أخبارتقارير وتحقيقات

في ذكرى «فض الاعتصام».. اتهامات التواطؤ ومطالبات القصاص

في يوم ذكرى مجزرة فض اعتصام القيادة العامة للجيش بالعاصمة السودانية الخرطوم، يبدو ذوو الضحايا وكل المناصرين لحقوق الإنسان، أكثر تمسكاً بتحقيق العدالة ومحاسبة الجناة، وأكثر استعداداً لمناهضة الانقلابيين والقتلة.

التغيير – الخرطوم: علاء الدين موسى

رغم مرور أكثر من ثلاثة أعوام على الإطاحة بنظام المخلوع عمر البشير، في أبريل 2019م، لازال الشارع السوداني يواصل الغليان، سيما بعد انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في 25 اكتوبر 2021م.

وبالتزامن مع الذكرى الثالثة لفض اعتصام القيادة العامة للجيش «29 رمضان- 3 يونيو 2019م»، والتي راح ضحيتها العشرات وفقد خلالها مئات الشباب، خرجت لجان المقاومة وعدد من التنظيمات في مواكب  ثورية قابلتها سلطات الانقلاب بإغلاق الجسور والطرق، والكثير من القمع، ما أدى لارتقاء شهيد.

ويوصف يوم ذكرى فض الاعتصام بـ«الخذلان» من قبل الجهات الأمنية حتى وإن لم تكن هي المتهمة بالأدلة، فيما لم تخرج لجان التحقيق حتى الآن بتقرير واضح حول هوية قتلة المعتصمين في ذلك اليوم.

بطء العدالة

ويصاحب ملف العدالة والتحقيق في جريمة «فض الاعتصام» تباطؤ وبطء واضح، فيما توجه الاتهامات لجهات عدلية بالتماهي مع عناصر النظام البائد وعدم الجدية في ملاحقتهم ومحاسبتهم، رغم الجرائم الضخمة والواضحة، مما أدى لهروب عدد كبير من المتهمين إلى الخارج.

وتتمسّك أسر الشهداء بالقصاص من المتسببين في مجزرة القيادة ولشهداء الثورة السودانية منذ اندلاعها حتى آخر شهيد بعد الانقلاب، والمطالبة بإسقاط كل من وصفتهم بالقتلة.

فرح عباس

محاسبة القتلة

وقال رئيس منظمة أسر شهداء ثورة ديسمبر فرح عباس فرح، إن الثورة ما زالت متقدة رغم الانقلاب الذي نفذه البرهان في 25 أكتوبر الماضي.

وشدّد على تمسّكهم بتحقيق العدالة وتقديم الجناة للعدالة، وأكد أنه سيتم محاسبة القتلة والقصاص منهم لا محالة مهما طال الزمن، وأشار إلى استمرار المليونيات، وأن الثوار سيتفقون عاجلاً أو آجلاً مما يعجل بانتصار الثورة.

وطالب فرح مجلس السيادة الانقلابي بتسليم السلطة للشعب فوراً، وأكد أن أسر الشهداء على استعداد لتنفيذ ما يصدره الشعب من حكم عليهم.

ونوه إلى أن الثوار مازالوا يقدّمون أرواحهم مهراً لازاحة الانقلابيين، الذين يفرضون سلطتهم بالقوة المميتة لكن إرادة الشعب السوداني لا يمكن أن تصادر لأن الشعوب هي التي تفرض إرادتها، وأن إرادة الشعب لا بد أن تنتصر مهما طال الزمن.

جروح كبيرة

من جانبها، أكدت سمية عثمان- والدة المفقود إسماعيل التجاني- أن حجم المأساة التي لحقت بأسر المفقودين كبيرة، ويصعب تصور أي نوع من العقوبة يمكن أن يخفف من تلك المأساة.

وقالت لـ«التغيير»، إنها وغيرها من ذوي المفقودين لن يشعروا بالراحة والاطمئنان حتى يتم العثور على أبنائهم إما أحياء أو حتى يتسنى لهم التأكد من مطابقة تحاليل الحمض النووي مع الجثامين، التي يتم العثور عليها.

وطالبت سمية بضرورة أن تأخذ العدالة مجراها والاقتصاص من مرتكبي هذه الجريمة البشعة، التي تسببت في جروح كبيرة في نفوس أهالي المفقودين.

تواطؤ مفضوح

وتعرّضت لجنة التحقيق في فض اعتصام القيادة لانتقادات عنيفة، لتأخرها في تقديم تقريرها النهائي، رغم مرور قرابة الثلاثين شهراً من تشكيلها.

معز حضرة

واتهم  الخبير القانوني معز حضرة، «لجنة نبيل أديب» بالتواطؤ مع العسكر حتى يفلتوا من العقاب.

وقال حضرة لـ«التغيير»، إن لجنة أديب لن تتوصل إلى نتائج في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، وأنها تماطل لكسب المزيد من الوقت.

وأضاف: «ذكروا لرئيس الوزراء المستقيل عبد الله حمدوك أنه أخطأ في اختيار نبيل أديب لأنه ليس الرجل المناسب لهذه اللجنة وهنالك من هو أفضل منه وأكفأ منه لرئاسة هذه اللجنة».

وتابع: «تأخر التحقيق في فض الاعتصام يعود إلى أن رئاسة اللجنة لم تكن مؤهلة فنياً ولا مهنياً لرئاسة هذه اللجنة».

وزاد: «ضعف لجنة التحقيق وعدم رغبتها وقدرتها لتقديم المتهمين للعدالة لأنها لاتملك القدرة المهنية ولا الرغبة لتقديم المتهمين للعدالة».

واعتبر أن «ضعف لجنة أديب يسهم في الافلات من العقاب للمهتمين عن تلك الجريمة».

فيما يرى الخبير القانوني صالح محمود، أن السبب في فشل العدالة هو ذات السبب الذي أدى إلى فشل الكثير من الأجهزة الأخرى، وهو ترك «حكومة الثورة» أمر إدارة الدولة للكوادر التي كانت تعمل بها الإنقاذ دون تغيير يذكر.

وقال محمود لـ«التغيير»، إن «اللجنة تأخرت كثيراً في إصدار التقرير النهائي وتوجيه الاتهام رغم توفر الكثير من المعطيات المهمة».

تأخير مبرر

من جهته، دافع رئيس لجنة التحقيق في فض اعتصام القيادة العامة نبيل أديب، عن تأخر التوصل لنتائج في تحقيق فض الاعتصام، وقال إن إدارة الأدلة الجنائية السودانية لا تملك القدرات الكافية لتفحص الأدلة المادية التي تحصلّت عليها لجنته.

نبيل اديب

وأضاف: «اعتذر الاتحاد الأفريقي عن تقديم الدعم اللوجستي المطلوب بعد عامين من التواصل معه».

وقال أديب لـ«التغيير»: «لم تتوفر المعينات اللوجستية حتى الآن؛ لدينا مجموعة كبيرة من البينات المادية التي تحتاج فحصا وإثباتا وتشمل تلك البينات جثث ومقابر وتسجيلات صوتية وتسجيلات مصورة تحتاج لفحص بواسطة خبراء معمل جنائي تتوفر فيه المعدات اللازمة للفحص».

وصمة عار

ويقول المحلل السياسي عبد الرحمن أبو خريس، إن تاريخ الثالث من يونيو 2019، سيظل محفوراً بأحرف من حزن وأسى ودموع في وجدان الشعب، حيث تم ارتكاب جريمة فض اعتصام القيادة العامة، «تلك الجريمة التي ستبقى وصمة عار في جبين كل مسؤول أمني أو شرطي أو في قيادة الجيش».

عبد الرحمن أبو خريس

وأضاف لـ«التغيير»: «إنها جريمة لن يغفرها التاريخ وستتوارثها الأجيال، فقد راح ضحيتها العشرات بل المئات من شباب مسالم، كان كل سلاحه، إيمانه بضرورة التغيير وحتمية توفير لقمة العيش الكريم، في ظل دولة تنعم بالحرية والديمقراطية والأمن والسلام ويتعايش على أرضها الكل برضى وتوافق ومحبة، بعيداً عن الجهوية والقبلية والعنصرية والضغائن والكراهية والحقد وفرض الوصاية».

ولفتت إلى أن لجان التحقيق لم تخرج حتى الآن بتقرير واضح حول هوية من يقف وراء قتل المتظاهرين في ذلك اليوم.

جريمة فض الاعتصام

وفضّ مسلحون يرتدون زياً عسكرياً في 3 يونيو 2019م، اعتصاماً مطالباً بتسليم السلطة للمدنيين أمام مقر قيادة الجيش بالخرطوم.

وأسفر ذلك عن مقتل «66» شخصاً، بحسب وزارة الصحة، في حين قدّرت قوى إعلان الحرية والتغيير- قائدة الحراك الشعبي آنذاك العدد بـ«128»، فيما تحدثت أرقام عن أكثر من «130» شهيداً.

ويشهد السودان منذ 25 أكتوبر 2021م احتجاجات ترفض انقلابا عسكريا نفذه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، فرض حالة الطوارئ وحلّ مجلسَي السيادة والوزراء الانتقاليين.

ومقابل اتهامات له بتنفيذ انقلاب عسكري، قال البرهان إنه اتخذ هذه الإجراءات لـ«تصحيح مسار المرحلة الانتقالية»، وتعهد بتسليم السلطة إما عبر انتخابات أو توافق وطني.

وبدأت بالسودان في 21 أغسطس 2019م، مرحلة انتقالية، على أن تنتهي بإجراء انتخابات مطلع 2024م، ويتقاسم خلالها السلطة الجيش وقوى مدنية وحركات مسلحة وقّعت مع الحكومة اتفاق سلام في اكتوبر 2020، لكن انقلاب البرهان عطل كل هذه الإجراءات وأدخل البلاد في أزمة سياسية تحاول الخروج منها حالياً عبر مبادرة أطلقتها بعثة «يونيتامس» وتسهلها الآلية الثلاثية «الاتحاد الأفريقي، الأمم المتحدة وإيغاد».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى