أخبارأعمدة ومقالات

جريمة فض الاعتصام ومسؤولية القيادة في القانون الجنائي الدولي

جريمة فض الاعتصام ومسؤولية القيادة في القانون الجنائي الدولي

ناصف بشير الأمين

هذا جزء مقتطف من دراسة قانونية مطولة كتبتها حول الجرائم التي ارتكبت في عملية فض اعتصام القيادة العامة بالخرطوم في 3 يونيو 2019، ومسؤولية القيادات السياسية والعسكرية عن تلك الجرائم، وفق قواعد القانون الجنائي الدولي. ننشر هذا الجزء من الدراسة في الذكرى الثالثة لجريمة مجزرة القيادة العامة.

الجرائم ضد الإنسانية

ما حدث في ميدان الاعتصام في الثالث من يونيو 2019 يعتبر جريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان، وفق قواعد القانون الدولي.

والجريمة ضد الإنسانية تعني أي فعل من الأفعال المحظورة والمعرفة في نظام روما الأساسي 1998 المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، متى اُرتكب ذلك الفعل في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين.

وحسبما جاء في نص المادة 7 من نظام روما الأساسي، تشمل تلك الأَفعال القتل العمد، والإبادة، والتعذيب، والاغتصاب أو أي شكل من أشكال العنف الجنسي، والسجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي، الاختفاء القسري للأشخاص… إلخ.

وقد عرف نظام روما عبارة “هجوم موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين” بأنها تعني نهجاً سلوكياً يتضمن الارتكاب المتكرّر للأفعال المشار إليها ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، عملاً بسياسة دولة أو منظمة تقضي بارتكاب هذا الهجوم، أو تعزيزاً لهذه السياسة.

ومن الأمثلة الحديثة على الجرائم ضد الإنسانية الأفعال التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية عند تصديها للاحتجاجات التي اندلعت في قطاع غزة في 2018، حيث خلصت نتائج تحقيق أممي إلى أن الجنود الإسرائيليين قد ارتكبوا انتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الدولي يرقى بعضها لجرائم ضد الإنسانية.

مبدأ مسؤولية القيادة في القانون الدولي

يفرض القانون الجنائي الدولي المسؤولية الجنائيـة علـى القـادة المـدنيين أو العسكريين الذي يشتركون في ارتكاب الجرائم الدولية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أو يأمرون بارتكابها أو يحرضون عليها، أو يفشلون في منع مرؤوسيهم من ارتكاب تلك الجرائم مع علمهم بارتكابها، أو في معاقبتهم عليها.

وتجدر الإشارة إلى أنّه ليس من الضروري أن يكون هؤلاء المرؤوسين قد ارتكبوا الجريمة بأنفسهم، فمن الممكن أن يكونوا قد تورطوا في السلوك الجرمي تحـت أي شكل من أشكال المسؤولية، مثل ارتكاب الجرم، أو المـشاركة فـي ارتكابـه، أو التورط في مشروع إجرامي مشترك، أو التدخل في الجريمة، إلخ.

يكفي لاعتبار القائد مسؤولاً جنائياً عن أفعال مرؤوسية علمه بارتكابهم للجريمة المعنية أو رجحان ارتكابها وفشله في اتخاذ ما يلزم لمنع أو وقف ارتكاب الجريمة. ويكون إثبات العلم سهلاً عندما ترتكب الأعمال المجرمة على نطاق واسع أو متكرر، كما هو حال الجرائم ضد الإنسانية وجرائم القتل واسعة النطاق التي استمر ارتكابها داخل السودان دون توقف قبل وبعد سقوط نظام عمر البشير.

ومن القضايا الرائدة في القانون الدولي في إقرار وتطوير هذا المبدأ قضية الجنرال الياباني ياماشيتا 1946. كان الجنرال ياماشيتا قائد القوات اليابانية فـي الفلبـين بـين عـامي 1943 و1945، وقد ذبح جيشه عدداً كبيراً من السكان المدنيين في مقاطعة “باتانغاس”، كمـا مارس، من بين أشياء أخرى، القتل وأعمال عنيفة، وقاسية في صفوف السكان المدنيين وسجناء الحـرب.

في هذه القضية أكدت المحكمة مبدأ مسؤولية القائد عن أفعال جنوده بالقول: “بكل وضوح، تترافق مهمة قيادة القوات العـسكرية بـسلطة واسـعة النطـاق وبمسؤولية كبيرة. هذه كانت الحال بالنسبة لكل القوات على مر التاريخ. وليس من المنطقي اعتبار أن القائد قاتل أو مغتصب لمجرد أن جنوده ارتكبوا جـرائم القتـل والاغتصاب. ولكن عندما تكون أفعال القتل والاغتصاب وغيرها من أعمال الـشر والانتقام واسعة النطاق، في غياب أي مجهود من قبل القائد لكشف هـذه الأفعـال الجرمية والمعاقبة عليها، لا بد من تحميل هذا القائد المسؤولية، أو حتى المسؤولية الجنائية، نظراً للأفعال غير الشرعية التي اقترفتها القوات الخاضـعة لـه، وذلـك بحسب طبيعة هذه الأفعال وظروفها (تقارير قانونية حـول محاكمـات مجرمـي الحرب، المجلد IV، ص 35)”.

وقد فصلت المادة 28 من نظام روما الأساسي قواعد مسؤولية القادة والرؤساء، حيث نصت على أن القائد العسكري أو الشخص القائم فعلاً بأعمال القائد العسكري يكون مسؤولاً مسؤوليةً جنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة والمرتكبة من جانب قوات تخضع لإمرته وسيطرته الفعليتين، أو تخضع لسلطته وسيطرته الفعليتين، حسب الحالة، نتيجة لعدم ممارسة القائد العسكري أو الشخص سيطرته على هذه القوات ممارسة سليمة:

(أ)  إذا كان ذلك القائد العسكري أو الشخص قد علم، أو يفترض أن يكون قد علم، بسبب الظروف السائدة في ذلك الحين، بأن القوات ترتكب أو تكون على وشك ارتكاب هذه الجرائم؛ (ب) إذا لم يتخذ ذلك القائد العسكري أو الشخص جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع أو قمع ارتكاب هذه الجرائم أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة.

وفيما يخص مسؤولية الرؤساء، يكون الرئيس مسؤولا جنائيا: (أ) إذا كان الرئيس قد علم أو تجاهل عن وعي أي معلومات تبين بوضوح أن مرؤوسيه يرتكبون أو على وشك أن يرتكبوا هذه الجرائم؛ أو (ب) إذا تعلقت الجرائم بأنشطة تندرج في إطار المسؤولية والسيطرة الفعليتين للرئيس؛ (ج) إذا لم يتخذ الرئيس جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع أو قمع ارتكاب هذه الجرائم أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة.

لقد طُورت هذه القواعد في القانون الجنائي الدولي بغرض تحديد المسؤولية الجنائية للقيادات العليا مدنية كانت أم عسكرية ضمن سلسلة القيادة، وذلك لأن هذه القيادات لا تقوم في العادة بارتكاب الأفعال المادية المكونة لهذه الجرائم بنفسها وبشكل مباشر، ففي جريمة القتل مثلاً لا يقوم القادة في العادة بارتكاب الفعل المؤدي إلى ازهاق الروح بأنفسهم، مثل قيامهم باطلاق النار على الضحية. ولكن يتورطون في العادة في هذه الجرائم من خلال إصدار الأوامر بارتكابها أو التحريض عليها أو يفشلون في منع مرؤوسيهم من ارتكابها من علمهم به، كما جرى بيانه أعلاه. وذلك لأن رؤساء الدول مثلا لا يتولون في العادة قيادة قوات الجيش أو الشرطة أو الأمن، على سبيل المثال، بشكل مباشر، وإنما يشرفون على قيادات تلك القوات والأجهزة. ولكن في الحالة السودانية موضوع هذه الدراسة نجد أن إثبات مسؤولية القيادة عن ارتكاب تلك الجريمة أو غيرها من الجرائم التي ترتكبها القوات الخاضعة لها هو أمر في غاية السهولة والوضوح، وذلك لسبب رئيسي هو أن ذات القيادات السياسية العليا، هي نفسها القيادات العسكرية العليا التي تتولى القيادة العسكرية المباشرة للقوات المتهمة بارتكاب تلك الجريمة.

لهذه الأسباب خلصت هذه الدراسة إلى أن الأفعال التي ارتكبت خلال عملية فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019 والتي شملت القتل والاغتصاب والتعذيب والاختفاء القسري… إلخ تعتبر في الغالب جريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان، وذلك لأن هذه الأفعال الوحشية كانت قد ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق ومنهجي موجه ضد مجموعة كبيرة من السكان المدنيين العُزل، وارتكبت تنفيذا لسياسة رسمية معينة هدفت إلى انهاء الاعتصام ووضع حد للمقاومة المدنية السلمية التي نجحت في اسقاط النظام، وعودة الحكم العسكري بالقوة، كما سبق بيانه. وأن القيادات العسكرية العليا التي تتولى قيادة القوات التي شاركت في ارتكاب هذه الجريمة، بمختلف وحداتها، تعتبر مسؤولة جنائيا عن ارتكاب تلك الجرائم، وذلك إما لأنها اصدرت الأوامر المباشرة لارتكابها أو حرضت عليه، أو بالحد الأدني، امتنعت عن التدخل لمنع مرؤوسيها من ارتكاب تلك الجرائم مع علمها بارتكابها، آخذين في الاعتبار النطاق الواسع لتلك الأفعال وطبيعتها المنهجية، واستمرار ارتكابها لمدة زمنية طويلة، واستمرار تكرار ارتكابها أثناء عملية فض الاعتصام وما بعدها.

3 يونيو 2022م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى