أخبارأعمدة ومقالات

الجزيرة من التساكن إلى التشاحن

خالد فضل

الجزيرة من التساكن إلى التشاحن

خالد فضل

الله لا كسّب الإنقاذيين، وبئس العهود عهدهم اللئيم، فقد عمدوا إلى كل فضائل التعايش في مجتمعاتنا السودانية وحولوها إلى نقائص؛ طمعاً في كسب تأييد زائف وتكبير كوم (مفوفي)، اشتغلوا على التناقضات فاشعلوا بها الحروبات بين المتساكنين دهوراً، ولنا في تجربة دارفور نموذج سوء، صحيح هم لم يخلقوا تلك التناقضات، لقد كانت كامنة، لكنهم قدحوا فيها الزناد عوضاً عن تقريب المسافات أكثر، ولو بداعي ما يرفعون من شعار كذوب عن (أخوة الإسلام)، وقد قال المرحوم داؤود بولاد مقولة سارت بها الركبان ذلك في ردّه على الراحل د. جون قرنق، لماذا اخترت الانضمام للجيش/ الحركة الشعبية وأنت خريج مدرسة الأخوان المسلمين؟ أجاب: لقد اكتشفت أن رابطة الدم والعرق في الحركة الإسلامية أقوى من رابطة الإسلام!!.

ما نالته دارفور من حظّ أوفى من المآسي يجب أن يكون عبرةً وعظةً وتجربةً مريرةً يعمل دعاة التغيير إلى عدم تكرارها أولاً، والشروع الجاد في معالجة ما خلّفته من جراح وتنظيف القيح المتراكم في النفوس بعد ذلك، هنا لابد من لجم خطاب الكراهية والعنف وأدبيات الجهوية والمناطقية والعنصرية، واللجم لا يتم بالبوليس أو وحدات جهاز الأمن أو الاحتياطي المركزي أو حتى فيالق الجيش والدعم السريع، لجم خطاب وممارسة الكراهية يتم بالوعي، والوعي يحتاج إلى فضاء حر ديمقراطي معافى من ممارسات القهر والعنف الرسمي، الوعي كما الماء المنسرب رويداً رويداً، يروي الأرض القاحلة دون أن يجرفها بسرعة التيار، هكذا تعلمنا من نشأتنا (للمصادفة) في أرض مشروع الجزيرة، نعم ولدنا وأجدادنا القريبين طبعاً في الجزيرة فلا نعرف غيرها في الحقيقة (بكان) نرد إليه جذورنا؛ اللهم إلاّ ذاك الإدعاء السائد وسط مستعربة السودان عن الزبير بن العوام والعباس بن عبد المطلب وغيرهم من القرشيين في جزيرة العرب، الغريب ألّا أحد يزعم أن جدّه الكبير عكرمة بن أبي جهل؛ مع أنّ عكرمة هذا قد دخل الإسلام وحسن إسلامه، فلماذا تحاشي الانتساب إليه إن صحّ الزعم ذاك!! أم أنّه كان عقيماً لم ينجب من الذرية الصالحة من هاجر منهم إلى أرض السودان؟؟.

تعلّمنا من الجزيرة ونحن أطفال وشببنا حتى أعتاب الشيخوخة، على تعددية السكنى بين الأعراق والثقافات والمعتقدات، وظلّ هذا الحال مستقراً لعقود، وبطبيعة الإجتماع البشري نشأت العلاقات بين الناس، تقاربت العادات، وكأي مجتمع نشبت بين الناس الخلافات والنزاعات هنا وهناك ولكنها كانت محدودة، يتنادى الناس على أسس القربى العرقية والمناطقية حيناً ثم ينفضون وينسون الحادثة بعد هدوء النفوس وحل الإشكال، وغالباً ما يكون الخلاف حول شوؤن الزراعة والرعي، وفي بعض المناطق تنشأ صراعات الحيازة للأرض، وهو ما حدث مؤخراً في قرية ود النور الضاحية الجنوبية لبركات معقل إدارة المشروع. فقد تناهى إلى علمي أنّ خطة سكنية شرعتها حكومة الولاية خصّصت فيها بضع آلاف قطعة في حرم تلك القرية، تنامت الأخبار عن تخصيص تلك القطع للحركات المسلحة الموقّعة على ورقة جوبا، هنا بدأت معضلة التناقض، فالقرى في الجزيرة معروفة تاريخياً، وأي توسع فيها يتم غالباً بوساطة أهل القرية أنفسهم، تدخّل السلطات الحكومية يكون عبر التصديقات اللازمة، أذكر في قريتنا ود نعمان بجنوب الجزيرة أنّ خطة التوسع اقتضت تحويل عدد من الحواشات الملاصقة للقرية إلى أراضٍ سكنية، وسارت الخطوات بالتدريج بداية بالحصول على موافقة المزارعين أنفسهم ومن ثمّ الجهات المسؤولة في المشروع وصولاً إلى مصلحة المساحة والتخطيط في الإقليم الأوسط آنذاك في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، تمّ تخصيص كل القطع السكنية لسكان القرية دون تمييز عرقي أو جهوي، فاضت القطع عن حاجة الناس، حتى جاءت اللجنة الشعبية في عهد الإنقاذ فباعت الفائض (استثمار) لمصلحة الخدمات في القرية، من ضمن الذين حازوا على القطع السكنية في مرحلتها الأخيرة، مواطنون سودانيون من غير سكان القرية لكنهم معروفون للناس وعلى صلة وثيقة بهم، بعضهم كان يقطن فيما يعرف بـ(الكنابي)، لم تثُر ثائرة الناس ولم يرفضوا مساكنة المواطنين الآخرين طالما تمت بالحسنى، هنا نعود إلى أزمة ود النور، فقد سمعت أنّ قولاً غليظاً قد صدر عن أحد قادة الحركات الداعمة لانقلاب البرهان/ حميدتي، مفاده أنّ الجزيرة ليست حاكورة لقبيلة كذا أو كذا من أسماء القبائل، قوله صحيح إذ لا احتكار لقبيلة في الجزيرة لأرض، ولكن القرى في الجزيرة نشأت على أسس التساكن السلمي بين المتعددين، ولن يستقر الوضع إلا بالتراضي والسلمية، إعلاء نبرة الخطاب الجهوي والعنصري لن يحل المشكلة بل يصعّدها أكثر ويشعل النار من مستصغر الشرر، السودانيون يعانون من مأزق التعايش بين المختلفين، الثقة تكاد تكون مفقودة بين الجميع، وهذا هو أهم الأسباب في تقديري في تعثر مسار بناء دولة وطنية بمفهوم دولة المواطنة، وإن صحّ ما نُسب لذلك القائد فإنّ الأمر يحتاج منه إلى تصويب حتى لا يساء فهم مقصده، الوسائط وأحاديث الناس التي يتداولونها ربما في بعض الأحيان لا يكون نقلها صحيحاً أو يكون النقل انتقائياً لجزء من الحديث أو تستل العبارات التي تحمل الإثارة، كل هذا وارد لذلك يبدو التصويب أو التوضيح أمراً مهماً، وهو يمثل إضافةً للوعي العام في هذه الحالة.

أما الإصرار على نفاذ خطوات حكومة مشكوك في موالاتها للسلطة الانقلابية، فإنّ هذا مما يعقّد الوضع أكثر وأكثر، هذا بالطبع دون إغفال أهمية وضرورة معالجة مسألة السكن للمواطنين الذين يعيشون الآن فيما يعرف بـ(الكنابي)، بالمناسبة مصطلح الكمبو نفسه يحمل معنيين في الجزيرة، فقد علمت أنّ سكان الكنابي في بعض مناطق شمال غرب الجزيرة مثلاً هم من المزارعين الذين تعرّضت قراهم للغرق في سنوات سابقة بفعل السيول والأمطار، فيما سكان الكنابي في مناطق الجزيرة الأخرى هم في الغالب من العمال الزراعيين، ومعظمهم ممن هاجروا واستقروا في الجزيرة في سنوات لاحقة لقيام المشروع، والأخيرين هؤلاء هم الذين يعانون من أوضاع قاسية لجهة سكناهم على (قيف) الترعة أو المصرف في معسكرات تكاد تنعدم فيها الخدمات، وفي سنوات الإنقاذ الغابرة كان يتم استخدام هذه الأوضاع لتقديم الخدمات نظير الولاء، إضافة إلى الابتزاز نتيجة ضعف أوضاع معظمهم في الحصول على الوثائق الرسمية كالرقم الوطني والجنسية وغيرها، كان يتم استغلال هذه الأوضاع للابتزاز وتكبير كوم المؤتمر الوطني بمثل هذه العضوية، هذا الأمر فاقم في بعض المناطق من مشكلة وجود هذه (الكنابي) وأثّر على تعايش سكانها مع سكان القرى المجاورة، لقد بدا الأمر لسكان القرى وكأن سكان (الكنابي) يستقوون بكونهم تبع المؤتمر الوطني، وأن الحكومة تساندهم، فباتوا يتغولون على بعض الأراضي الخالية في القرى أو في المساحات خارج التخطيط المعروفة بـ(البلدات)، وأتصور أنّ المسألة في ود النور لا تخرج عن هذا الإطار مصحوباً بما يشاع عن تخصيص مسار لـ(الكنابي) في اتفاقات جوبا، وهذا وضع يحتاج إلى إعمال الحكمة والهدوء قبل التهويل والتهويش والتصريحات الحادة وردود الأفعال العنيفة.

أرجو تسوية المسألة بما يحفظ حقوق الجميع، فأرض السودان واسعة ويمكنها حمل كل سكانها وأضعافهم إذا (طابت) النفوس وعادت البلاد لسكة الديمقراطية والحريات وسقط الانقلاب الذي قطع طريق التطور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى