أخبار

«هاؤم اقرؤوا كتابيه»

 

خارج المتاهة  

«هاؤم اقرؤوا كتابيه .. صدق الله العظيم»

محمد عتيق

هدف الأهداف (إذا جاز التعبير ) في ثورة ديسمبر ٢٠١٨ الجارية هو استعادة الجِدِّيَّة وإعادة الاعتبار لقيم الصدق والدقة في القول وفي الفعل (بجانب الأهداف الوطنية والديمقراطية المعروفة) ، فقد امتلأت حياتنا بالدجل والاستهبال والتعلُّق بمفردات وأقوال خاويةَ المضامين ، بهتت مع الزمن بسبب التكرار وعدم الاهتمام ، وهي الحالة التي تعمَّقت في مجتمعنا عندما استطالت عهود الاستبداد وابتذال القيم والمعاني الدينية فاصبحت تلك الحالة من الوهن و”الهيافة” ثقافةً تَسِمُ مجتمعنا وحياتنا بالضعف وبالهشاشة (بالفارغة والمقدودة) ..

انفجار الثورة بهذا العنفوان والتدافع المدهش على تقديم الأرواح في محاريب الوطن جاء إيذاناً بكنس تلك الثقافة الكسيحة واستعادة الألق والمضمون لكل قولٍ وموقف ، لكل هدفٍ تتم صياغته ، ووعدٍ يتم إطلاقه ، أو بالأحرى ؛ عدم إطلاق الوعود قبل استكمال أسباب ومتطلبات إنجازها في الواقع المحدد .. إيذاناً ببدء عهد جديد يجعل من الصدق قيمةً عليا في القول وفي الفعل ..

هذه الأجيال الجديدة التي جاءت إلى الحياة ولم تجد أمامها غير النظام الساقط الذي ظلت أبواقه (الإعلامية والتعليمية) تنعق ليلاً ونهاراً بإسم الدين ، وتضُخُّ تديُّناً شكلياً متهافتاً للتغطية والتستُّر على الشرَهِ في نوازع الدنيا المادية والحسية وتنفيذها بوحشيَّةٍ مستبِدَّةٍ وقاتلة .. الأجيال التي لم تَرَ غير ذلك ثقافةً ، وخضعت لأسوا أنواع المناهج التعليمية حشواً وتجهيلاً متعمَّداً وإضعافاً للعقل وللتفكير واستسلاماً للقَدَرِ البائس ، إلَّا أنها كانت على موعدٍ مع التاريخ لصناعة مستقبلٍ آخر ، مستقبلٍ لها في وطن يعجُّ حريةً وسلاماً وعدالة .. أجيالٌ ذهبت إلى الحداثة في مظانِّها بالتعامل مع ثورة العصر في الاتصالات وتطبيقاتها في وسائل التواصل ، فرأت العالم مُلوَّناً بهيجاً ، وأقرانها يعيشون حياةً لائقةً بالإنسان مليئةً بالانجاز المبدع وبالآمال الزاهية لها ولأوطانها فانعقدت المقارنات في الأذهان بين ذلك الواقع وبين حياتهم المظلمة الباهتة ، واشتعل العزمُ في جَنَبَاته فكانت إرادة التغيير التي لم يشهد التاريخ المعاصر – على ما أظن – مثلها في التدافع نحو الموت طريقاً وحيداً للمستقبل الزاهر ، للحياة وللتغيير الجذري لصناعة وطنٍ يضِجُّ بالنمو والسلام والإبداع تحت شعار حرية سلام وعدالة ..

من الطبيعي أن تحتاج هذه الأجيال إلى مَدَدٍ من تجارب الأحزاب (أحزاب الثورة) وقياداتها لتتلاقح معها ، وتتفاعل الأهداف داخل أُطُر الثورة ، وتُسَلِّم لها قيادها نحو مدارج العزّة والشموخ ..
جبهة قوى الثورة غير مُوَحَّدة تسودها روح التنافس – لا أريد وصفها بالسلبي – فلنطالب بأن تكون روح تنافس إيجابي في التسابق نحو تقديم الرؤى والمواقف الأكثر صواباً ودقةً ، والأكثر إسهاماً في معالجة الثقافة المنحرفة الموروثة بأوجهها المختلفة وعلى رأسها وجه الدِّقَّةِ في الحديث ، دقَّة التطابق بين القول والفعل ..

مما لا شك فيه أنّ السياسي الجاد ، والمراقب الأمين لحركة الواقع والأحداث ، لا يرفضون مبدأ كسب الرأي العام الدولي لقضيتهم ، ودعمه لمطالبهم ، شرط أن يرتبط السعي لذلك مع مهام الإسهام في صناعة الثقافة الجادَّة الجديدة ؛ ثقافة الصدق والدقة في القول والفعل وفي الموقف ..

من هذا المنطلق كان استقبالنا لقرار “المكتب التنفيذي لقوى الحرية والتغيير” بالموافقة على الاجتماع مع المكون العسكري استجابةً لدعوةٍ من المبعوث الامريكي والسفير السعودي ، استقبالاً إيجابياً مستبشراً .. إلَّا أننا نختلف معه تماماً في وصف ذلك الاجتماع ب “اللقاء غير الرسمي”!! إذ ما معنى ذلك الوصف ؟ كيف يكون اللقاء غير رسمي ويتصدَّى لقضايا جدية ورسمية ؟ لماذا لا نسميه إجتماعاً رسمياً استجابةً لاقتراحٍ من فلان وفلان لمناقشة كذا وكذا من قضايا الثورة والمشهد السياسي ؟.. بمثل هذا الوضوح والتحديد الشجاع نعالج القضايا ونساهم في غرس بذور الثقافة الجديدة… وبالتقدم قليلاً ، نجد في بيان الموافقة على الاقتراح/الطلب ، قال (المكتب التنفيذي لقحت) : ” سوف نقوم بطرح ما جرى في الاجتماع بكل شفافية لقوى الثورة والتغيير المُقاوِمَةُ للانقلاب والمؤمنةُ بالتحول الديمقراطي والمدني وإكمال مهام ثورة ديسمبر المجيدة”. فما هي الشفافية المقصودة هنا وكيف يُمكن ممارستها ؟ لأن مثل هذا القول الجميل لا يستقيم في ظل ظروفنا المُشار إليها أعلاه ، إلا إذا قلنا في البيان الصادر بعد اللقاء أنَّ فلاناً (من أعضاء الوفد) قال كذا وكذا ، وفلان: كذا وكذا ، وكان رد المكون العسكري كذا وكذا ، وفلانٌ منهم قال كذا وكذا ثم تعليق الوسطاء “أصحاب الدعوة الَّذين كانوا حضوراً في اللقاء” … هذه هي الشفافية التي يجب أن تكون ، وبمثلها نكسب ثقة جيل الثورة وبقية قواها ونكسب المستقبل ، فهي أقوال لها شهود من كل الأطراف لا مجال فيها للتلوين والتدليس (أمراض وثقافة المرحلة السابقة) ، فنحن نمضي نحو تأسيس عهد جديد للحياة العامة والخاصة في السودان ، لا استهبال فيه ولا خداع ، نقصد كل كلمةٍ نقولها ، بل إنّ ما نقوله وعداً أو وصفاً هو بمثابة الغطاء الذهبي الضامن لنقد التنفيذ (نقد من نقود) .. وهنا تكمن الشفافية المذكورة :”…سوف نقوم بطرح ما جرى في الاجتماع بكل شفافية لقوى الثورة ال…..” وذلك لم يحدث ، بل كرر (المكتب التنفيذي لقحت) في بياناته وأحاديث ممثليه ، أنه قد : “حدَّدنا ثلاث آليات للحل السياسي :
١-الثورة الجماهيرية الشعبية التي تؤدي إلى حكم مدني . ٢- التضامن الإقليمي والدولي .
٣- تسليم السلطة إلى قوى الثورة المدنية ..”

فإذا كانت”الثورة الجماهيرية الشعبية التي تؤدي إلى حكم مدني” هي التي تجري الآن بغنجات ومليونيات لجان المقاومة ، بالدماء والأشلاء والشهداء ، فإن حسم ذلك بحكم مدني إنما يكمن في وحدة قوى الثورة ، فماذا قدم “المكتب التنفيذي لقحت” في هذا المضمار ؟ وبيده الكثير من الفعل الحاسم في هذا الاتجاه .. أما “التضامن الإقليمي والدولي” لا يمكن أن يكون آليةً للحل السياسي، كما أن “تسليم السلطة إلى قوى الثورة المدنية” لن يحدث بالأمنيات ولا بمجرد التكرار لأن الذي قام بانقلاب ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١ قد فعل ذلك معتقداً – ولو مخطئاً – بأنه من قوى الثورة ، إضافةً إلى أنه لم يحدث أن قام إنقلاب عسكري بتسليم السلطة للمدنيين من تلقاء نفسه … لن يحدث ذلك إلّا عنوةً واقتداراً ، و”العنوة والاقتدار” معقودةٌ بناصية”قوى الثورة” مجتمعةً ..
12.06.2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى