أخبارأعمدة ومقالات

معضلة شيرين.. ميزان الثبوت بين القيم والأحكام

علي عبد الرحيم

 

معضلة شيرين
ميزان الثبوت بين القيم والأحكام

علي عبد الرحيم
٢٩ مايو ٢٠٢٢

” يبدو لي أيها السادة أنّ العصبية وحدها هي التي تحول دون اتفاق الناس في أمور الدين. سأروي لكم قصة توضح ما أعنيه” هذه العبارة نطق بها رجل صيني من أتباع الفيلسوف كونفوشيوس بعد أن اختصم إليه ملحد فارسي ووثني افريقي ورجل من البراهمة وصيرفي يهودي ومبشر كاثوليكي وقسّيس بروتستانتي وتركي مسلم يعمل في مكتب للجمرك، كلهم يقول إن إلهه الذي يعبد ودينه الذي يتبع هو الحق دون غيره، والمشهد مأخوذ من قصة قصيرة كتبها ليو تولستوي، الفيلسوف والروائي الروسي المعروف، الذي اختار، رغم عقيدته المسيحية الراسخة ، أن يضع الحكمة على لسان رجل صيني من أتباع كونفوشيوس. ولعل تولستوي أراد أن يمنح هذا الفضل لرجل بعقيدة محايدة لا يزعم انحصار الحق في مذهبه.
حصرية الحق والفوز والخلاص عقيدة قديمة ولكن الجدل حولها لا ينفكّ يحتدم في كل حين إذا مات بين الناس أصحاب الفضل المشهود لهم بخصال كريمة من مختلف أهل المذاهب والأديان وهذا أمر محتوم. فالمجتمعات الإنسانية ظلت منذ فجرها تجمع في داخلها أخلاطاً من الأعراق والمذاهب والأديان والعقائد وغير ذلك مما يفرضه اختلاف أذواق الناس وأفكارهم. هذا الاجتماع لا ينحصر في الجغرافيا أو مشاركة موارد الأرض بل يتعداه بطبيعة الحال، خاصة في المجتمعات الحديثة، ليشمل الجوار في السكنى والمصاهرات والمزاملة وكل ما يُنشئ بين الناس أواصراً من الودّ والإلفة. هذا الحب القائم على أسس إنسانية خالية من العصبيات، بل ورغماً عنها، هو ما يَعرِض عقيدة الفوز الحصري لامتحان عسير ومستمر يزيد شدة في حالة الموت. وأبرز الأمثلة على ذلك هو ما أشكل على المسلمين عندما قتل الإسرائيليون مراسلة قناة الجزيرة الفلسطينية شيرين أبو عاقلة أثناء نقلها للأحداث من جنين. شيرين ظلت طوال سنوات عملها الصحفي التي فاقت العشرين في الجزيرة وحدها تمثل في وجدان العرب والمسلمين صوتاً للقضية الفلسطينية والنضال الفلسطيني ضد الاحتلال، وهي قضية كل المسلمين وكل العرب مسلمين ومسيحيين، وشيرين كانت مسيحية. ولشدة الحزن الذي عمّ أرجاء الأمة العربية لموت شيرين، ضجّ الناس بدعوات الرحمة والقبول لها، واحتسبوها شهيدة عند الله كونها قُتلت بيد عدو ظالم. هذا الجُؤَار العالي والملحاح بالدعوات لشيرين بالمعاد الطيب عند الله لم يلبث أن أشعل ذلك الجدل القديم حتى قبل أن تجف تربة قبرها. وقد انقسم المسلمون في هذا الشأن مذاهب شتى يمكن حصرها في ثلاثة مذاهب بعد أن نستبعد بعض التي تعوز في تقديري أي قيمة كمن يسأل عن جواز الترحم لا جواز الرحمة، فهذا يريد أن يريح ضميره بالدعوة لها بالرحمة ولا يشغل نفسه إن رُحِمت فعلا. أو ذلك الجدل العقيم عن جواز تسميتها بالشهيدة في سبيل الواجب لا الدين وما أشبه هذا الخطل.
ذهب فريق من المسلمين، إذا، إلى القول إن النصوص تشكل عقيدة واضحة في شأن غير المسلمين، وذلك أنّ كل من بلغته دعوة الإسلام ومات على غيره فهو في النار. وهؤلاء ضحّوا بالحسّ الإنساني السليم مقابل الإتساق والالتزام العقدي. فريق آخر ذهب إلى العكس وقالوا إنّ شيرين تشملها رحمة الله وقبوله لما عرفوه عنها من خصال إنسانية طيبة ولمقتلها على يد الظالمين وهي تؤدي واجبها. وهؤلاء قدّموا الحسّ الإنساني وخالفوا العقيدة ولكنهم لم يبينوا أيّ أساس لهذه المخالفة. الفريق الأخير أراد أن يجد أرضاً وسطاً فحاولوا أن يتأولوا النصوص أو يقولوا بالتوقف (بمعنى أن لا يطلقوا حكماً على المسألة) أو غيرها من المخارج. والمؤسف في حالة هذا الفريق وبعض أهل الفريق الأول أنهم في حرجهم البيّن تجاه المسألة كأنهم بلسان حالهم يدَّعون لأنفسهم رحمة تجاه شيرين أكبر من رحمة الله بها، ولكنهم عاجزون عن تغيير مصيرها المحتوم بحكم شرعي قاسٍ!
الحرج من بعض النصوص الدينية يقوم أحياناً بسبب غرابة النص نفسه، وكثير منا يذكر تحدي الشيخ أحمد ديدات رحمه الله للقس جيمي سواجارت ليقرأ على الناس الآية ٢٣ من سفر حزقيال لما فيها من بذاءة يعفّ عنها عامة الناس بَلْهَ كرامهم. أو الحديث في صحيح البخاري الذي يَنسِب إلى نبينا الكريم لفظاً يَعُدُّه الناس من ساقط الكلام. ولكن الحرج في أكثر الأحيان يأتي من الأحكام التي تقوم على النص لا من لفظه. والأمثلة أكثر من أن نحصيها هنا ولكن نذكر من ذلك ما درج الناس على تسميته بأحكام الحدود ورضاع الكبير وزواج الصغيرة وجواز الرق وغير ذلك. كل هذه الأمور يذهب فيها الناس ذات المذاهب الثلاثة: التزامٌ صارمٌ بحكم النص يتجاهل أيّ مخالفة لهذا الحكم للمنطق السليم أو القيم الإنسانية العامة؛ أو مخالفة صريحة للحكم رجاء موافقة الحس السليم دون تأسيس للمخالفة؛ أو محاولات توفيق تنتهي إلى تلفيق حيث تتجنب آراء هذه المدرسة مواجهة جذور المشكلة، وهي جذور عميقة تصل إلى أصل مفهوم “الحكم الثابت” والأسس التي يقوم عليها هذا الثبوت. عقيدة الفوز أوالخلاص الحصري هي نموذج جيّد لدراسة هذه المشكلة العامة.

أصل عقيدة الفوز الحصري في الإسلام

النصوص العديدة من القرآن والسنة التي تدل على انحصار الفوز في الآخرة على المسلمين دون غيرهم تقوّي حُجّة من يقول إنّ هذا الفهم يمثل العقيدة الإسلامية حقًا. فآيات القرآن تحدثنا أن الدين عند الله الإسلام ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، والذي يحتج أنّ أهل الكتاب من المسلمين باعتبار أنّ كل الأنبياء جاؤوا برسالة الإسلام، فسيُرَدُّ عليه بأن المسيحيين، مثلًا، مشركون لأن القرآن يقول إنّ الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة قد كفروا. بل إنّ الآيات تبدو صريحة حتى في منع الاستغفار للكفار، وقصة أبي طالب عمّ النبي وحزنه الشديد على وفاته كافراً معلومة. والأمثلة عديدة كقصة النجاشي ومخيريق اليهودي الذي قاتل مع المسلمين في أُحُد وقُتِل فيها. حتى أمّ النبي عليه السلام، عمّ القول أنها وأباه في النار وهو ما شقّ على بعض الناس فأخرج قصة أنّ الله أحياهما للنبي فنطقا بالشهادة ثم ماتا ثانية. هذه الأمثلة تنبهنا إلى أنّ الحرج قديم كالنصوص التي سبّبته، وهذا يزيد المشكلة. فلو كان ثمّة مخرج من هذا الحرج لبادر إليه النبي شفاعةً لعمه أو لوالديه.
ولكن أركان المعضلة لا تقف على هذه الأدلة المتعاضدة، وإلا لانحلّ الإشكال وتبنينا جميعاً موقف المذهب الأول في الحكم بالنار على كل من مات على غير الإسلام بلا جدال. ولكن الحقيقة هي أنّ هذه الأدلة بكل ما يظهر من قوتها لم تكن كافية لمنع الجدل في المسألة، وهذا دليل على أنّ الحسّ الإنساني – سمِّها الفطرة السليمة – يرفض هذا المذهب رفضاً شديداً يوازي عند الكثيرين – بكثرة من ذهب المذهبين الأخيرين وبعض الأول – أدلة النصوص والسيرة. والمفارقة شديدة الإزعاج ولكنها بالغة الأثر في هذا الجدال هي أنّ الدلالة الخفيّة في هذا الحرج من الحكم هي أننا نحسّ عطفاً ورحمة تجاه أناس نرى أنّ الله حكم عليهم بالنار. وهذا لا يخرج عن أمرين: إما أننا نظن في أنفسنا رحمة يفتقر إليها رب العالمين، تعالى عن ذلك الرحمن الرحيم، وإما أننا نظن فيمن مات على غير الإسلام استحقاقاً خافياً لهذا المصير البائس، شرّ مكنون في هذا الانسان لا يعلمه إلا الله. والفطرة كذلك لا تقبل أن يكون هذا الشر إلا عملاً يؤذي الناس لا عقيدة تقوم على قناعة. فلو صحّ أنّ الشر في العقيدة كما هو في العمل لصح أن يخلُد أصلح الناس أخلاقاً وأنفعهم للناس في النار لعقيدة في رأسه بينما ينجو من نطق الشهادة من ذلك المصير ولو كان جباراً في الأرض.
لا شك أنّ الأمرين لا يستقيمان في أبسط معيار للعدل الإنساني، ونسبة أيّاً منها لله الرحيم العدل تجافي فطرة المؤمن. كيف والحال كذلك نفهم تلك القاعدة الصارمة والثابتة في الدين التي تقول إنّ الخلاص (عند المسيحيين) أوالفوز(عند المسلمين) يقوم في الأساس على العقيدة الصحيحة لا العمل الصالح؟ كيف نقبل نتائج الالتزام بهذه القاعدة والتي تقضي بأنّ عبد الله بن زياد المسلم قاتل آل النبي خير من عمه الكافر الذي حماه ومن النجاشي النصراني العادل الذي آوى أصحابه؟ بل إن منطق هذه القاعدة يقتضي أنّ إبليس اللعين يبقى خير من بوذا وكونفوشيوس المصلحين، فإبليس لا يعدو أن يكون عاصياً لربه ولكنه لا يفتقر إلى الإيمان بالله الواحد بينما بوذا وكونفوشيوس لا يُعلَم لهم اعتقاد في التوحيد. لا غرابة إذًا أننا سنقبل أن يكون أيّ سفاح من طغاة المسلمين خير من شيرين أبو عاقلة!
يمكننا أن نتتبع أصل قضية حصرية الخلاص والفوز إلى التطور في عقيدة بني إسرائيل التي بدأت بتفضيل إلههم يهوه على إله الكنعانيين بعل والشعوب الأخرى دون انكار لالوهيتهم، ثم تطور الأمر إلى (توحيد) الألوهية عندهم حيث قرروا أن يهوه ليس إله بني إسرائيل وحدهم بل هو إله العالمين. هذا أنشأ عقيدة التوحيد، ;كذلك فإنّ البعث والحياة الآخرة لم تكن في عقيدتهم منذ البداية بل جاءت لاحقاً وكانت متسقة مع مفهوم الحياة الآخرة في معظم الأديان والتي تقتضي جزاءً حسناً للعمل الصالح وعقاباً لمن يعمل السوء. ولكن المسيحية في طور من أطوارها وإثر عصبية دينية محضة بدّلت عقيدة الخلاص في الآخرة لتقوم على أساس الإيمان بيسوع لا أساس العمل الصالح. وكما هي العادة فلن تعجز دعوة لعصبية من نص ديني تتخذه دليلاً، وقد اعتمد هذا المذهب في المسيحية على رسالة أفسس، الإصحاح الثاني الذي يقول “فبنعمة الله نِلْتُم الخلاص بالإيمان. فما هذا منكم، بل هو هبة من الله، ولا فضل فيه للأعمال حتى يحق لأحد أن يفاخر. نحن خليقة الله، خلقنا في المسيح يسوع للأعمال الصالحة التي أعدّها الله لنا من قبل لنسلك فيها”. والدلالة في الجملة الأخيرة من الإصحاح فيها إشارة تختلف عمّا تقوله قاعدة (الإيمان لا العمل) التي زادت صرامتها مع البروتستانتية فيما بعد. بل إنّ المؤرخين ذكروا أنّ هذا الكلام المنسوب نصاً أو معنى إلى القديس بولس كان في سياق محاولته لتوحيد الكنيسة بين اليهود والأميّين. ولو صحّ هذا الكلام فيمكننا أن نرى فيه محاولة بولس لطمأنة الفريقين أنّ اختلاف شرائعهم لن يكون سبباً لاختلاف المصائر عند الله، فالله ينظر إلى إيمانهم بيسوع أساساً للحكم عليهم وهذا أمر قد اجتمعوا عليه.
ذات الأمر يمكن أن نجده في نصوصنا الإسلامية. فتصحيح العقيدة عند أمة كانت تعبد الأصنام أمر مفهوم، وربط القرآن للإيمان بالعمل الصالح يدل على أنّ الرسالة في ذلك السياق التاريخي كانت حريصة على حفظ الإتزان بين إعادة توجيه العبادة إلى الله تعالى وتوكيد مركزية العمل الصالح حيث تتكرر الإشارات إلى أنّ “من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره” (7، 8 الزلزلة) و “لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124)وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125)” (النساء) وغيرها من الآيات. أما آيات الفوز الحصري فيمكن تأويلها في مستويات اللغة والتاريخ لتعطي معنى أكثر شمولاً مما ذهب إليه المسلمون. حتى منع النبي من الاستغفار للمشركين فلا يوجد ما يقطع لنا بأنّ المقصود هو عمه أبو طالب. هذا الجهد في إيجاد المخارج من الأزمة ممكن وقد قام به كثيرون وهو نبيل المقصد، ولكن الاعتماد عليه كمنهج يعيدنا إلى حالة الهروب من أصل المشكلة والتي ذكرت أنّ الخير لنا أن لا نمضي فيها، بل نواجه المسألة بشجاعة وجرأة.

أصل المشكلة: ثبوت الأحكام

صحيح أنّ القضية التي نحن بإزائها الآن هي قضية عقدية في الأساس ولكنها مرتبطة بمسألة الأحكام بجامع مشكلة الثبوت. كنت قد بيّنت في مقال “أصفاد الدين” الملامح العامة لهذه المشكلة وخلاصته أن البراهين التي يقدمها الأصوليون حجّة للقطعية في الكلام والثبوت المطلق في الأحكام والعقائد هي براهين قاصرة عن تلك الغاية العسيرة. بل إنّ الثبوت نفسه ليس ضرورياً ابتداءً، وإلا فما الغاية منه؟ إن كانت الغاية هي استقرار أصول الدين وأحكامه وحفظها من التغيير فهذا التفاف على السؤال الذي يظل قائمًا، فما الغاية من حفظ هذه الأحكام؟ والحق أنه لم يعد عسيراً رؤية أنّ ثبوت الأحكام مع تغيّر أحوال الدنيا والناس عبر آلاف السنين صار مثار اهتزاز وارتباك في شأن الدين وعين الحفظ تكون في التغيير. أما إن كانت الغاية هي الإلتزام بالنص لقداسته عند المؤمنين مع غضّ النظر عن آثار ذلك الالتزام على أحوال الناس، فالسؤال الذي يفرضه هذا الرأي هو: كم ينبغي أن يصل الضرر في حال الناس أو مخالفة المعقول والحسّ السليم قبل أن يصبح مقبولًا لنا أن نشك في صحة النص أو صحة فهمه؟ وهنا تحضرني عبارة للفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم في نقده لمفهوم المعجزة حيث يقول إنه لا توجد روايات تحكي عن معجزة حصلت في زمن أو مكان ما يمكن أن تُثبت صحة المعجزة إلا إذا كانت الروايات بدرجة من القوة حيث يكون كذبها بمثابة معجزة أكبر من تلك المرويّة! وقياساً على هذا المعيار أقول إننا لا ينبغي أن نقبل ثبوت الحكم الشرعي إلا إذا كانت ثقتنا في صحة البراهين التي يقوم عليها الحكم أكبر من ثقتنا في خطأ النتيجة التي يؤدي إليها. والمثال هو: إن لم تكن ثقتنا في صحة الأدلة القائلة بحصرية الفوز على المسلمين، سواء ثبوت النص أو فهمه وفهم مراده، أكبر من ثقتنا في صحة ومقبولية نتيجته القائلة إنّ أيّ إنسان لم ينتم إلى أمة المسلمين هو في النار حتى لو كان من أفضل الناس أخلاقاً وأنفعهم لهم، فهذا الحكم إذًا غير ثابت، ولا ينبغي الأخذ به ما دامت نتيجته كذلك. ويبقى هنا أن نشرط ما اشترطه هيوم من قبل، وذلك أنّ الخطاب هنا موجّه للعقلاء، فالمتعصّب عقله مغلول.
المنهج الذي ينبغي أن نهتدي به الآن هو تقديم القِيَم على الأحكام والمعقول على المنقول، واليأس من ثبوت فكرة ما ثبوتاً مطلقاً. هذه هي الركائز الضرورية لأي إصلاح ديني جاد، وهو إصلاح كلما تأخر تأخرنا عن الأمم، حتى لا يبقى من ينتمي لهذا الدين سوى غبراء الناس. وأختم مقالي بتمام قصة تولستوي الذي قال على لسان الحكيم الصيني بعد أن حكى لأصحابه عن اختلاف الناس حول أصل الشمس وموئلها ثم قال: ” لقد شُيّدت المعابد الإنسانية على غرار هذا المعبد الذي شيّده الله للناس، كل معبد له أحواضه وأقبيته وصوره ونحوته ونقوشه وكتبه ومذابحه ومحاريبه وكهنته. ولكن أيّ معبدٍ له حوض كحوض البحر أو قبو كقبو السموات؟ وأيّ شِرعة أوضح لكل إنسان من تلك المغروسة في صدره؟ وأين تلك المصابيح الباهتة التي تضيء المعابد الإنسانية من الشمس والقمر والنجوم؟ أو تلك الصور الجامدة من رجال أحياء تعمر قلوبهم بالحب؟ وأيّ مذبح يقاس بقلب رجل كريم وقد رضى الله به مذبحاً لتقديم القرابين له”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى