أخبارأعمدة ومقالات

الكهربا جات 

خالد فضل 

إعتذاران وتالت (كده بالجمبة) الأول لقارئ من غير السودانيين ربما أشكل عليه الأمر وتساءل باستغراب: الكهرباء كانت وين؟ فهناك على ظهر كوكبنا الأرضي بشر لم يعرفوا ولم يعيشوا تجربة ( كهرباء مافي) طيلة عمرهم المديد  الثاني للزميل الصديق وجاري العزيز في الحي بلّه علي عمر. فالزميل الصحفي كان قد أنشأ كتابا قبل سنوات بعنوان الكهرباء جات في كتابه ذاك سافر إلى مناطق عديدة في السودان متتبعا أعمدة الكهرباء وأسلاكها التي تمددت.  هنا يحضرني قول للبروفسير محمد الأمين التوم معلقا على كرنفالات الفرح وإعلانات التهاني عقب ظهور نتائج امتحانات مرحلة الأساس أو الثانوي يقول البروف “إنّ المهنئين والمحتفلين لا يسألون السؤال الأهم: ماذا تعلّم هولاء؟) وبالتالي لا يسأل أحد عن مستوى الخدمة استمرارها وجودتها  فالناس يحتفلون مع الكيزان بما تحقق من إنجاز لزوم الكسب السياسي ّ! المهم أنّ الزميل بلّه صار مرجعا صحفيا كهربائيا تستضيفه الفضائيات السودانية للتحدث حول شجونها وشؤونها ويستطيع القول بالفم المليان _ على أيام حكومة حمدوك_ الوزير يكذب . وكذب الوزراء والحكام جزء من سلوكهم المهني فيما يبدو خاصة في بلداننا الموبؤة بالديكتاتوريات التي تعتمد الكذب كبرنامج لها  ما علينا فاعتذارنا بالجمبة لرئيسة التحرير الأستاذة رشا ولقارئ /ة ربما يكون ممن يقرأون ما نكتب.

فقد عشنا لخمسة أيام كاملة في حالة فقدان تام للكهرباء بمنزلنا الكائن في أحد الأحياء الناشئة حديثا بشرق النيل  والسبب الذي قيل لنا بعد جهود مضنية وشهور من البلاغات  عطل في العداد وتم استبداله بآخر في آخر ليل الأسبوع الفائت، لتبدأ قصة تحكي عن حالة بلادنا مع تغيير العداد لم تجئ الكهربا والدنيا ليل خميس  قيل لنا لأنّه ( مصفر) أي لا يوجد به كيلواط واحد  ما العمل؟ اشترينا كهرباء عن طريق تطبيق بنكك  لم يستجب عدادنا المحترم  قيل لنا لابد من شراء أول دفعة من نافذة بيع الكهرباء مباشرة  لكن هذه النوافذ لا تعمل يومي الجمعة والسبت  انتظرنا حتى صباح الأحد وهرعنا للنافذة قبل أن تفتح واشترينا مرّة أخرى  لكن الكهرباء لم تنزل ولم تجئ قيل لنا بل السبب هو تعرفة العداد من تجاري بالرقم 3 إلى سكني بالرقم 2  وأين تتم البرمجة ؟ في نوافذ بيع الكهرباء والزمن كان عصرا وهي تعمل حتى مواعيد الدوام الرسمي الذي ينتهي حوالي الثانية ظهرا الحل في الإنتظار لليوم التالي الإثنين  وانجزنا المهمة في 30ثانية للأمانة ولكن الكهرباء لم تجئ والعداد لم يستقبل ما نحاول تزويده به من كيلواطات !!.

الله هل هذا عداد مسكون ؟ والكهرباء في غيابها التام لليوم الخامس على التوالي ومن نافذة لمكتب في النهارات القائظة  والمنزل لا يطاق من السخانة وكل الأجهزة خارج الخدمة الهواتف نشحنها في الكنتين وعند الجيران عندما تجئ الكهرباء ذات القطوعات !! أخيرا وفي آخر ليل الاثنين حضر تيم الكهربائيين وصعد فنيّهم  إلى أعلى العمود ومن هناك بقّ النور بعد غيبة  سألته وهو في علياء سلالمه تلك : طيّب إذا احتجت لشحن الكهرباء هل ساصعد كل مرّة إلى حيث مصعدك يا شاب ؟ ابتسم في وجهي بأدب قائلا : لا يا عمنا مشكلتك في سلك الشاشة !! استبدل  السلك تنزل كهربتك عادي . لكن تغيير السلك لم يحل المشكلة  إذ المشكلة في الشاشة كما اتضح في اليوم التاسع, قاتل الله الشاشة الغشاشة قلت في سري وما أكثر ما غشتنا الشاشة وهي تنقل لنا وجها متجهما يذيع فينا بيانه الأول وفيه من الوعود ما تجعلنا نصفق حتى نستبين الأمر في ضحى الغد , فإذا ببلادنا قعدد عن ركب التقدم وإذ أحوالنا كلها من سيئ إلى الأسوأ في انحدار  وما بيان 25أكتوبر الماضي ببعيد عن الأذهان فقد نقلته الشاشات  و قال قائله _ والذي اتضح لاحقا أنّه لا يملأ قاشه_  والحكمة مما تفوه بها حميدتي في خطبة له متمنيا بعث النميري من القبر لتسليمه الحكم ورفع التحية لسعادته قال إنّه إنّما انقلب ليصحح مسار الثورة وليحفظ للشباب دمائهم فإذا بدماء الشباب والشباب والأطفال والصبايا تهدر في الشوارع  وتنزع أرواحهم نهارا جهارا وتغتصب النساء في شوارع الخرطوم ( كل ذلك بفعل قوة ثالثة ) ولأنّ الجميع غير متعاون فإنّ لجان التحقيق لن ولم تكشف حقيقة !!

نعود إلى شاشة بيتنا  الأمانة تقتضي أن نعطي المهندسين والفنيين في كهرباء شرق النيل وحي النصر خاصة حقهم على صبرهم ومثابرتهم لحل مشكلتنا  العطب ليس فيهم بل في سيستم البلاد قاطبة في قطاعاتها الخدمية الحيوية  لقد أولت حكومة الثورة قبل الإنقلاب قطاعي الطاقة والنقل عنايتها الفائقة لأهميتهما في أي مشروع نهضة للبلاد وقد تمّ تخصيص معظم القروض والمنح الدولية للإسثمارات في هذين القطاعين  بيد أنّ إنقلاب البرهان /حميدتي قد قطع الطريق على مشروع النهضة  وعادت بلادنا القهقري إلى عهود قتل المتظاهرين السلميين والمحتجين في شوارع الخرطوم وفي أبي نعامة وغيرها من مناطق السودان وهاهو شبح العقوبات يلوح  وإلغاء كل ما حققته السلطة المدنية الإنتقالية من تقدم في مضمار العودة للمجتمع الدولي  الآن تتقهقر بلادنا إلى عهود التيه والظلام بعد أن أوقد شباب الثورة شعلة الأمل وشاباتها أشعلن الأحلام المشروعة بالعبور نحو أفق التنمية والرفاه  الآن يتكدس مئات الشباب يوميا أمام القنصلية المصرية طلبا للتأشيرات هربا عبر البحر كما هو واضح فليس في مصر بترول وتعدين وليس فيها مصادر للرزق تفيض عن حاجة أهلها الملايين ,هي فقط بوابة للهروب هذه هي حالة الإظلام التي خلفها الإنقلاب  وما ظلامنا في البيت لخمسة الأيام إلا ذرة واحدة من ليل القهر الذي يتمدد من جديد تحت ظلال الإنقلاب وعودة الفلول . ولكن مع ذلك الشعب أقوى أقوى والردة مستحيلة والجذوة باقية ما بقي هولاء الشفاتة والكنداكات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى