همه إلا يجتمع إلا على طائفة من أهل السودان ظاهرة بالدعوة تحاول تمكين الشريعة وتصابر على كيد الباطل.. أليس فيما يصيبنا في الأعراض والأنفس من تلقاء الشيوعيين والصليبيين والبغاة، ما يدعو بعض أهلنا، غفر الله لهم، أن يكفوا عنا أذاهم؟؟ أم قد كتب على كل من يجاهد لتجديد أمر الدين أن يرمى بالضلال والإضلال؟

أليس فيما يعاني المسلمون من شقاق تؤججه الظنون والدعايات، عبرة في التبين وخصوص النصيحة وحكماً في حملات التشهير بالتسامح؟ ورب صديق جاهل لأهل الإسلام، يخص بحملته أقرب الناس إليه، في أقرب مواقفهم إلى القيام بأمر الدين، وهو إشاعة الفقه بالشريعة، وبسط الأقوال والخيارات، ووجوه أدلتها وحكمتها، ومناسبة تطبيقها في الواقع. ولنا عظة بما وقع في باكستان حين الشروع في تطبيق الشريعة من تنازع بعض حملة العلم وتراشقهم وغلوهم في خلافات فروع كادت تفوت الأصول. وبعض إخواننا المراقبين لا يدركون ما نلاقي من ضرورات التيسير والتبشير لأول عهد نستقبل فيه الشريعة بعد اغتراب، مع تمكن قوم لا تطمئن قلوب أكثرهم لحق الإسلام.

أما شباب السودان فلا تسودهم نزعة صوفية أو مشيخية، وإنما هي كلمة تحريش إلى عالم سلفي، من حواري لشيخ معروف كان في مصر ذا صوفية، مع جهاد وفضل كبير، فشباب السودان غالبه إما دهري، أو شيوعي سافر يكاد يمرق على كل التقاليد، ويرمي الدين كله بالخرافة، فضلاً عن المبتدعات الصوفية، أو إسلامي خالص العقيدة جهادي الإيمان.

والحمد لله الذي جعل سوادهم الأعظم اليوم معتصماً بالإسلام مجاهداً في حركته. وإننا إذ نشكرك على سالف دعمك للمجاهدات الإسلامية بالسودان، نرجو أن تخاطب عنا إخواننا الحاملين علينا ظلماً، ونسأل الله أن يجزيك خير الجزاء، وأن يبقيكم للدعوة والإرشاد، وأن يغفر لنا ولكم ولسائر المسلمين. “أخوكم في الله حسن الترابي”

eisay1947@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى