أخباراقتصادتقارير وتحقيقات

شركات الجيش.. جدل الخصخصة والتخصيص وشكوك بشأن حديث «المالية»

ظلّت قضية شركات الجيش، والشركات الأمنية عموماً في السودان، من القضايا المثيرة للجدل، ووالشد والجذب، لكن حديث وزير المالية مؤخراً عن إتجاه لتخصيصها أثار جدلاً أكثر، ومثله من الشكوك!!

التغيير- الخرطوم: الفاضل إبراهيم

تفاجأت الأوساط المختلفة، بتصريح وزير المالية والتخطيط الاقتصادي السوداني جبريل إبراهيم، بشأن المضي قدماً في خصخصة الشركات المملوكة للجيش باستثناء التي تنتج الأسلحة، لأن الحديث عن خصخصة شركات الجيش أو القوات الأمنية كان من الأمور التي تجلب الإحراج والمشاكل بين شركاء الفترة الانتقالية «المكون العسكري وقوى الحرية والتغيير»، فما بالك أن يجيئ التصريح خلال فترة الانقلاب التي يتحكم فيها الجيش بمصير وحكم البلاد!.

وشمل حديث جبريل جميع الشركات التجارية العسكرية التي قال إنها ستطرح للاكتتاب العام، باستثناء المنتجة للأسلحة، وسيكون ذلك قريباً..

هذا الملف دار حوله جدل كثيف خلال الفترة الانتقالية وحول ضرورة سيطرة وزارة المالية على المال العام، مما يثير شكوكاً حول حديث الوزير جبريل.

ويقدّر عدد شركات الجيش بـ«220» شركة- إحصائية غير رسمية- برأسمال «10» مليارات دولار بما فيها شركات الإنتاج الحربي- طبقاً لوزير الصناعة السابق إبراهيم الشيخ- تعمل في مجالات الأمن الغذائي، الكيماويات والخدمات التقنية الطبية المحدودة، التأمين وإعادة التأمين، تجارة السمسم أو المواشي أو الذهب، بجانب المصارف والانشاءات، وهنالك شركات البحر الأحمر للملاحة والخدمات، النيل الأبيض للصناعات الجلدية، بروج المحدودة، اليرموك للخدمات الصناعية المحدودة، زادنا العالمية للاستثمار المحدودة، أميال للإنتاج الإعلامي، وغيرها.

معايير وشروط

ويقول المحلل والباحث الاقتصادي بابكر أحمد عبد الله، إن الخصخصة تتماشى مع السياسات الاقتصادية الحرة التي ينتهجها السودان في الوقت الحالي، ولكن الخصخصة لها معايير أساسية وشروط صحة لابد أن تنطبق عليها حتى تكون جزءاً من النهضة الاقتصادية وأهمها المنافسة الحرة وطرح الأسهم في السوق والبيع بالسعر العادل.

تجربة مدمّرة

أما من الناحية السياسية يذهب عبد الله في حديثه لـ«التغيير»، إلى الواقع المعاش حاليا، ويقول إن د. جبريل وزير المالية يقودنا لقاطرة خصخصة الإنقاذ الأولى والتي هي في واقع الأمر «تخصيص» وليس خصخصة، فقد تمت التجربة السابقة بطريقة انهكت الاقتصاد السوداني، حيث أن الشركات الحكومية التي تمت خصخصتها في سنوات الإنقاذ الأولى لم يتم تقييمها بصورة عادلة لأن معظمها بيعت بلا مقابل.

وأضاف: «ثم أن هذه الشركات المخصخصة تخصصت لشخصيات تتبع لكيان الحركة الإسلامية كتمكين اقتصادي يتماشى مع نهج الإنقاذ المتسلط، هذا غير أن معظم ما تم خصخصته أو تخصيصه من شركات حكومية كانت تساعد في العملية الإنتاجية بنشاط معين موجه، قام المالك الجديد بالاستفادة الكاملة من الميزات المصاحبة من الأصول المجانية والامتيازات الضريبية والجمركية الممنوحة له ومن ثم تغيير وجهة النشاط في الغالب الأعم من الإنتاج نحو التجارة، لذلك فإن تجربة الإنقاذ الأولى في الخصخصة كانت هي المدمر الأول للإنتاج في السودان.

شركات الجيش

ويضيف بابكر: «فيما يتعلق بشركات الجيش التجارية وعند بدايات الفترة الانتقالية كانت الكيانات الإسلامية التي يعتبر جبريل أحد منسوبيها ترى أن الحديث عن أيلولة شركات الجيش للحكومة أمر يخضع لقاعدة ممنوع الاقتراب والتصوير، هذا غير أن قادة المجلس العسكري كانوا يدافعون عن شركات الجيش باستماتة تحت راية أنها شركات خاصة بمنسوبي الجيش وتم تمويلها من استقطاعاتهم».

شكوك وصفقات

ويعتقد بابكر أن السكوت الحالي لمنسوبي الحركة الإسلامية عن تصريحات وزير المالية بشأن خصخصة شركات الجيش وبيع أسهمها على الرغم من أنها أخطر من الأيلولة التي كانوا يعترضون عليها.

«الأيلولة كانت تعني أن تظل ملكية الشركات للجيش والدولة ولكن إدارتها والرقابة عليها تكون من وزارة المالية، أما الخصخصة فهي تعني أن الجيش بدلاً عن أن يكون له 100% من الأسهم والقرار ستصبح ملكيته في حدود الـ30% على المال والقرار».

ويرى أن ذلك يؤكد أن الموضوع عبارة عن «رابح ود قاسم»- عملية تبادل منافع بين بعض قيادات الكيزان(الاسلاميين) والدعم السريع والحركات المسلحة بحيث يقوم الكيزان بغسيل أموالهم فيها لشراء أسهم مع تخصيص حصص للدعم السريع وبعض قادة الحركات المسلحة وربما يتم البيع بشروط ميسرة وقروض بنكية او إعفاءات محددة.

من المستفيد؟

ويؤكد بابكر أن وجود محمد حمدان دقلو وجبريل «المتعطشين للسلطة والمال» في قمة هرم القرار الاقتصادي والسياسي يحول الشكوك إلى واقع بأن أي قرار يصدر بمباركتهم لن يتم تمريره إلا إذا كان لهم نصيب الأسد من المصلحة فيه، لأن الكثير من قرارات جبريل صدرت وهي مخالفة لطبيعة الأشياء والمصالح الضيقة، ودائماً ما تأتي قراراته لمصلحة بعض إخوانه «المصلحجية» في التنظيم والذين لا يأمرون بعضهم بمعروف ولا يتناهون عن منكر-على حد تعبيره-.

ويختتم بابكر حديثه بأن المواطن السوداني لم يكن مستفيداً من هذه الشركات بصورة مباشرة ولا حتى أفراد الجيش أنفسهم كانوا مستفيدين، بالتالي فإن خصخصتها تمثل تبديل أدوار لملكية وقيادة الشركات فقط بينما واقع الاقتصاد كما هو.

«خلاصة القول إن الأمر يتعدى شركات الجيش إلى شركات حكومية أخرى، بطريقة وأسلوب يشبه اقتصاد إنقاذ التسعينات مما يعني أن جبريل لا زال يحتفظ بذلك الكتاب القديم الذي يخلط بين الخصخصة والتخصيص وإعادة التمكين..

ولكن يبقى سؤال بحاجة لإجابة: هل للأمر علاقة بالبراءات الغير منطقية لقيادات النظام البائد التي لها علاقة ما بهذه الشركات في السابق؟».

صعوبات

واستبعد مصدر أمني، أن تتم عملية بيع أسهم هذه الشركات بالكيفية التي تحدث عنها وزير المالية جبريل، وقال: «ببساطة معظم شركات الجيش رأسمالها من أموال المعاشيين على غرار أموال صندوق الضمان الاجتماعي لذلك عملية البيع لن تكون سلسة بالدرجة التي يتحدث عنها وزير المالية».

وأضاف المصدر لـ«التغيير»، بأن القرار سيجد معارضةً شديدة داخل القوات المسلحة السودانية التي يعتبر بعض منسوبيها أن بيع شركات سيسهم في إضعاف الجيش الذي سينتظر من وزارة المالية أن تمده بالاحتياجات الخاصة التي كان يمولها الجيش من استثماراته، وهذا أمر لن يقبله كبار جنرالات الجيش.

توقيت غير مناسب

وأكد المصدر أن الموافقة على عملية البيع تتطلب نظاماً ديمقراطياً بعيداً عن الأجواء الحالية، تتوفر من خلالة الثقة بين الجيش والجهاز التنفيذي، «حالياً الجيش يخشى من سيطرة المدنيين على مفاصله وبالتالي تفكر قياداته في أن المدنيين يمكن أن يفكروا في تغيير نظام الحكم، والعكس أيضاً صحيح، إذاً المطلوب أجواء ديمقراطية ملائمة لعملية البيع أو الخصخصة كشركات مساهمة عامة، توقيتها حالياً غير مناسب الإ اذا كانت هنالك أشياء “تحت التربيزة” لا نعلمها».

البحث عن مخرج

وأضاف المصدر: «ربما تكون وزارة المالية تبحث عن مخرج مع الجيش مع اقتراب إيقاف المساعدات عن السودان في شهر يونيو الحالي من قبل مؤسسات التمويل الدولية والتوقعات بتفاقم الأزمة الاقتصادية الحالية».

ونوه إلى المخاوف المستقبلية من تأثير قانون الانتقال الديمقراطي الذي أجازه الكونغرس الأمريكي في العام 2020م والذي يشدِّد الرقابة على شركات الجيش، وربما يفرض عليها رقابة أو عقوبات في ظل تصنيف واشنطن لاجراءات 25 اكتوبر بالانقلاب كما حدث مؤخراً لقوات الاحتياطي المركزي، وبالتالي استمرار الوضع السياسي الحالي ربما يهدِّد شركات الجيش لاحقاً، لذلك جاء الحديث عن بيعها وخصخصتها كإجراء وقائي.

تهيئة المناخ

ووصف الباحث الاقتصادي د. عبد الله علي أحمد، قرار خصخصة شركات الجيش بالصحيح من ناحية اقتصادية، وقال لـ«التغيير»، إن أي قرار لخصخصة شركات حكومية يعتبر أمراً إيجابياً بما يمنح القطاع الخاص فرصة للعمل بطريقة أفضل من ناحية المنافسة.

وأضاف أن القرار يتطلّب مناخاً معيناً في إطار إعادة الهيكلة في الفترة الانتقالية، «ويبقى السؤال هل المناخ الحالي ملائم لهذا الأمر؟ ومدى استفادة الدولة من الخصخصة؟»، أيضاً هنالك المزيد من التساؤلات حول الشفافية وهيكل اقتصادي واضح ورؤية تستوعب مسألة الخصخصة.

وذكر د. عبد الله أن عرض الشركات يجب أن يتم بكل شفافية وضوابط، يسبق ذلك ضوابط أخرى تتعلّق بتقييم حقيقي لهذه الشركات عن طريق مكتب أصول من طرف ثالث بما يسهم في تحديد القيمة الحقيقية للشركات وتقييم الأرباح أو الخسائر ويمنع التلاعب والفساد.

وتساءل عن الأولوية: هل الخصخصة أم تحويل هذه الشركات لمساهمة عامة؟، ولكن القاسم المشترك هو توفير متطلّبات المعرفة المتعلّقة بحجم وعدد هذه الشركات وتقيميها بطريقة شفافة.

ودعا عبد الله إلى استصحاب التجارب السابقة في خصخصة الشركات الحكومية في العام 1992م «مصانع النسيج، الشركة السودانية للاتصالات- موبيتل وشركة الصمغ العربي» لتفادي الأخطاء التي صاحبت بيع تلك الشركات.

تعليق واحد

  1. أولا يجب التحقيق والمحاسبة مع جبريل ابراهيم لكل الفترة منذ الانقلاب وحتى تسليم السلطة لللمدنيين وانا لا أثق به اطلاقا
    ثانيا شركات الجيش هذه ليست مجرد شركات بل استخدمها نظام البشير للسيطرة على الاقتصاد السوداني بالكامل ، واستخدمها كواجهة لغسيل الأموال ، وأسهمت هذه الشركات في افقار الشعب وتجويعه ، وتم سن قوانين استبدادية وغير شرعية لأجل هذه الشركات ، و أضعف اقتصاد البلد لأجلها ، ونافست هذه الشركات شركات القطاع الخاص منافسة غير شريفة مما أضعف الاقتصاد السوداني ، أما شركة التأمين الشهيرة تلك والتي تولت التأمين للجيش ومنسوبيه فقد نهبت فعليا نصف ميزانية الدفاع على مدى عشرين سنة يعني عمليا نهبت خمس ثروة السودان ، هدف هذه الشركات هو جمع الثروة لأفراد وتحقيق أرباح غير معقولة وغير قانونية على حساب تدمير اقتصاد البلد ، ملف هذه الشركات التابعة للجيش هو ملف جرائم اقتصادية دمرت اقتصاد دولة بالكامل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى