أخبارتقارير وتحقيقات

«حفيد الأمراء».. قصة شهيد بكته أم درمان ورفاعة

محمود عبد الله الأمير «حفيد الأمراء».. لم يستشهد في أرض اعتصام القيادة العامة بالخرطوم، لسببٍ لم يذهب يومها، لكن رصاص القتلة ترصّده في ذات اليوم بقلب حي العباسية في أم درمان.

التغيير- أمل محمد الحسن

«جلس ابني الأكبر تحت قدمي ليخبرني بموت محمود».. فهرب الصبر من قلب الأم المفجوعة!

«تخيلوا حزن الشهيد لو رأى تلك الشوارع لم يعد فيها هتاف»، هذه العبارة كتبت بالخط العريض على جدارية «الشهيد محمود الأمير» التي تحتل حائط جيرانهم في حي العباسية، وهي كانت آخر عبارات كتبها على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

محبة الناس

«لا أعلم من الذي رسم الجدارية»، كان هذا رد والدته «عرفة»، التي لم تتعرّف أيضاً على عشرات المعزين الذين جاءوا من كل فجٍ عميق ليعزوا في ابنها الشهيد.

كل العباسية خرجت لتعزي في «محمود»، جميع أهله من جهة والده في أحياء الأمراء وغيرها، وأهله من جهة أمه قدموا في ذات اليوم من مدينة رفاعة كاسرين كل الحظر حتى شهدوا دفن الجثمان.

«كلهم قالوا إنهم يعرفونه، كان محبوباً من الجميع، وكان خبر قتله فاجعةً للكثيرين».

عُرِف محمود الأمير، الابن الخامس لوالدته بين «6» إخوة، بأنه ابن الحي كله، كان كل خريف يساعد الجميع في أزقة العباسية، كما أن عمله في فرن الحي خلق له علاقات واسعة مع الجميع.

«بكته جارتنا القبطية كأنه ابنها»، قالت إنها كلما احتاجت «محمود» وجدته حاضراً في خدمتها، كان دائماً يقدم لها يد المساعدة- هكذا عرفه كل من في الحي وخارجه، مقداماً ومعيناً للجميع، كل من يجده يحمل شيئاً ثقيلاً يحمل عنه.

«حتى في المنزل كان أبناء اخوته يحبونه جداً، يلاعبهم ويحملهم، الآن يزيحون الستار كل فينة وأخرى ليروا صورته الموجودة هناك في إطار زجاجي، حتى لا ينسوا ملامح الخال، الأقرب من الوالد».

الابن المميز

تؤكد السيدة عرفة، والدة محمود، أنها لم تفرق في تربيتها بين ابن أو بنت، ومنذ وفاة والدهم في العام 2007م كانت تقف على تربيتهم وتعمل في بيع الطعمية والآيسكريم من أجل توفير مصاريف المعيشة مع مساعدة أخيها الكبيرة لها في دراسة أبنائها ومعاشهم.

لكنها كانت تنظر إلى طباع ابنها وتعرف تفرّده في الكثير من الأشياء إلى جانب حبه لمساعدة الآخرين، كان لا يستحي من العمل في أي مهنة ليعينها على توفير المصاريف.

ومع دراسته للهندسة الطبية «كان في آخر فصل دراسي عندما استشهد»، إلا أنه عمل في مخبز، وفي مصنع حلوى وعامل بناء، في الخرطوم وفي رفاعة مسقط رأس والدته. كان كلما استلم أموالاً جاء ووضعها بين يدي».

كان يُشفق على والدته ويحاول ألا يتركها تعمل، كانا ينتظران سوياً تخرجه في الجامعة ويحلمان بأن يذهب للعمل في الخارج من أجل توفير كل مستلزمات الأسرة التي غاب ربانها قبل سنوات طوال.

الشهيد محمود

معتقل.. ثم شهيد

لم يقتل محمود الأمير في صدفة وجوده في المكان الخاطئ، كان مترصداً كما تقول والدته، وكان له تاريخ نضالي بدأ ينضج في مطلع ثورة ديسمبر وتم اعتقاله في عهد الرئيس المعزول البشير.

تقول والدته إن الشرطة طاردتهم في أحد المواكب، ودخلوا إلى منزل في أم درمان، واضطر للوقوف في بابه من الداخل حتى يسمح للفتيات بالهروب من بطش العسكر، وبعد اطمئنانه على ابتعادهن قام بفتح الباب والوقوع في يدهم سجيناً.

تم اعتقاله لمدة أسبوعين والحكم عليه بغرامة أيضاً، خرج من السجن هزيلاً «كأنه أمضي فيه عام كامل»، تقول والدته، لكن الاعتقال لم يمنعه من الخروج في المواكب حتى سقوط نظام البشير.

كانت سعادته وفق والدته لا توصف باعتصام القيادة العامة، كان يعمل في مطبخ الاعتصام، ويحضر لهم الخبز وعند سقوط النظام حضر موكب كامل لمنزله يهتف «سقطت.. سقطت».

تاريخ الفاجعة

استشهد محمود الأمير ابن حي العباسية في صباح فض اعتصام القيادة العامة «رمضان- يونيو 2019م»، لم يكن قد ذهب للاعتصام بسبب الأمطار، كان لديه واجب تجاه المنزل والحي الذي يحتاج للعمل مع كل خريف.

استيقظ غاضباً من خبر مجزرة القيادة العامة، هاتفته إحدى قريباته تخبره بما حدث! خرج مسرعاً وعندما استوقفته والدته قال لها «إخواني استشهدوا في القيادة وأنا سأذهب لاستشهد مثلهم».

فور خروجه من المنزل سمع خبر وفاة جدة جيرانه، ذهب معهم لدفن الجنازة، وكان الحي محاصراً بقوات نظامية كثيفة تُطلق الرصاص والغاز المسيل للدموع، مما اضطرهم إلى السير عبر الأزقة للوصول إلى المقابر والعودة منها.

اعتصام القيادة العامة في السودان 2019

استهداف قاتل

أسرع محمود مع أبناء الحي لوضع المتاريس في مداخل طرقاتهم لمنع القوات النظامية من التوغل داخل الحي، وأثناء تحركهم لمح زملاؤه بعض الأفراد يستعدون للإطلاق، فجلسوا أرضاً، إلا أنه لم ينتبه لصراخهم الذي يطالبه بالجلوس أرضاً، فاصابته رصاصة في الصدر.

«لمح بعض الشباب أحد أفراد الأمن بملابس مدنية يشير لنظامي يحمل بندقية بالتصويب عليه»، هذا ما حكاه للوالدة المرافقون، وقالوا بعد أن أصابته الرصاصة الأولى وتجاوزت الصدر، عاجله بطلقة أخرى في منطقة الكلى، أسقطته!

حاول الشباب أن يسعفوه لكن لم يكن هناك طريقا للذهاب إلى المستشفى فأدخلوه في بداية الأمر إلى أحد المنازل، وبعد جهد وصلوا للمستشفى وأدخلوه لعملية لم يخرج منها!

خبر الشؤم

«جلس ابني الأكبر تحت قدمي وقال لي: إنتي مؤمنة يا أمي محمود مات، إنا لله وإنا إليه راجعون».. حاولت أن تستغفر وتراجع نفسها وهي المرأة المشهود لها بالإيمان المنقبة التي تستعين بها الجارات في تكفين الموتى، لكن خبر موت محمود كان أكبر من الاحتمال، أكبر من كل شيء «فجعوني في محمود»!.

تحاشى الجميع اخبارها بخبر إصابة محمود ابتداءً، ركضت بنتها الكبرى للمستشفى من خلف ظهرها، تفاجأت الأم بدخول جارتها صاحبة منزل العزاء التي ماتت والدتها صباح اليوم!

«قلت في نفسي، الله، فاطمة أمها ماتت قبل شوية جاياني بنفسها؟!»، بادرتهم قبل أن يتحدثوا: «محمود مالو؟»، أخبروها بأنه أصيب إصابة بسيطة في المستشفى لكن قلبها كان يعلم.

محمود لم يصب إصابة بسيطة، هذه إصابة قاضية، وهرعت لمستشفى الأربعين حيث تم اسعافه وسط الرصاص وحصار الشرطة!

وجدته قبل أن يدخل للعملية وحوله اخوانه وأصدقاءه، كان يبدو أنه بخير، كان فقط يطيل النظر إليها لم يتفوه بكلمة! حتى دخل إلى العملية، كانت الطلقة الثانية هي القاضية دخلت إلى الجسد فهتكت الكبد والبنكرياس والكلى وأصابت شرياناً رئيساً، نزف دماءً كثيرة ولقي ربه!

الشهيد محمود الامير

حفيد الأمراء

بعد سنوات من رحيل محمود مازال موجودا أمام أعين والدته.. «أراه في كل ركن في هذا المنزل، الآن وأنا أتحدث محمود موجود أمامي»- تشير بيدها للمساحة التي أمامها، هنا تم وضع الجثمان في انتظار أن يحلل الصائمون صيامهم، «جلسنا حوله، دعيت له كثيراً وقبلته كثيراً، الآن أرى هذا المشهد رأي العين أمامي».

فقدته والدته عندما توقظه لصلاة الصبح، عندما يدخل من الجامعة، عندما يقف في مواجهة عيوب منازل الحي القديم في الخريف، تقول: فقدته في كل شيء، مرحه ولطفه وحبه للقراءة وكرة القدم».

قالت «عرفة» إنها لا تستغرب استشهاد ابنها، فهو حفيد أمراء المهدية من جهتي أم وأب والده الراحل. «هو اسمه على اسم الأمير محمود من أمراء الراية الزرقاء»، محمود عبد الله محمد الأمير محمود، من جهة جدة أبيه هو حفيد التعايشي.

انقلاب الحال

بعد سقوط البشير وتكوين الحكومة الانتقالية كان كل موكب يمر بمنزل الشهيد محمود وفاءً له، خاصةً أهله بحي الأمراء، لكن والدته تشعر باحباط كبير بعد انقلاب العسكر على الشرعية الدستورية في البلاد.

«كأن شيئاً لم يحدث ودم الأبناء ضاع هدراً»!.. أعربت والدته عن غضبها لتأخر القصاص والعدالة التي تتمنى أن تراها في حياتها، حتى وفاتها لن تنسى محمود- هذا وعد قطعته بينها وبين نفسها.

لكن المرأة المؤمنة تقول: إن لم أر القصاص هنا في الدنيا أنا على يقين بأني سأراه في الآخرة عند الملك العدل».

قامت بتلاوة دعاء طويل على روح ابنها، تشعر بأنه الآن في نعيم «رأيت وجهه قبل وفاته بيومين كان لونه ناصع البياض، حدثت نفسي بنور وجه ابني، كانت تلك علامات انتقاله».

شملت «عرفة» في دعائها جميع الشهداء، لم تنسَ الأمهات من الدعاء بالصبر والربط على القلوب.

بعد وفاة ولدها كانت تزور كل أم تفقد ابنها في التظاهرات وتخرج في جميع المواكب هي وصديقاتها وجاراتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى