أخبارتقارير وتحقيقات

كيف كسروا قلب أم الشهيد خاطر وأهالي العباسية صباح فض الاعتصام

“لم يكن مقتل الشهيد خاطر مجرد صدفة، ولم يمت برصاص طائش أو في ضرب نار عشوائي، بل تم ترصده من قبل القوات النظامية والأمنية التي أتت إلى حي العباسية صبيحة مجزرة فض اعتصام القيادة العامة لتقوم بتصفية مجموعة محددة من الشباب، كانت تحمل أسمائهم في قائمة مسجلة”، هذا ما توصلت إليه أسرة الشهيد بعدما اجتمعت لديهم معلومات من شهود عيان مختلفين داخل حي العباسية بأمدرمان حيث يقطنون.

التغيير: أمل محمد الحسن

“بعد أن أطلق أحد النظاميين النار على الشهيد خاطر واطمأن لسقوطه، قام بالتصفيق هو وزميله الذي يقف بجواره، وضحكوا وتصافحوا مهنئين بعضهم على انجاز المهمة”، تقول شقيقته رباب لـ”التغيير”، مؤكدة أنه مشهد رآه أحد الجيران.

بعد نقل الشهيد لمستشفى الأربعين القريب جاء أحد الأشخاص يسأل عن اسم الشهيد، ولم يكتف بذلك بل طالب بعض الشباب رؤية صورته. عندما رآها همهم بعبارت فهموا منها قوله إنه المقصود لكن المهمة لم تكتمل بعد.

رجح شباب المقاومة الذين لم ينتبهوا لحظتها للعبارات التي ألقاها الشخص؛ بانتمائه لجهاز الأمن نسبة للملابس المدنية التي كان يرتديها.

وأكدت فاطمة والدة الشهيد بأن القوات التي حاصرت الحي لم تغادر إلا بعد أن أحرقت قلوب عدد من الأمهات، وأكملت مهمتها.

“قالوا إنهم لابد أن يحرقوا قلوب سكان حي العباسية، ومقتل خاطر كان حريقا لقلوب الجميع”.

وكان مقتل خاطر محبوب الجميع، أكبر حزن غرسه العسكر في قلوب أهل العباسية صبيحة العيد. وخرج الناعي يصرخ بصوت عالي: “يا ناس العباسية خاطر اتقتل”. وخرج الجميع يصرخ فالمصاب أكبر من الاحتمال.

 

حرمان العزاء

 

لم تكتف القوات التي جاءت وقتلت عددا من شباب العباسية؛ من بينهم خاطر بذلك؛ بل منعوا أسرته من أخذ واجب العزاء فيه.

“لم نستطع ان ننصب سرادق العزاء إلا بعد 15 يوما من الحادثة”، هذا ما أكدته رباب أخت الشهيد، مشيرة إلى أن العساكر كانوا يهجمون على أي محاولة للأسرة لأخذ واجب العزاء في ابنها. حتى الجامع لم يسلم من ضرب الغاز المسيل للدموع عندما تجمع فيه الرجال لتعزية والد الشهيد.

نضال قديم

منذ انطلاق ثورة ديسمبر وخاطر من أوائل الشباب المشاركين في جميع المواكب، عندما شاهد قلق والدته عليه أخبرها أنه يفعل ذلك من أجل أن يجد اخوانه مستقبلا أفضل.

كان يشارك في مواكب جامعة النيلين التي كان يدرس فيها الاقتصاد والعلوم السياسية في السنة الثالثة.

قالت والدته بحسرة: “تخرجت دفعته التي كان يجب أن يكون بينها”.

ويشارك في مواكب الحي، حتى كان يوم ٦ ابريل ذهب رفقة أهل الحي ووالدته والجيران للقيادة؛ لكنه لم يعد معهم للمنزل.

“كنت اتصل عليه وأطلب منه العودة، كان يقول لي يا أمي لابد أن نثبت في ميدان الاعتصام حتى يسقط النظام”.

كان يأتي في الأيام الأولى للاعتصام للمنزل صباحا من أجل تجهيز الوجبات للمعتصمين.

“كان خاطر يجوب المنازل ويجمع منهم الأموال ثم يحضر الخبز والطعمية لأخواته ليصنعوا السندوتشات، ثم ياخذها ويعود بها”.

وعندما جاء رمضان، قالت والدته إنها كانت تحمل الإفطار مع الجارات ويذهبن به للقيادة ويفطروا في خيمة العباسية المنصوبة بالقرب من جامعة السودان ثم يعودوا في الليل.

اعتصام القيادة العامة ابريل 2019

ثورة حياة

 

“وأنا خارجة من ميدان الاعتصام التفت ورائي، شيء ما يريد البقاء هنا” هذا ما قالته والدة الشهيد خاطر وهي تصف سعادتها الغامرة بميدان الاعتصام، ” منظر الشباب وهو متكاتف ويخدم في الناس يشعرك بالبهجة، الكل يسعى لخدمتك” وتضيف وسط ابتسامة جعلت وجهها يشرق: ” كان هناك فيديو لخاطر وهو يغسل في الاواني داخل ميدان الاعتصام”.

فرح خاطر ابنها بالاعتصام تسرب إليها، كان يحكي لها كيف تعرف على عدد كبير من شباب حي العباسية وحي بانت وغيرها من أحياء أمدرمان، وكيف صاروا يدا واحدة ومتكاتفين.

كانت تسعدها تلك الحكايا، أسرت إليه براحتها بهذا التعاون وتلك الروح “كان بقيتو مع بعض مافي حاجة بتجيكم”.

بعد حادثة استشهاده سمعت قصصا أخرى من رفاقه، حكوا لها أنه كان هو الذي يجمعهم عندما يتفرقوا وكان هو الذي يساوي الأمور بينهم عند الاختلاف.

 

والدة الشهيد خاطر حسين لـ”التغيير”: البرهان يقتل أبنائنا من أجل “كرسي”

 

تلك الروح التي حكي عنها خاطر رأتها والدته رأي العين “بعد استشهاد خاطر ظننت أني فقدت ابني الوحيد والأكبر صاحب الـ ٢١ ربيعا، لكنني الآن محاطة بعدد كبير من الابناء”.

واضافت: لم يتركوني مطلقا، كانوا دائما حاضرين لمساعدتي، اشارت إلى شاب حمل بعض الاشياء وخرج من المنزل، قالت إنه أحد ابناء لجان المقاومة يساعدونهم في صيانة منزل مستأجر سيرحلون إليه قريبا.

الثورة أصبحت “حياة” أسرة خاطر “نخرج جميعا في كل موكب” هذا ما اكدته أخته رباب، مشيرة إلى ابنها الصغير الذي أسمته “خاطر” على اخيها، حتى هو يخرج معنا في كل موكب معلن وكذلك الجيران.

ذكرى الفاجعة

قبل فض الاعتصام بيوم حضر خاطر إلى المنزل وطلب من والدته إعداد شيء يأخذه معه لإفطار القيادة، وعدته بحافظة عصير “كل ما تملك، اعتذرت بأنها لا تملك شيئا للإفطار ذلك اليوم”. جاء لحمل العصير. كان وجهه يشع بنور غريب، ولحيته غزيرة، أشاحت بوجهها سريعا امه وقالت في نفسها: “هل ستصيبي ابنك بعين.”

لامه ابوه بغيابه المستمر عن المنزل، اعتذر بأنه هو المسؤول عن صندوق المال ولا يستطيع الغياب، تدخلت والدته في صفه لتقول للأب اتركه يذهب مواعيد الافطار اقتربت.. كانت سعيدة به وبما يفعله وتشعر بفخر عميق.

كان خاطر ابنها الوحيد، والبكر ايضا، هو الذي تستند عليه في أحلامها بمستقبل أفضل. “بعد التخرج سأغترب وابني لك منزلا” كانت تلك هي الأحلام التي يرعيانها سويا، لم يتبق الكثير على تخرج السند من الجامعة التي بينما يدرس فيها يعمل في وظائف باليومية، عامل بناء وغيره، ويأتي ليسلم الأموال لوالدته.

 

اخت الشهيد: لم نتمكن من نصب سرادق العزاء إلا بعد أسبوعين

 

تقول كان حرصه  زائدا على أخواته البنات، يقوم بكل المهام الخارجية بالإنابة عنهن. وفي المناسبات السعيدة والأعياد يسر لوالدته بأن تفكر في احتياجات البنات: “أخواتي اولا يا أمي، أنا هين”.

في اليوم التالي، الذي صادف صباح مجزرة القيادة العامة، جاء يحكي لها عن استعداداتهم للعيد في القيادة “قررنا أن نرتدي جميعا لبسة “على الله”، تحدث اليهم ونام قبل ان يلحق بصلاة العصر في الجامع.

كان ذلك هو اليوم الأخير في التهجد، شيء ما اثقل ساقي فاطمة والدة الشهيد، لكنها أصرت على الذهاب وأخذت بناتها معها وجارتها التي تعتبرها الأم الثانية لخاطر.

بجهد كبير أكملت الصلاة، وبعد عودتهم للمنزل بقليل تحدث اليها خاطر باكيا في الهاتف يخبرها بغدر العسكر وكيف انهم حرقوا الخيم وقتلوا الرفاق.

كان موجودا في الحي، عاد للمنزل وقام باستبدال قميصه قبل الخروج، وكان الحي محاصرا بالقوات واصوات الرصاص في كل مكان، في طريقه للشارع طلب منه احد الجيران العودة خوفا من القتل، رد عليه بعبارة “الموت واحد” قبل أن يتوجه إلى شارع الاسفلت الصغير المتفرع من شارع الاربعين لاتجاه استاد المريخ، حيث تمت اصابته هناك بسلاح ناري.

في تلك الاثناء، ذهب والداه مع جموع توجهت لمستشفى الأربعين بعد سقوط الشهيد حنفي “وانا انظر اليه كأنه خاطر ابني، دموعي رفضت التوقف كان هناك شيئا ثقيلا على صدري، تلك اللحظة التي سقط فيها ابنها على بعد خطوات قليلة من المستشفى.

والدة الشهيد خاطر

أخبرها قلبها برحيله قبل أن ينعيه الناعي

 

في طريق عودتها للمنزل كان أهل الحي يحاولون حمل ابنها للمستشفى وسط إطلاق رصاص، لم تنظر تلك الناحية ركض خلفها أحد ابناء الحي، سقط أمامها بالبكاء، صرخت في وجهه ليتحدث، وعندما سمعت أن ابنها اصيب غابت عن الوعي!

“عندما افقت خدعوني وأخبروني أنه اصيب في قدمه” بعدها جاء والده من المستشفى واخبرها بأنه توفي وطالبها بالصبر الذي لم يجد اليها سبيلا، وراحت في اغماءة ثانية وأطول”.

 

الوصية الأخيرة

 

كان يوما عصيبا على الأسرة، خففته محبة الجيران، خاطر كان ابن الحي كله، بشرهم جارهم بأنه كان قربه وسمعه ينطق الشهادة ٣ مرات. اخبرهم أنه اراد أن يحضر له ماء، لكنه رد “أنا صائم”.

آخرون أخبروهم أنهم رأوا ابتسامة واضحة مرتسمة على وجهه وهم يحملون نعشه.. تدخلت الجارة التي شاركتنا الجلسة مؤكدة الأمر “أنا ايضا رأيتها، كان مغطيا بعلم السودان وعندما رفعه الهواء كان وجهه مضيئا والابتسامة تملأه.

آخر عبارته أنه اذا مات سيكون شهيدا.. ماذا سيكونون هم؟ هكذا رد خاطر على أخته في الهاتف قبل استشهاده بدقائق أخبرته بخوفهم عليه، قال لها اذا استشهدت فقط أطلب منكم الدعاء.

 

القصاص مطلب أم

 

مرت  ٣ أعوام دون أن نعرف من قتل ابننا كان ابنا وحيدا وسط 5 اخوات ودون أن تتحقق العدالة، بغضب شديد قالت فاطمة والدة خاطر إن البرهان لا زال يقتل في الشباب من أجل كرسي! وأكدت أنها على استعداد لعفو دم ولدها إن اقتصرت جرائمهم على مجزرة القيادة الا أنهم اسرفوا في قتل وجرح واعتقال الشباب.

“توباك ده هسه قابضنو يقولو قتل عميد؟!” (في إشارة الى شاب معتقل تهمه السلطة الانقلابية بقتل عميد شرطة) وسط استنكارها لما يحدث من القوات الأمنية قطعت والدة خاطر باستمرارها في الخروج وسط الشباب ومطالبة جميع الأهل والأمهات الخروج مع ابنائهم حتى يتحقق حلمهم في المدنية.

“عندما أخرج وسطهم في المواكب أرى خاطر بينهم”

الشهيد خاطر حسين خاطر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى