أخبارأعمدة ومقالات

لجنة المعلمين السودانيين «زرقاء يمامة الأجسام المهنية»

سامي الباقر عبد الباقي

لجنة المعلمين السودانيين «زرقاء يمامة الأجسام المهنية»

* سامي الباقر عبد الباقي

مدخل «1»

حينما كانت الساحة السياسية تستميت بحثاً عن مدخل يفك شفرة الالتحام الجماهيري حول مطالبتها بإسقاط نظام الإنقاذ، ولم تفلح في ذلك بسبب تشرذم الكيانات المعارضة لحكومة الإخوان المسلمين، وبعدها عن العمل المشترك، بدأ المعلمون رحلتهم التي كان ختامها إسقاط نظام الإخوان المسلمين، حيث كان المدخل مدخلا نقابيا بتكوين (لجنة مناهضة الاستقطاعات من رواتب المعلمين) ، في العام 2010م، والتي تطورت لاحقا لتصبح (لجنة المعلمين السودانيين)، وحينما تبين للجنة ضرورة توسيع مظلة الأجسام المطلبية لتشمل اكبر قدر من الكيانات، كانت مساهمتها هي ابتدار الدعوة لإنشاء (تجمع المهنيين السودانيين)، في العام 2013م، وعندما وقف (حمار شيخ التغيير) في عقبة سؤال (من البديل ومن القائد)، بادرت اللجنة_ مع آخرين_ لإحياء (تجمع المهنيين السودانيين). في يناير من العام 2018م، بعدها بأشهر برز التجمع كقائد لحراك الشارع مكملا لشروط الثورة، ذاك الحراك الذي توج بإسقاط نظام الإخوان المسلمين.

مدخل «2»

حينما عصفت الخلافات بتجمع المهنيين السودانيين كمقدمة لتشرذم قوى الثورة، طرحت اللجنة رؤية لتوحيد التجمع تحت عنوان (التماسك الثوري)، لكن الخلاف كان أعمق من أن تحتويه هذه المبادرة، وعندها نأت اللجنة بنفسها عن الدخول في اي من التجمعين، على اعتبار أن هذا الوضع سيهزم كلمة سر سقوط نظام الاخوان الوحدة والشعار الخالد (نبقي حزمة كفانا المهازل)  وهذا ما حدث بالفعل.

مدخل «3»

بعد انقلاب 25 اكتوبر المشؤوم كانت اللجنة هي اول كيان مهني تصدى للانقلاب ولتمكين عناصر النظام المباد، حيث نفذت اللجنة وقفة احتجاجية مهيبة داخل وزارة التربية والتعليم_ ولاية الخرطوم_ تصدت لها الأجهزة الأمنية بكل عنف، حيث ضربت وسحلت المعلمين والمعلمات واعتقلت منهم ما يقارب (100) معلم/ة، كانت رؤية اللجنة تقوم على ان الانقلاب  يجب أن تقاومه كل جهة من الجانب الذي يليها، وضرورة تنظيم اكبر قدر من الرافضين داخل كل مهنة، كخطوة أولى وضرورية، تعقبها الخطوة القادمة بتوحيد كل الجهود، وفي هذا الإطار قدمت اللجنة مقترح العمل التنسيقي بديلا عن العمل التنظيمي الذي يتعذر الوصول إليه حاليا، وكان الشعار (فلننسق لإنجاز ما اتفقنا عليه، وليعمل كل منا وفقا لرؤيته في ما اختلفنا حوله، بعيدا عن لغة التربص والتخوين).

نص

قامت اللجنة برفع مطالبها النقابية على اعتبار أن المطالب النقابية هي المدخل الصحيح لتعرية النظام القائم، وإظهار عجزه أمام نفسه عن تلبية مطالب العاملين، وبالتالي سيصل إلى قناعة تامة بضرورة التغيير كمدخل لحل المشكلات، كما إن المطالب النقابية تجمع حولها كل المستفيدين غض النظر عن إيمانهم بالديمقراطية كنظام للحكم من عدمه، علاوة على إمكانية وصول العاملين لقناعة وعبر الممارسة إلى ذات القناعة التي يتمتع بها المؤمنون بضرورة الوصول للحكم الديمقراطي.

رفعت لجنة المعلمين السودانيين_ مستندة على وعد من حكومة الفترة الانتقالية قبل الانقلاب_ مذكرة لحكومة الأمر الواقع، وعملت على تبصير المعلمين بالتشوه الجديد الذي احدثته وزارة المالية بعد إجازتها للهيكل الراتبي 2022م، وفقا لهيكلين 2022م في المرتب الأساسي و2020م في العلاوات المرتبطة به، وأطلقت عليه (الهيكل المزدوج المشوه)، ولما لم تستجب السلطة لمذكرة لجنة المعلمين السودانيين اعلنت اللجنة (إضراب الكرامة) يوم 10 مارس 2022م، والذي استمر لشهرين،، وعم كل ولايات السودان، وتباين من حيث الإغلاق الكامل والتدرج وصولا للإضراب الشامل.

حاول النظام كسر عزيمة المعلمين وتقويض الإضراب ولكنه لم يستطع، وفي نهاية الأمر طلب لقاء اللجنة، واستجاب. لواحد من أهم المطالب وهو صرف المرتب وفقا لهيكل 2022م كاملا، مستثنيا المعلمين من إزدواجية الهيكل وتشوهه، كما وعد بتنفيذ المطلب الثاني وهو صرف فروقات الأشهر السابقة، أما المطلب الثالث وهو رفع الحد الأدنى للأجور إلى (24) الف جنيه فقد وعد بدراسته على اعتبار أنه شان يخص كل العاملين بالدولة.

جراء هذه الخطوة هاجم بعض الأفراد الذين يفترضون في انفسهم (النقاء الثوري) كما هاجمت بعض الكيانات لجنة المعلمين السودانيين بسبب مقابلتها لرئيس السلطة القائمة، انطلق الهجوم من فرضيتين:

أ. ضرورة تقديم الفعل السياسي وإسقاط الانقلاب على المطالب النقابية والمهنية.

ب. استنكار مقابلة رئيس السلطة (على اعتباره انقلابي).

وهذا_ من وجهة نظرنا_ قصر نظر نعتبره أحد اسباب تمدد وبقاء الانقلاب، كما أنه يعد عدم استصحاب لواقع معاش وهو أن جل العاملين أو قل عدد مقدر منهم، لا يهمه من النظام الحاكم إلا الجانب الذي يخاطب مطالبه المهنية والنقابية، والتغافل عن هذا الواقع يعد تغافلا مضرا بالثورة لا يقل خطرا عن الانقلاب نفسه، (فمحاولة حجب ضوء الشمس بوضع الأصبع على العين لا يعني بالضرورة عدم وجود هذا الضوء).

أما َمقابلة المخدم فهو خطوة لا بد منها عند رفع أي مطالب، والقول بأن اللجنة كان ينبغي عليها مقابلة الوزير المدني فهذا يعتبر من باب التسلية المتوهمة، او محاولة لخداع النفس ليس إلا، وإلا فمن الذي عين هذا الوزير؟ فجلوس النقابي مع المدير او الوزير أو الرئيس يعتبر جلوسا مع المخدم، أما رفض الجلوس مع رأس السلطة وقبول الجلوس مع من عينه، فهذا اختلاف في الدرجة فقط (فهذا انقلابي صغير، وذاك انقلابي كبير)..

أثبتت التجربة صحة وجهة نظر اللجنة، بتقديم المطالب النقابية للوصول إلى أكبر كتلة، فها هي المطالب النقابية تنتظم العديد من المؤسسات، وفي طريقها لتشمل كل المؤسسات بذات المطالب التي رفعها المعلمون، مستخدمة المصطلح الذي أطلقه المعلمون (الهيكل المزدوج المشوه)، وهذا يعضد فكرتنا التي تبنيناها بالعمل على مبدأ التنسيق واحترام عمل اي مننا منفردا وفقا لما يراه  في ما اختلفنا حوله.

خلاصة القول

المطالب المهنية هي التي توحد العاملين في كل قطاع بمختلف توجهاتهم فبمجرد رفعها وعبرها يتخلق التناقض بين مصالح العاملين والسلطة الحاكمة، فإما الاستجابة لها وبالتالي الخصم من المركز المالي للسلطة التي تعبر عن شريحة بسيطة من الشعب السوداني، لصالح كتلة كبيرة وهي جموع العاملين، او رفضها وبالتالي وصول العاملين إلى قناعة مفادها لابد من إزالة هذه السلطة التي لاتعبر عن مصالحهم، وتراكم هذه المطالب ينتج التغيير الذي يصب في مصلحة الجماهير قاطبة.

ختاماً

تحتاج هذه الجهود والخطوات التي ظهرت هنا وهناك، إلى توحيدها عبر مركز موحد لإنجاز التغيير المنشود.

* عضو لجنة المعلمين السودانيين

الخرطوم 27 مايو 2022م

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى