أخبارأعمدة ومقالات

صراع الأطماع والرغبات والإرادات

صلاح جلال

الرأي اليوم

صراع الأطماع والرغبات والإرادات

صلاح جلال

(1)

* بلا شك أن انقلاب 25 اكتوبر قد وضع السودان على مفترق طرق، بين أهداف الثورة حرية- سلام- عدالة وإقامة نظام أوتوقراطي شمولي على نسق الديكتاتوريات العسكرية السابقة، لقد رفض الشعب السوداني هذا التوجه بتصميم واضح ومقاومة باسلة راح ضحيتها في شوارع الخرطوم العشرات من الشهداء والألوف من المصابين، وما زال باب الكفاح والتضحيات مفتوح ومرغوب، أمام جسارة مقاومة بنات وأبناء السودان وقف المجتمع الدولي ومؤسساته السياسية والاقتصادية داعماً ومسانداً لكفاح الشعب السوداني المتسق مع كفاح الإنسانية في هذا القرن ضد قوى الظلام والتخلف مسانداً له ومحاصراً للانقلاب، فقد أيقن الانقلابيون أن طريق إكمال الإلتفاف على أهداف الثورة مسدود، فقرروا الانسحاب التكتيكي بإعلان قبول الحوار من أجل استعادة المسار الديمقراطي الانتقالي من خلال عملية سياسية تيسرها الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي والإيجاد.

(2)

* لقد أكدنا ترحيبنا بأي عملية سياسية ذات مصداقية لإنهاء الانقلاب كخيار موضوعي ومجرب لفض المنازعات بطريقة سلمية وآمنة، واستعادة المسار الديمقراطي، وحدّدنا الشروط الموضوعية لتهيئة المناخ، وتفاءلنا خيراً بالاستجابة المحدودة لهذه الشروط بإطلاق سراح المعتقلين ورفع حالة الطوارئ، وأكدنا على أهمية احترام وحماية الحقوق الأساسية للمواطنين، وفقاً للمعايير الدولية كما ورد تفصيلها في العهدين الدوليين للحقوق السياسية والمدنية.

(3)

* تقدّمت البعثة الدولية يونيتامس وفقاً لقرار تكليفها من مجلس الأمن الدولي بمبادرة إستطلاع أصحاب المصلحة في التحول الديمقراطي، تواصلت البعثة مع قطاع واسع من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني ولخصت حوار وإجابات في وثيقة أصحاب المصلحة في خمسة عشر توصية تقتضي إجابات عاجلة من خلال حوار غير مباشر، تطوّرت مبادرة يونيتامس لتشمل الإتحاد الأفريقي والإيجاد وهو توجه جيد ومقبول في إطار مبادرة الاتحاد الأفريقى المعلنة الحلول الأفريقية للأزمات الأفريقية، لقد باركت قوى مقدرة من قوى الثورة المقاومة للانقلاب التوجّه نحو مبادرة الحل السياسي لإنهاء الانقلاب واستعادة الانتقال الديمقراطي في هذه الأثناء انفجرت حملة سياسية موجهة من داخل السلطة وخارجها لإبتزاز قيادة المبادرة الأممية والتهديد بالطرد وآخرين مهدّدين بقتل مديرها فولكر بيرتس وعدم التجديد للبعثة، حسم مجلس الأمن الدولي قرار بقاء البعثة ومديرها في البلاد وفق المهام المعلنة في قرار تكوينها، هدأت عاصفة طرد البعثة وبدأ التكتيك الناعم للسيطرة على العملية السياسية المطروحة بخلط الأوراق بحجج ومنطق ملتبس، منها قيام عملية سياسية جامعة لا تقبل الإقصاء بعضهم وقف في جامعة إلى دون المؤتمر الوطني المحلول، والبعض كان كريماً شمله من عدم الإقصاء رغم حله الكامل ومصادرة ممتلكاته بقانون ساري إلى اليوم، خلط شامل للكروت جمع الشامي والمغربي بهدف إغراق العملية السياسية وضياع هدفها المركزي، المتمثل في إنهاء الانقلاب، واستعادة الحكم المدني، وعودة القوات المسلحة للثكنات End Of The Game، أي عملية سياسية لا تحقّق هذه الأهداف تعتبر فاشلة.

(4)

* فتحت العملية السياسية الباب واسعاً لصراعات الرغبات والأطماع والإرادات المتقاطعة بهدف تمييع القضايا المركزية وتعويم الانقلاب وشراء التوافق مع المجتمع الدولي الذي يدعم الحل السياسي، فقد تمّت دعوة عدد من الأحزاب السياسية التي لم تشارك في الثورة ورموزها الذين كانوا وزراء في النظام المخلوع حتى ليلة سقوطه مع المؤيدين للانقلاب من تنظيمات الكفاح المسلح الموقعة لإتفاق جوبا، بالإضافة لتنظيمات شاركت في الإنقاذ وخرجت منها قبل سقوطها

هذا الحشد من الفرقاء جيد ومطلوب لمناقشة ترتيبات الإنتخابات المزمع عقدها في نهاية عمر الانتقال، فهي عملية لن يعزل فيها أي سوداني لم يطله القانون بإرتكاب جريمة تمنعه من المنافسة السياسية

لكن قضية استعادة المرحلة الانتقالية وتحديد مرجعيات الانتقال لإختيار الجهاز التنفيذي والتشريعي وإجازة الأهداف، على الأقل 40% من حشد الأمس لا يصلح لهذه المهمة Unfit For Purpose لأن معظمهم من مؤيدي الانقلاب واستمرار عزل قوى الثورة وتغبيش الموقف على المجتمع الدولي لضمان مساندته، فقد كانت متلازمة فندق كلفورنيا واضحة وسطهم الذين يعلنون عدم الصِلة بالانقلاب وهم يدعمونه Check In No Check Out.

(5)

* مازال أمام الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي والإيجاد وأصدقاء السودان فرصة لإعادة فرمطة حشد 8 يونيو، لترتيب الأطماع والطموحات، وتحديد إمكانية الرغبات، وتنسيق صراع الإرادات الضار، وإعادة ترتيب التنظيم والأجندة لعملية تفاوضية ذات مصداقية تجد احترام الشارع العام، لتشمل في المرحلة الأولى القوى المقاومة للانقلاب، وممثلي القوات المسلحة، ومجموعة سلام جوبا، للتفاوض من أجل إنهاء الانقلاب وإعادة النظر في الوثيقة الدستورية وبرنامج الانتقال، وأن ينفتح في المرحلة الثانية ذات الإجتماع على بقية المدعوين لمناقشة قضايا إكمال السلام، والعدالة الجنائية والترميمية، ولجنة التفكيك وإزالة التمكين، وبحث كيفية تمثيل بعضهم في البرلمان المعين، ولجنة الإنتخابات، والمشاركة في المؤتمر القومي الدستوري

السلطة الانتقالية يجب تشكيلها من كفاءات وطنية مشهود لها بالنزاهة والإلتزام بأهداف الثورة والكفاح ضد النظام المخلوع، وليعلم الجميع أنه لا توجد سلطة كافية لكل الطامعين، بقية الأماني تحفظ لقرار سيدنا جميعاً الشعب في إنتخابات حرة وشفافة، يومها يهين الشعب ويكرم من يشاء فليحتفظ الجميع بأحلامهم حية لهذا التاريخ الفاصل الذي يحضر فيه أبو قرجة ويفك الهرجة.

(6)

** ختامة

خيار الحل السياسي لا يمكن الاستغناء عنه في عصرنا الراهن مع خيارات تصعيد المقاومة الأخرى، بل يجب البحث بجدية من كافة قوى الثورة، عن كيفية تحقيق عملية سياسية شاملة ذات مصداقية تحقِّق طموحات أبناء وبنات السودان في الحكم المدني بكفاءة وحسم وشفافية وبأقل الخسائر والمهدّدات للانزلاق في هاوية الصراعات العدمية

الجنة قرار وجهنم قرار على الشعب أن يختار.

9 يونيو 2022م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى