أخبارأعمدةأعمدة ومقالات

وهم التسوية

بقلم: كمال الجزولي

بتاريخ 5 مايو 2022، أورد الصَّديق سيف الدِّين أبَّارو، على قائمة عابدين Abdinlist، المقال التَّالي الذي ردَِّ به المرحوم النَّاظر إبراهيم منعم منصور، في 3 أبريل 2020م، على مقالين لدكتور الشَّفيع خضر دعا فيهما للمصالحة مع الإسلاميِّين، وفي ما يلي مقال النَّاظر بتصرُّف:
الحروب مصيرها إلى سلام. وفي السُّودان إنتهت، بالمصالحة ،كثير من الخلافات مع حركات مسلحة كان سببها الشُّعور «بانعدام العدالة» في مجالي الثَّروة والسُّلطة. وفي عهد الإنقاذ اتَّخذ «الظلم» أشكالاً متعدِّدة تصبُّ في جحد حقوقنا «كمواطنين»؛ ومن هذه الأشكال:
1- « التَّمكين »: كدرجة من الظلم أقسى من «الموت» عبَّر عنها صدَّام حسين، بقوله «قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق»! كان ظلم الإنقاذ بالآلاف، فعمَّ البلاء كلَّ السُّودان.
2- الاعتقال : ليس لأسابيع أو شهور، وإنَّما لسنوات طوال!
3- التَّعذيب : لإذلال البشر، وقد تدرَّب ممارسوه في معاهد لإهانة الإنسان الذي كرمه الله: بالضَّرب، والصَّعق، والتَّجويع، وعدم العلاج المفضي إلى الموت البطيء .. ولكن إرادة الله غالبة!
4- إنتهاك حرمات البيوت والأسر : كأنهم ليست لديهم أمهات وأخوات وزوجات!
5- اغتصاب النِّساء، بل و .. والرِّجال : ولا أفيض فيه تقزُّزاً!
6- التَّدمير بالحرق والقتل والنَّهب : في دارفور، وتهجير النَّاس، وحراستهم في زرائب كالسَّوام لسنين عددا، لا يخرجون حتَّى وهم بحراسة دوليَّة تحميهم من حكومة بلادهم وجنودها النِّظاميِّين، وغير النظاميِّين، وبالمثل فيما أطلق عليه «المنطقتين: جنوب كردفان والنِّيل الأزرق»، لا لسبب باعتراف رأس الدَّولة نفسه، وباعترافه، أيضاً، بارتكاب «الجَّريمة الأخرى» التي فاخر بها تفاخراً دنيئاً، ولا نتعرَّض لها إكراماً للحرائر!
7- تدمير الشَّباب باستيراد حاويات المخدِّرات : وما كان لذلك أن يحدث دون حماية السُّلطة، بل دون قيام السُّلطة به؛ فهي، للآن، لم تصل إلى من جلب هذه الحاويات للشَّباب!
8- تدمير الحركة النقابيَّة والاتحادات الفئويَّة : بتاريخها الناصع في تحقيق الاستقلال، وتفتيت الأحزاب بالمناصب والرَّشاوي، وتقسيم الأقاليم إلى كيانات صغيرة!
9- تدمير الوطن : بإعادة القبليَّة، والإثنيَّة، والجِّهويَّة البغيضة.
أخي الشَّفيع، ما أوردت بعض من كثير، فلم أذكر لك، وأنت الطبيب، الأدوية، والمحاليل المضروبة، ولا البنزين ذا الرَّائحة التي فضحت مستورديه! ولم أتعرض للجُّرم الأكبر في تاريخ السُّودان، إن لم يكن في تاريخ الإنسانيَّة: «فضِّ الاعتصام» قتلاً، وحرقاً، واغتصاباً، وإغراقاً في النِّيل، وإخفاءً قسريَّاً للآدميين: جرائم لم يتمَّ حصرها، ولا حصر مرتكبيها، بل و«جنازات» لم تدفن، أو «يُرفع فراشها»، بعد!
الحديث عن المصالحة في هذه الظروف يُنسى مشاعر مَنْ دمُه ما يزال ينزفُ، ولا يجد العلاج، ومَنْ لا يُعرف له مكان، حيَّاً أم ميِّتاً، بينما لا يزال المتآمرون يهدِّدون، ويسخرون، ولا يشبه ما يقومون به غير الوفود تأتي في «سبوع» الوفاة، فيظنُّهم أهل الوجعة جاءوا للتَّعزية، لكن سرعان ما يتَّكشَّف أنهم حضروا ليخطبوا الأرملة! وهل تعلم، أخي الشَّفيع، أسباب تحطيم ما بناه «الكتابيُّون والمسلمون» لتوفير العيش الكريم لأهل السُّودان؟! طبعاً أصبح الحديث مملاً، لكنه حيٌ في القلوب «مشروع الجزيرة – السِّكَّة حديد – النَّقل النَّهري – النَّقل الجَّوِّي – الخدمة المدنيَّة – المدارس القوميَّة – بخت الرِّضا – الحكم الاتِّحادي – النقابات والاتِّحادات – القوَّات النِّظاميَّة – القضاء»، و .. ما تعرفه أكثر منِّي!
إذا ضُمِّدت الجِّراح، و«رُفع الفراش»، وسُوِّيت الظلامات، وهدأت النُّفوس، ونزع الله «الثأر» من القلوب، فإن الروابط الأسريَّة، والجِّهويَّة، والنَّوازع الدِّينيَّة «بألا يهجر المسلم أخاه ، أو لا يدخل الجَّنَّة قاطع رحم» ستساعدنا على قبول بعضنا البعض؛ وعندئذٍ، وفي التَّوقيت الإنساني المناسب، سنستقبل الوفود!
أمَّا من دمَّروا السُّودان بالفساد والإفساد، فكريَّاً وأيدولوجيَّاً، بإصرار وعمد، وأسلوب مُتَدرَّب عليه، فسيصعب، إن لم يكن يستحيل، ان يتقبَّلهم الذين يعملون، الآن، على إعادة البناء. فالجرثومة التَّدميريَّة في دواخلهم لا تموت، بل تنمو دواماً، وتعمل بنفس الرُّوح، كلَّ يوم، وكلَّ ساعة، على خلق الأزمات، بمعاول الهدم، في تحدٍّ يتَّخذ من مناخ «الحريَّة» و«العدالة البطيئة» تربة للتَّخريب!
لا أفهم كيف يمكن أن يعود ذوو الفكر التَّدميري للمشاركة في إعادة بناء ما هدموا! إذ أن الفكر الذي أحدث هذا الخراب يعشعش في عقولهم وقلوبهم، فيعتبرون ما قاموا به جزءاً من العقيدة، وجهاداً يُثابون عليه، وهذا ما يدعوني للتَّشكُّك في موضوع الارتباط، بل والخضوع لأجندة خارجية، إقليميَّة أو عالميَّة.
لقد كتب العقَّاد، في ثلاثينات القرن الماضي، مقالاً عن ارتباط حسن البنَّا بالماسونيَّة العالميَّة، وعمَّن أرسلوه وأسرته من المغرب العربي إلى مصر، وعن القنصليَّة البريطانيَّة التي دفعت له، في مدينة الإسماعيليَّة، 500 جنيهاً، تساوي اليوم مليارات، مساهمة في تأسيس جماعة «الإخوان المسلمين»! ولم ينف أحد تلك المعلومة أو يعلِّق عليها. كما لم ينف أحد أو يعلق على الاتِّهام الذي وجِّه، في سنوات الإنقاذ الأخيرة، لارتباط أحد أعمدتها بالماسونيَّة العالميَّة، وتعميده في إثيوبيا على يد أحد كبار رجال الطَّائفة، وقد كان أستاذاً له في إحدى المراحل التَّعليميَّة.
وإذن، فليس من الحكمة أو المصلحة أن يشمل التَّسامح «الوطني/القومي» مَن لهم ارتباطات «بتنظيمات عالميَّة» ماسونيَّة، أو دينيَّة أو غيرها. فالذين ليست لديهم ولاءات (وطنيَّة/قوميَّة) لا يُعتمد عليهم في بناء الوطن، وسيظلون خارجه مهما كانت الظروف، إذ أنه عندما يجدُّ الجِّد سينحازون «للتنظيم الدَّولي» الفلاني أو العلَّاني.
عليه، ما لم يتم الوصول إلى نتائج ترتضيها النُّفوس والقلوب حول المصائب التي خلفها الإنقاذيُّون، لن يجد «التَّسامح» طريقه إلى العلاقات الوطنيَّة. لقد اختاروا، أصلاً، طريق الدَّمار، منذ البداية، فليسيروا فيه!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى