أخبارأعمدة ومقالات

الثورة وصناعة المعاني: تباين طرائق التفكير في فهم الواقع وتغييره

بكري الجاك

الثورة وصناعة المعاني: تباين طرائق التفكير في فهم الواقع وتغييره

بكري الجاك

في سنوات خلت وإبان مشاركتي في دراسة مهارات البقاء في الشارع وسط المراهقين أو الـStreet Resilience Among Teens and Young Adults  في حي فقير بمدينة ويلمنغتون يسمي Southbridge بولاية ديلاور، فحين اكتشافنا أن هذا الحي لم يتخرّج فيه أي طالب من المرحلة الثانوية خلال أربعة أعوام توصلت وقتها إلى حقيقة واحدة مذهلة وصادمة في ذهني مفادها “أن لا أحد يستطيع أن ينقذ أي انسان من حياته”، والمدخل إلى هذا المبحث أتى من كون أن لا يتخرج أي طالب من المرحلة الثانوية هو نموذج مثالي لما يعرف بالنشاذ الإحصائي Statistical anomaly حيث أنه من غير المنطقي أو المعقول أن تحدث مثل هذه الظاهرة حتى وبمحض الصدفة خلال أربعة أعوام.

الحي يعاني من فقر وعزلة وانتشار الحانات ونشاط مكثف لعصابات المخدرات والعنف وغالبية سكانه ينحدرون من أصول أفريقية إلا أن هذا لم يكن حال ذاك الحي وحده في المدينة وهذا ما جعل الأمر نشاز إحصائي.

المرجعية المعرفية للخلاصة التي توصلت إليها يمكن شرحها في قصة حقيقية لشاب تخرج من الجامعة وبينما كان يتجاذب أطراف الحديث مع جدته أخبرها بأنه ينوي الذهاب إلى أمريكا للدراسات العليا، ولم تكترث الجدة إلى ماذا تعني الدراسات العليا بل سألت ما هي امريكا؟ فبدأ الشاب في شرح أنها بلد بعيد ويجب أن يقطع محيطات للوصول إليه، فسألت الجدة ما هو المحيط؟، فشرح الشاب أن المحيط هو فضاء واسع يمتد على مد البصر ويتمليء بالماء المالح، فتساءلت الجدة وما هو الماء المالح؟ وتمضي القصة هكذا دون الإجابة على سؤال ما هي أمريكا والسبب في ذلك أنه ليس بوسع الجدة التي لا تعلم شيئاً عن العالم فيما خلف الجبلين اللذين يحيطان بالسهل الذي تقع فيه القرية، ولا توجد صورة ذهنية لها لمقاربة هذه المعاني حتى وإن أرادت، وكما يقال ليس بوسع المرء وصف طعام لم يتذوقه، فلابد للحواس من ذاكرة ومعاني.

في ذاك الحي كان جل المراهقين ينتهون إلى نهاية واحدة بوصولهم إلى سن الخامسة عشرة، فحتماً سيكون للطفل عدة إشكالات مع محاكم الأحداث وتقاطعات مع عصابات المخدرات ويكون الذكر منهم أباً والبنت منهم أماً وليس هنالك أي شخص ذو تأثير أو سلطة يتطلعون إليه لا تنطبق عليه هذه المواصفات، وعندما كنت أحاول أن أحدثهم عن من أنا وكيف وصلت إلى أن أكون طالب دكتوراة أدركت حينها أنني كنت أتحرك في فضاء مفاهيمي مغاير تماماً من حيث معنى ومفهوم القيمة في مسيرة حياتي مقارنة بهؤلاء المراهقين.

الأهم هو أن جل التدخلات التي كانت تصمم بواسطة برامج حكومية ومنظمات غير حكومية لمعالجة مشاكل الأحداث من الهروب والإدمان والتسرب من التعليم والحمل المبكر كانت لا تستوعب الفضاء الاجتماعي الذي يتحرك فيه المراهقون حيث تتم صناعة المعاني ومن ثم فكرة القيمة أو ما يعرف بالصناعة الاجتماعية للمعانيSocial Construction of Meaning ولذلك كانت هذه التدخلات دائماً ما تنتهي بتأثيرات محدودة وتوصم بأنها عقدة الرجل الأبيض الذي يرغب في لعب دور المنقذ أو الـmessiah وربما تكفيراً عن ذنوب العبودية ونظام السيادة للبيض وامتيازاته أو توصم بأنها دليل على ادعاء الرجل الأبيض على فهم مشاكل المجتمعات الأخرى أكثر من أهلها، وفي كل الأحوال يكون عائد التدخلات محدوداً لأسباب تتعلق بسوء تعريف المشكلة وفرض قوالب مفاهيمية على الفضاء الذي تتخلق فيه.

الثورة السودانية الآن في عامها الرابع مازالت تتخلق وتنضج في خطابها وتصوراتها عن العالم إلا أن الأمر الذي لا لبس فيه هو دور الحراك الثوري في إعادة صناعة المعاني وتغيير معنى ومفهوم القيمة الاجتماعية، ففكرة أن يولد الطفل وأن يكون صالحاً ونبيهاً ويجيد التحصيل في المدرسة وصولاً إلى الجامعة ومن ثم البحث عن وظيفة بعائد جيد ومن ثم تكوين أسرة وبعدها الحج والصلاح وإلى آخر السردية الاجتماعية لفكرة القيمة لم تعد محل تحد وحسب بل أن الفعل الثوري قلبها رأساً على عقب وبمبررات مادية موضوعية وأخرى ميثولوجية، إذ لابد لأي ثورة بعض من الأسطرة.

الموضوعي يكمن في أن لا التعليم ولا العمل ولا غيرها من تمظهرات الحياة المدنية (الغائبة) في السودان عادت تعني ما كانت تعنيه، فغالبية خريجي الجامعات لا يحملون مهارات يمكن وصفها بشكل محدد، بل من الصعب القول بأنهم يجيدون مهارات محددة لها قيمة في سوق العمل الذابل، هذه النتيجة تقود إلى محصلة واحدة أن فائدة التعليم الجامعي ليست في تحسين فرص الترقي الاجتماعي والعبور الطبقي بل في أن للعلم قيمة في حد ذاته وهذه الخلاصات النبيلة عادة ما تتراجع أمام دحر الواقع المادي.

الجانب الأسطوري لفكرة القيمة هي الاعتقاد واليقين في أن هنالك فعل ثوري خارق سيمكّن من تغيير هذا الوقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي هكذا وبضربة قاضية في إحدى جولات الثورة وأن هذه الضربة موجودة وما علينا إلا العمل المستمر حتى نجدها.

الشاهد أن ردم الهوة بين تصورات من يسمون أنفسهم بالعقلانيين المعتدلين الذي يصرون على ربط أي فعل بنتيجة ومن ثم يخلصون إلى أن الفعل الثوي وحده سوف لن يحدث التغيير ولابد من عمل سياسي، بما قد يشمل تفاوص ومساومة وربما شراكة بصيغة جديدة، وهو افتراض سليم في الفضاء المعرفي الذي تتحرك فيه هذه القوى، أما الفضاء الآخر الذي تتحرك فيه قطاعات كبيرة من قوى الثورة (جذرية وغير جذرية) يكاد يكون في حالة تضاد مع تصورات من يوصفون بالعقلانيين المعتدلين، ففي فضاء هؤلاء تمت صناعة معاني جديدة للحياة وللقيمة، والفرضيات التي تنطلق منها سردية المعتدلين، من أنه لا يمكن هزيمة انقلاب مسلح بحراك سلمي وأن الدولة هشة وآيلة للانهيار وأن انسداد الأفق حتما سيقود إلى تغيرات لا يمكن السيطرة على نتائجها إذ ليس من المنطق بقاء الأشياء على ما هي عليه، لا تعني نفس الأشياء للقوى الثورية الأخرى الرافضة للحوار والتفاوض، ففي تصور بعضها أن القبول بالحوار هو اعطاء شرعية من قوى الثورة لمن يضع يده على السلطة بقوة السلاح وأن التفاوض هو لا محالة سينتج حلولاً وسطى ستعتمد درجة جودتها على شروط التفاوض وآلياته ومخرجاته ومدى قدرة كل طرف في حشد وحصد العوامل الحاسمة في تغيير معادلة توازن الضعف الحاكمة.

الخلاصة أن ردم الهوة بين هذين المعسكرين في قوى الثورة تماثل فكرة التدخلات التي كانت تقوم بها بعض الحكومات والمنظمات وهي أشبه بمحاولة إنقاذ الإنسان من حياته، في تقديري المدخل الصحيح هو فهم الشروط الموضوعية التي جعلت بعض قوى الثورة تعيد صناعة المعاني في فضاء معرفي آخر وبالضرورة القيمة، إلى درجة أن فرضيات الطرف الآخر لا تكاد تعني شيئاً في ظل حالة أسطرة الثورة وضربتها القاضية القادمة، الدخول في مثل هذه الحوارات بعمق وموضوعية وحسن نية هو ما سيمكننا من ردم الهوة في فهم وتوصيف الواقع ليس الصراخ والأحكام المستعجلة.

أهدي هذا المقال إلى روح الصديق نصر الدين الرشيد فاليوم يعادل الذكرى الرابعة والعشرين على استشهاده إبان حقبة التجمع الوطني الديمقراطي ومازالت روحه تحلق فوقنا وأحلامه تمشي بيننا في ثنايا هتافاتنا.

10 يونيو 2022م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى