أخبارأعمدةأعمدة ومقالات

منشور ملوك اشتباكات المواكب عن سلوك البنات من زوايا مختلفة

رشا عوض

نشرت صفحة “ملوك اشتباكات المواكب” على موقع فيسبوك منشورا بعنوان ” موجه للثائرات الرفيقات …كوني على علم انك تحت الأضواء ” خلاصته ان طريقة لبس الثائرات وسلوكهن والألفاظ التي يستخدمنها أثناء المواكب تمثل “المجتمع الثوري”، ولذلك لو كان اللبس او الألفاظ غير مناسبة ستكون النتيجة وصف الثوار “بالشماشة والصعاليك”.
أثار المنشور جدلا حادا في الصفحة، كما أغضب كثيرا من الناشطات والنشطاء وحصد انتقادات كبيرة في مواقع التواصل الاجتماعي على أساس ان فيه فرض وصاية ذكورية على النساء وتمييز صارخ ضدهن إذ حصر المنشور النصائح بخصوص السلوك المحترم في النساء فقط بينما يشهد الواقع ان الاخطاء السلوكية مشتركة بين الجنسين، فإن كانت هناك توجيهات سلوكية لصالح الحراك كان الاولى ان تشمل الجنسين، فضلا عن ان الامر برمته يندرج تحت الحريات الشخصية.
بعد ذلك نشرت الصفحة توضيحا نص على أن ” محتوى البوست ذو طابع إختلافي، وموضوع جدل طويل لسنا بصدده الآن، فهناك الأهم من ذلك، لذا نعتذر عن ذلك، ونؤكد أن الآدمن ناشر البوست نيته سليمه ودافعه خوفه علي حراكنا من أي تشويش أو تجريم يأتي من الناس ويستغله أعداء الثورة، محتوى البوست إختلافي نؤكد على أن هنالك سلبيات وسلوكيات خاطئة في المواكب سنتحدث عنها لاحقاً، مسؤول عنها كل الثوار دون تحديد نوع
نحن لانحدد أختيارات الناس الشخصية، ولكننا نناضل ونضحي من أجل أن يكن للناس حق الإختيار بحرية”
ولكن التوضيح نفسه كان مادة للاستنكار واعتبره البعض اعتذارا خجولا لا يختلف جذريا مع فكرة المنشور.
تابعت باهتمام التعليقات على المنشور “الموجه للثائرات الرفيقات” وقد تجاوزت الستمائة تعليق ساعة اطلاعي، كما كنت جزء من نقاش حول هذا المنشور على هامش منشط مدني، وتابعت باهتمام آراء شابات في مقتبل العمر ناشطات في لجان المقاومة، وكن مؤيدات لفكرة المنشور! وتحدثن بغضب عن سلوكيات خاطئة من بعض المشاركات في المواكب وبررن غضبهن بأن هؤلاء الفتيات اللاتتي يرتدين أزياء خليعة او يتلفظن ألفاظا بذيئة يتسببن في تشويه صورة الحراك وبالتالي تمنع الأسر بناتها من الخروج في المواكب ، التعليقات على الصفحة وفي الواقع أظهرت تباينا في الآراء يعكس الاختلافات الفكرية والسياسية في الشارع السوداني.
إن هذا المنشور والنقاشات حوله تصلح مدخلا لفهم طبيعة الحراك الشعبي من بدايته في ٢٠١٨ وحتى الآن فهما واقعيا، بعيدا عن توهمات ان الشارع موحد حول فكرة ثورية واحدة، مكتملة وناضجة ورادكالية في تقدميتها سواء في حقوق المرأة او حقوق الانسان عموما، او اي قضية أخرى، فهاهو منشور يحوي فكرة تقليدية ويتبنى موقفا اجتماعيا محافظا، يطل علينا من صفحة الفيسبوك الخاصة “بملوك اشتباكات المواكب” وليس من صفحة حزب سلفي او طائفي، ويجد التأييد والاستحسان من شباب وشابات في لجان المقاومة.
إن “ثورة ديسمبر” هي تحرك جماعي احتجاجي لاسقاط نظام ظالم وفاسد وفاشل فقد صلاحيته تماما للاستمرار، العقل الجمعي السوداني في لحظة تاريخية أدرك ان بداية الحل هي إسقاط النظام ،ثم الشروع في تحقيق مطالب الثورة التي تلخصها دونما تفاصيل محددة،شعارات حرية سلام وعدالة، الفهم الواقعي لهذه الثورة والتوقعات المنطقية منها يجب أن تنحصر في نقل البلاد إلى حالة القابلية للتغيير بوسائل سلمية وديمقراطية،وهذه الحالة هي النظام الديمقراطي التعددي الذي يجب أن نجتهد في التدابير الدستورية والقانونية والسياسية التي تحضر له الملعب النظيف، وتجعله- اي النظام الديمقراطي- مستداما ومستقرا ومجديا في الحوكمة الراشدة والتنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية.
ولكن برزت في المشهد الثوري بكثافة توجهات لاحتكار ملكية الثورة بوضع اليد!
مثلا، بعض النسويات يتصرفن كما لو كانت الثورة السودانية اندلعت بقيادة فرجينيا وولف وكل رجل سوداني تحول ببركات الثورة إلى تلميذ نجيب في مدارس النسوية وما بعد النسوية !
وعلى هذه الخلفية كانت صدمتهن كبيرة من المنشور ومن المواقف المساندة له من داخل صفوف الثورة بل من صفها الأمامي”ملوك الاشتباك”!
ومن اللافت ان بعض المعترضين والمعترضات على فرض وصاية ذكورية على الشارع كانوا مؤيدين في وقت سابق لشكل من أشكال الوصاية السياسية على الشارع من خلال طرد بعض الشخصيات السياسية من المواكب او منع متظاهرين من رفع صور معتقلين سياسيين بحجة انهم من أحزاب الهبوط الناعم!
ادعاء ملكية الثورة لا يتوقف عند النسويات بطبيعة الحال!
فبعض الشيوعيين يتصرفون كما لو كان السودان روسيا عام ١٩١٧ وثورة ديسمبر هي الثورة البلشفية!
وبعض الاحزاب التي لم تفلح في حصد مقعد واحد في اي برلمان منتخب ديمقراطيا ارادت الاستيطان في الفترة الانتقالية بدلا من السعي لتهيئة البلاد للانتخابات وتبريرها لذلك هو ادعاء تمثيل الثورة وكأنما جماهير الثورة رصيد مجاني تحت الطلب لكل مفلس جماهيريا!
وكل صاحب فكرة يريد تطبيقها على عجل في الشأن العام يفعل ذلك باعتبار ان فكرته مسنودة تماما بجماهير الثورة!
ولكن الحقيقة التي تمد لسانها للجميع هي ان الشباب الثوار الذين يملؤون الشوارع هم أبناء وبنات المجتمع السوداني ، ويعكسون تنوعه وتعدده، فيهم التقليدي وفيهم الحداثي، وكذلك اللبرالي المتحرر على المستوى الاجتماعي والمحافظ، وفيهم المنتمي لحزب سياسي وفيهم المستقل ، فيهم الاغنياء جدا والفقراء جدا ، وفيهم أبناء وبنات ما تبقى من طبقة وسطى، وفيهم اهل المركز وأهل الهامش، فلا يمكن أن تجمع كل هؤلاء الثوار الا “مظلة الديمقراطية التعددية” التي يجب أن تتسع حتى لأصحاب التوجهات المحافظة دينيا واجتماعيا،لاننا نحتاج جدا لتوسيع هذه المظلة والحفاظ على وحدتها لأنها جسر العبور الوحيد المتاح لنا إلى مرحلة متقدمة ديمقراطيا وحقوقيا.
الشفرة الثقافية
بالعودة الى موضوع المنشور، فإنه تورط في فكرة حصر المسؤولية عن الأخلاق والاستقامة السلوكية في النساء، وهذه فكرة ذكورية بامتياز، وغير أخلاقية لأنها مجافية للعدالة، فالواجب الثوري فعلا هو التزام الثوار والثائرات، على حد سواء بالسلوك المقبول لدى غالبية السودانيين اصحاب المزاج المعتدل، طبعا ليس ممكنا ولا مطلوبا ارضاء المزاج المتطرف دينيا والمتزمت اجتماعيا، ولكن مصلحة الحراك الثوري تقتضي كسب ثقة واحترام المجتمع لأن رأس مال الثورة هو إيمان الشعب بها واحتضانه لها .
لكل مجتمع شفرة ثقافية لا بد أن يستوعبها كل الفاعلين والفاعلات في مجال التغيير ،من يتجاهل هذه الشفرة ويتوهم أن افكاره المعيارية ورومانسياته الايدولوجية او شطحات مزاجه الشخصي هي دستور الثورة وميثاق الثوار جميعا بلا استثناء حتما سيأتيه الرد،ليس من مساجد السلفيين او منابر الكيزان او ابواق الثورة المضادة،بل سيأتيه من رفقائه الثوار انفسهم!
مبدئيا، لا يجوز التدخل في طريقة لبس النساء، فهذه حرية شخصية لا يحق انتهاكها من اي سلطة رسمية او غير رسمية، فنحن في الشارع رجالا ونساء يجب ان نكون على مستوى واحد من المسؤولية عن أنفسنا، فلا مجال لوصاية شخص على الآخر، ولكن هذا لا يعني تجريم مناقشة قضايا السلوك والمظهر العام وما هو لائق وماهو مرفوض من الافعال ، خصوصا من الشخصيات المنخرطة في العمل من أجل التغيير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى