أخبار

إنهم يغتالون الأخلاق!

بثينة تروس

إنهم يغتالون الأخلاق!

بثينة تروس

عودة المشهد المتكرر لمسرحية الحوار للساحة السياسية! جنرالات الجيش، واللجنة الأمنية، والجنجويد، الذين يمدون الأيادي أمام الإعلام، يصافحون الساسة في اللقاءات السياسية والحوار مظهرين الحرص على الوطن، أمن شعبه وأمانه، يجزلون الوعود المشتركة في إنهاء الأزمة السياسية، وبالأيادي الأخرى، يضغطون على الزناد، مصوبين الأسلحة الفتاكة، على صدور الشباب في ميدان التظاهرات السلمية.. شباب يعتقد الساسة الكبار، والنخب المعتّقة، أن تمسكه باللاءات الثلاث هي جريمته! في حين بداهة شعار لا للمساومة، ليس بموقف متعنت أو (ركوب راس)، بل هو طرف العدالة الابتدائي، حقهم في عدم الجلوس مع الذين يجرِّمون الثورة نفسها، ويعتقدون أنها فعل باطل، بموجبه تمت فتوى دينية، تجيز قتل ثلث الشعب لمصلحة الثلثين الآخرين أو بالأحرى لمصلحة القلة الحاكمة.. لذلك يقتلون الشباب، ويغتصبون النساء، ويعتقلون الأطفال القصّر، ثم يمشون إلى المساجد، وهم يدوسون على التراب الذي تجري فيه دماؤهم، ولا يجدون في أنفسهم حرج!

وأثبتت الشواهد أن هؤلاء الجنرالات الانقلابيين، خيالات مآته، لا يستحون من أن يكشفوا عورات جهالاتهم أمام العالم، إذ في سابقة فريدة من نوعها، قامت الحكومة بشكوى شباب الشعب، الذي احتفى العالم بسلميتهم، وشجاعتهم، ونموذج ثورتهم الفريد، إلى مجلس الأمن!

بحسب صحيفة مونتي كارلو 12 يونيو: قدّمت الحكومة السودانية شكوى إلى رئيس مجلس الأمن الدولي، ضد الشباب السودانيين المتظاهرين في الخرطوم بحري وأم درمان، أنهم قاموا بتحطيم سيارة ماركة آكسنت تابعة للشرطة، وعربات في قسم الشرطة، وزجاج سيارة، وسرقة حافظات مياه، ومراوح، وملابس، ومكيف، وجهاز حاسوب، وموترين، وموبايل ماركة (موتورولا) وحطّموا زجاج نوافذ القسم، ومرايات، عربات أخرى تابعة للشرطة.. وغيرها من الشكاوى السمجة. وبالفعل قام مجلس الأمن بتسجيل الشكوى واعتبارها وثيقة من وثائق الأمم المتحدة، بحسب طلب الحكومة السودانية! وهي نفس الحكومة التي عجزت عن محاسبة الاخوان المسلمين الذين باعوا ممتلكات الوطن، وخيراته من البترول، والذهب والمعادن، والثروة الحيوانية، وأبادوا، وفسدوا، وقتلوا واغتصبوا، وحرقوا قرىًّ بأكملها، وأذاقوا الشعب السوداني الأمرين، بل أكثر من ذلك صرّح البرهان سابقاً (أن البشير لن يسلّم إلى المحكمة الجنائية الدولية) وأن (المحكمة الجنائية ليست سوى محكمة أوروبية، ذات أجندات سياسية أقيمت لمحاكمة القادة الأفارقة).

بالطبع في غمرة جهالات حكومة البرهان، اعتقدوا أن (خواجات) مجلس الأمن هم نظارات أهلية وقبلية، يمكنهم أن يستخدموها ضد الشعب، ولم يتبينوا أن من بين مهام مجلس الأمن الدولي، التعاون على حل المشاكل الدولية وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان، ووقف تصعيد الخلافات، وتسويتها بالسبل السلمية، ووقف الأعمال العدائية وفض النزاعات بالطرق السلمية، أي الحرص على قيم الأخلاق، وليس إرجاع (المسروقات من أقسام الشرطة)! وتلك الأهداف النبيلة، لا يدري كنهها غير الثوار الذين يقدِّمون أرواحهم، من أجل المدنية والديموقراطية، وتحقيق مطالب الحرية والسلام والعدالة.

ومن مفارقات الانقلابيين وإفلاسهم الأخلاقي أنهم يقتلون الشعب ويشيعون جنائزه! فحين ذهب البرهان، لعزاء تاجر الكرين الذي انتحر، لم يكن من اهتماماته دوافع الإنسانية، ونوايا الاعتذار عن انقلابه الذي قاد ابنهم إلى الانتحار، بسبب تدني خدمات الصحة والعلاج، وضاقت به الحياة في دولة البرهان، وإنما يهمه، كسب تأييد ودعم (قبيلة) ذلك المواطن! وفي الجانب الآخر يأمر باغتيال الذين خرجوا من أجل الحياة الكريمة، حيث سقط شهيد إثر إصابته بطلق ناري متناثر في الصدر والبطن، يرجّح أنه طلق سلاح خرطوش أطلقته قوات الانقلاب في مدينة أم درمان، طفقت مواقع التواصل الإعلامي في البحث عن معلوماته، هويته، اسمه، وسكنه، يعلمون أنه ذاك الأشجع الأشرف الذي خرج من أجل الوطن، (هاشم ميرغني إبراهيم) أستاذ مشارك بجامعة الزعيم الأزهري، لقد لحق بسيرة مئة من الثوار سبقوه إلى الاستشهاد، هم مستقبل تلك الأرض، فيهم المعلم الذي أبت نفسه أن يدرِّس العدل ولا يعيشه، والطبيب الذي لا تسمح له أخلاقه أن تهان زميلاته، فيصم عنهن الآذان، والطالب الشهم الذي يحذِّر الكنداكات من غدر المجرمين المغتصبين، والثوري الذي خشي على سرقة الثورة (من النخب) ولم يهب سرقة عمره اليافع، والمدافع عن لحمة الشعب الواحد (نحن اخوانك يا بليد)، والثائر من أجل الحقوق (الدم قصاد الدم، يا نجيب حقهم يا نموت زيهم)، والمبدعين الذين خلقوا نموذج المدنية، تتقدّمهم  ست النفور، تداوي المرضى وتصنع الأزهار والجمال، كما الذين ماتوا في هوامش البلاد وذاقوا مرارات الإبادات الجماعية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، مستشهدين من أجل حماية الأرض والعرض، جميعهم ينشدون دولة القانون والأخلاق، ومتوحدين على رفض عودة تجربة حكم الإسلاميين.

إن الطريق لحل الازمة السودانية بعد اليوم، لا يتأتى (بالدغمسة) السياسية، وإنما بالحوار الشجاع والشفافية المستحقة، لاستكمال مسار ثورة ديسمبر والتعجيل ببلوغ السلطة المدنية الكاملة، وبناء دولة سودانية حديثة، تتبنى الموقف الواضح بعدم شراكة العسكر والدعم السريع في السلطة، والاستفادة من الوساطات الدولية، واللجنة الثلاثية التي تدعم خط الثورة، في دمج الدعم السريع، والحركات المسلحة في الجيش.. لذلك لابد من وحدة قوى المعارضة بكافة أشكالها، من لجان المقاومة الذين نراهن على انفتاحهم على الوحدة مع جميع القوى الثورية، والالتفاف حول برنامج معلن، تستخلص فيه زبدة المواثيق المطروحة ذات القضايا المطلبية، يشارك فيه جميع مكونات الشعب، لإسقاط الانقلاب والإسراع بإعلان المجلس التشريعي الثوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى