أخبارأعمدة ومقالات

الانضباط مع الحب

قصي مجدي سليم

قرأت لك

الانضباط مع الحب

قصي مجدي سليم

هل ابنك، أو ابنتك، كسول! هل هو، أو هي، حاد الطباع، غضوب، غير مبادر ويفتعل المشاكل، غير محبوب من أهلك أم هو خائف بصورة دائمة ومتردِّد! هل تظُن في قرارة نفسك أنه غبي وغير ناجح وسيفشل مستقبلاً؟ وهل هو (قليل الأدب) كما يطلق أغلب الآباء والأمهات على أطفالهم! هل يكذب ويفتعل المشاكل؟ عنيد ربما ولا يتقبل النصح!

وأنا اقرأ كتاب اليوم تذكرت طفولتي وأخذت أحصي عدد الأخطاء التربوية التي صاحبت تلك الطفولة.

الانضباط مع الحب

ثم وجدتني بعدها انتقل لأعقد مُقارنة مع عدد من المجتمعات العربية والأفريقية التي عشت فيها، ولقيت أن سبب تخلّفنا في هذه الرقعة من الأرض يرجع إلى سوء تربيتنا جميعاً.. فلولا سوء تربية الأجيال السابقة للآباء لما نتج جيل سيء التربية مثل جيلنا والجيل الذي سبقه، ولما انتجنا نحن أنفسنا أجيالاً من سيئي التربية.. لهذا فإن هذا الكتاب يجب أن يُوضع في كل بيت للقراءة والمطالعة الراتبة.

إن التربية تشبه قيادة سيارة على مضيق جبلي وعر، تتطلّب تنبّهاً ويقظة.

وكل الصفات السيئة التي يمكن أن تُطلقها على أولادك هي في الحقيقة بضاعتك رُدت إليك! فحين كنت تجبره على الاعتماد عليك في أكله وشربه كنت تنمي كسله وتمحو شخصيته المستقلة!

وحين صفعته لأول مرة أخبرته أن العنف هو الوسيلة السليمة لحل مشاكله.. وحين دلّلته نميت في داخله التكبّر والغرور، وحين أهملته صار أنانياً ولا مبالياً.. وهكذا فإن أي شيء لا يعجبك في أولادك فعلته أنت عن جهل.

روزا باروسيو لديها خبرة واسعة في التربية، وهي قد كتبت كتاباً ستستفيد منه كل أسرة في أي مجتمع، فهو للغربي والهندي والأفريقي والعربي.. وفكرته بسيطة.. هو يُعلمك كيف تقدِّم الانضباط مع الحب.

الكتاب في نسخته العربية بعنوان (هل نربي أولادنا أم نفسدهم) وهي ترجمة غير موفقة للعنوان الأصلي. ولكنه خطأ يمكن غفرانه.

الانضباط مع الحب

نقلت الكتاب إلى العربية آمال الاتات، وصدر عن دار الفراشة في بيروت.

ينقلك الكتاب بسهولة ويسر بين التسلّط والتساهل، ويناقش عُقدة الذنب والخوف من أن نكرِّر أخطاء الآباء، حينها يقع الطفل فريسة مخاوفنا وجبننا وكسلنا، ويُصاب بذات الداء النفسي الذي أصابنا.

إن الغالبية العظمى من أولادنا يُمكن أن نسميهم ببساطة أبناء التطرّف الأبوي أو التساهل المفرط..

أما النوع الثالث قليل ونادر وهو ابن وبنت التربية الجيدة.

الكثير من الأمهات والآباء لا يرون الأخطاء التي يمارسونها تجاه بناتهم وأولادهم.. بعض الناس لا يرون عيوب أطفالهم، ولكنهم يرون عيوب أطفال الغير، أو كما قال أحدهم: الحل للتخلّص من المُدللين هو أن نتبادل الأطفال، فنحن نعرف كيف نربي أطفال الآخرين!

إن النصائح التي يقدِّمها الكتاب سهلة، ولكنها تُريد منك اصراراً ومثابرة، وحيث يمكنك أن تبدأ في معالجة الأخطاء التي ارتكبتها حتى وإن دخل طفلك طور المراهقة، إلا أن نصائح الكتاب تُريد منك ألّا تهمل الطفولة المبكّرة.

لا تحرم الطفل من استكشاف جسده والعالم، فإنّ تساقط المطر مثلاً يعني له الكثير وكذلك اللعب على حافة الرصيف ليحفظ توازنه.

الروتين اليومي أمر جيد للطفل عموماً والصغار خصوصاً، فالطفل الذي لا يأكل ولا ينام وفق جدول محدّد لا يكون سعيداً مرتاحاً فجسمه مجبر على السعي للتكيف مع التغيرات وهذا يسبب له ضغطاً نفسياً شديداً.

فعندما لا يعرف أبداً متى سيأكل يُصبح متقلِّب المزاج فالدعم النفسي الذي يؤمنه له الروتين اليومي غير متوفر، وحينها نطلق عليه طفل نكدي! ولكنه بكل بساطة مضغوط نفسياً لأقصى حد.

إن أي تصرف ينشأ من طفلك هو ردّة فعل لتصرُّف أنت فعلته فكيف نتفاجأ من تصرفات طفل في حين أننا كنا السبب في ذلك التصرف ذاته ولكنا لم نرَ رابطة السببية بعد.

الانضباط مع الحب

استعجال النُضج أحد الأخطاء التي يقعُ فيها الكثير من الآباء والأُمهات، وهو يُصاحب عادةً الوالدين غير الحازمين أيضاً.. ولأن الطفل ذكي فإنه يشعر بقلّة الحزم في القرارات التي تتلى عليه من أهله وحينها ينتهي الأمر وكأن تلك القرارات لم تحدث!

أيضاً يتفاخر الآباء بذكاء أطفالهم ويسارِعون في الحاقهم بالمدارس في وقتٍ مبكر ويشجعونهم (كما تفعل المدارس أيضاً) على التنافس.. هذا تصرّف مضر للطفل، فالذكاء لا يعني النُضج، والذكاء الذي يخلو من دفء القلب يجعل الطفل يتصرّف بقسوة وعدم رحمة.

كما أن الافراط في المعرفة الذي لا يقابله نضجٌ عاطفي موازن يُصبح سلاحاً خطراً في أيادي بشر غير ناضجين.

إن روح التنافُس التي يغرِسُها الآباءُ في صغارهم تجعلهم لا يقدِّرون طفلهم الذي يحصل على علامات متدنية، منساقين وراء وهم التعليم الأكاديمي الذي يعمل بصورةٍ خاطئة على ترتيب أولادنا وفق العلامات التي يحصلون عليها نهاية العام.

ونحن لا نعلم أن الذكاء درجات، والتفوق الأكاديمي إحدى الدرجات وليس كُلها، تقدير الطفل المتفوِّق أكاديمياً ووصفه بالذكاء مع الشعور بالخزي من الطفل الآخر هو مجرد فشل الراشدين في فهم ذكاء ذلك الطفل.. أولادنا أشخاص لا يحق لنا تصنيفهم حسب علاماتهم المدرسية.

قد لا تصدق أن أبوين على درجةٍ عاليةٍ من الذكاء قد يكونان غبيين- بكل ما تحمل الكلمة من معنى- لدى التعامل مع أطفالهما.

الخلط بين الذكاء والنضُج يجعل الأبوين يتخذان قرارات خاطئة، فالنضج فعلٌ جسدي وعقلي، لا يعني فقط أن معرفة الطفل الذكي لكيفية قيادة السيارة تؤهله لقيادتها! فجسده لم ينضج بالصورة الكافية التي تجعله يصل إلى دواسة البنزين!

كما أن استعجال نضج الطفل يقتل في داخله البراءة التي هي أساس الطفولة المفقود في عالم اليوم.

الانضباط مع الحب

البدائل:

لا يتركك الكتاب بلا حلول واضحة، استخدمت مؤلفته كل الوسائل لكي توصلها لك، فهي قد استعانت بالجداول والرسومات البيانية، كما أنها قد استخدمت لغةً سهلةً وبسيطةً لتوائم كل الأسر باختلاف مجتمعاتهم وطبقاتهم.

حسناً.. هل ستكون العودة إلى الاستبدادية هي الحل أم التساهُل المفرط؟ أم سيتحتم علينا اتخاذ طريق بديل!

يبدو أنكم تعلمون الإجابة مسبقاً.. ولخلق طريق بديل يجب عليكم أن تعرفوا طائفةً من أنواع الآباء حتى تتجنبوا طريقهم.

الوالدان المتناقضان: وهما يخلقان طفلاً محتالاً يُرضي أحدهما ويوقع بينهما، فالأب أو الأم حين يلعب دور المعاقب، يواجَه من شريكه بالتساهل المفرط تجاه الأبناء وحينها يصبح أحدهما شريراً في نظر أولاده والآخر قديساً!

الوالدان المتردِّدان: يهربان إلى العقاب البدني حيناً ويتجاهلان أي عقاب في أحايين أخرى وكلا الأمرين خطأ.. هما يُشبهان إلى حدٍّ كبير الوالدين المتعبين، اللذين تشدّدا مع ابنهما الأكبر ولكنهما تعبا من ذلك فاطلقا الحبل على الغارب للأصغر!

وهنالك أيضاً الأبوان المنحازان، إما لجنس الطفل أو لعمره أو حتى لدرجة حبهما له!

إن أسباب نشوء هذه الأنواع من الآباء يرجع لسوء تربيتهم هم أنفسهم، فالأب المتشدِّد يرى أن الظروف الصعبة التي عاناها ستجعل ابنه أقوى لو مرّ بها، والأم المتساهلة تريد أن تجنِّب طفلها التجارب المريرة التي مرّت بها.. أو قد يحدث العكس..

إذا كانت تربيتنا لأطفالنا انعكاساً لما واجهناه ونحن صغار ستكون التجارب كارثية..

لهذا فإنه على كل شخص يريد أن يُنجب أطفالاً أن يقرأ هذا الكتاب أولاً.. أو، إذا قبلتم نصيحتي، لا تنجبوهم أصلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى