أخبارأعمدة ومقالات

لجان المقاومة وتداخلات الحراك الثوري مع العبقرية الشعبية

قصي همرور

لجان المقاومة وتداخلات الحراك الثوري مع العبقرية الشعبية

قصي همرور

قصي همرور

الإمساك بفهم الظاهرة التاريخية أثناء تخلقها صعب، ولعله لبعض ذلك فالمؤرخون عادة ما يفضلون دراستها بعد مرور فترتها الأساسية أو بعد انقطاع حراكها. مثلا، يصعب فهم شخصية تاريخية، يمكن أن تُعدّ مدرسة أو ظاهرة في ذاتها، أثناء حياة تلك الشخصية وأثناء حراكها أو عنفوانها، فالقصة لم تنته بعد؛ لكن بعد انقطاع حياة تلك الشخصية، لأي سبب، تصبح لدينا قصة تاريخية أكثر اكتمالا، وتكون دراستها أكثر إمكانا. لكن بعض الظواهر لا يمكن تركها تستمر بدون محاولة فهم، لأن تخلّقها جزء من مصالحنا وطموحاتنا وتحدياتنا المعاصرة، ولأنها تتأثر بنا ونتأثر بها، فكأننا جزء من تخلّقها (أو من ظروف تخلّقها)، ومن ثمّ فإن تناولنا لها بالفهم النظري (والفهم الهادي للعمل- البراكسس) جزء من قصتها التاريخية نفسها. وهذا هو حال لجان المقاومة في السودان.

أربع مسائل نمر عليها سريعاً- ريثما نعود لها بالمزيد من التفصيل- تتعلق بالتحرك السياسي والاقتصادي للجان المقاومة:

1- مجموعة من الاقتصاديين المشتغلين مع لجان المقاومة اشتغلوا مع اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير، وكانت مقترحاتهم أقرب لتلك اللجنة (التي كانت حالة استثنائية نفسها، بحيث أن القوى السياسية لم تدعمها رغم أنها أتت منها افتراضاً). أيضاً تم تدشين الطبعة الثانية لكتاب “من التبعية للتبعية: صندوق النقد الدولي والاقتصاد السوداني” لعلي عبد القادر علي (الخرطوم، 5 يناير 2022)، بتنظيم فريق المقاومة الاقتصادية (ميدانيون من لجان المقاومة وأصحاب خبرة في الاقتصاد والتخطيط)، في إطار تعزيز الحوار المجتمعي حول السياسات الاقتصادية للتهيئة للديمقراطية الرابعة.

2- أثناء الفترة الانتقالية، اشتغلت لجان المقاومة في الخدمات (وظهر اسم “لجان الخدمات” التي إما انبثقت من لجان المقاومة أو تصدى لها أعضاء لجان مقاومة، أو كان تغيير الاسم فقط في إطار العمل الميداني للخدمات). أيضا اشتغلت في مستوى من الوعي الاجتماعي- اقتصادي، مثل العمل على زيادة التوعية بالتعاونيات.

3- طريقة صناعة المواثيق السياسية– ليس المواثيق نفسها فحسب، وإنما طريقة صناعتها– عملية سياسية قاعدية رفيعة المستوى؛ وما نعنيه برفيعة المستوى ليس أنها حصلت في ظل أجواء ودية ورفاقية جميلة وسلسة، فذلك لم يحصل، إنما أنها مرّت عبر مخاض صعب ومؤلم، ومزعج كثيرا أحياناً، تطلب صبرا، ثم المزيد من الصبر بعد فراغه، والعمل المستمر على إعادة التركيز على الصورة الكبيرة. فقد شهدت تلك الصناعة تطوراً تصاعدياً، ونقاشات ومداولات شتى، ثم تلاقيات بين مواثيق وبيانات متعددة، تستمر حتى تتآلف وتخرج بصيغة مشتركة والتزام مشترك، وقد شمل هذا التطور جميع ولايات السودان بصورة ندية (أفقية/ حلقية) تصاعدت وتمركزت بصورة نسبية وحاولت أن تكون حسب الحاجة فحسب (أي في المستوى المطلوب من المركزة لا أكثر من ذلك)؛ وقد أخذ هذا الأمر زمناً وعملاً كثيراً بلا شك، وواجه تحديات يمكن تصوّر بعضها ويمكن الاطلاع على بعضها الآخر.

أما المحتوى نفسه فمن النادر أن تلمس في المواثيق السياسية السودانية مستوى الأدب السياسي الذي رأيناه مؤخرا في الميثاق الثوري لسلطة الشعب مثلا (مثلاً، تجد في حنايا الميثاق صدى أملكار كابرال ووالتر رودني، من بين أهم أًصوات حركات التحرر الوطني الأفريقية ومنظّريها).

لاستيضاح هذا الأمر يمكن مقارنة هذا الميثاق (وميثاق تأسيس سلطة الشعب) مع الميثاقين: الميثاق السياسي لقوى نداء السودان لإعادة هيكلة وبناء الدولة السودانية (2016) وميثاق الفجر الجديد (2013، قوى الإجماع الوطني والجبهة الثورية)- هذان الميثاقان المذكوران اشتغلت وتوافقت عليهما قوى سياسية كلاسيكية ومخضرمة ومتعددة، لكن مستواهما (أي الميثاقين) لا يزيد على مستوى ميثاقي سلطة الشعب صنعة اللجان، إن لم نقل أقل أن ميثاقي اللجان أعلى مستوى. أيضا تقوم لجان المقاومة في شتى بقاع السودان حاليا على محاولة عمل شيء، إذا تم فإنه سيكون اختراقا سياسيا-شعبيا لم يحصل في تاريخ السودان من قبل، وربما في التاريخ الحديث إجمالا، ألا وهو توحيد كلمة لجان المقاومة في السودان كله في ميثاق واحد، أو صيغة واحدة، أو مبادئ عامة واحدة وواضحة. هذه الخطوة، بجانب محتواها نفسه، هي خطوة فلكية بشتى معايير العمل العام.

4- صدور جريدة “ما العمل”، وهي دورية، نصف شهرية، تصدر عن “مكتب بشاير الوعي الثوري، كرري، الخرطوم”، وقوامها كتابات [كتابة و/ أو صياغة] أعضاء لجان المقاومة، لتكون صوتا للجان “يعبر عنهم ويسهم في تطوير اللجان والحراك الثوري عموماً”.

الحراك عندما يقوم بإنتاج كلمة مكتوبة، مرتبة ومرجعية ودورية، فتلك من إشارات انه في الطريق الصحيح للانتقال من الحشد الى التنظيم. ولجان المقاومة متحركة في ذلك الطريق، بخطوات ملموسة، منذ فترة، كما جاء أعلاه.

هذه علامات واضحة، بالنسبة لنا، على أننا نشهد تطوراً مهماً في الحراك الشعبي، الاجتماعسياسي، السوداني، وأن هذا التطور متبلور بصورة كبيرة في قصة لجان المقاومة. ونحن نشهد هذا التاريخ يُصنع أمام أعيننا.

الحراك عندما يقوم بتنسيق جهوده بهذه الطريقة، والاهتمام بقضايا محورية، كالاقتصاد السياسي، بهذا المستوى، وعندما يقوم بإنتاج كلمة مكتوبة، مرتبة ومرجعية ودورية، فكل تلك من إشارات انه في الطريق الصحيح للانتقال من الحشد الى التنظيم…. وياله من تنظيم.

بجانب ذلك، نشير أيضاً لأمرين من واقع تلك اللجان؛ الأمر الأول أنها، بطبيعة تشكيلها وتنظيمها، كانت منفتحة على أصوات النصح والمشورة من خارجها بصورة جيدة، بل وسعت في حالات كثيرة لاجتذاب النصح والمشورة ممن توسمت فيهم النصح والمشورة (أفراد ومجموعات)، لكن وفق شروطها هي وحسب تقديراتها هي في نهاية المطاف، وهذا مهم. والأمر الثاني أن اللجان، بخلاف غالبية الصورة النمطية عنها، فيها عضوية مقدرة من الخبراء في مجالاتهم وذوي المعرفة والإجازة المهنية، فهنالك مهنيون قانونيون، وهنالك اقتصاديون أهل باع، وهنالك أهل براعة في تكنولوجيا الاتصالات وفي اللوجستيات، وهنالك أطباء وطبيبات، الخ؛ وهنا أتحدث عن العضوية المباشرة لتلك اللجان وليس من حولها من الحلفاء والمتعاونين فحسب. لجان المقاومة حاليا ليست هي التي ترتب الحشود والمواكب المستمرة فحسب (وفي هذا المجال أيضا اكتسبوا خبرة ميدانية مهمة وملموسة، فصارت أشكال المواكب مختلفة وتكتيكاتها متطورة واحتياطاتها كذلك)، وليست هي فقط تلك التي تضرب لنا أمثلة ناصعة للشجاعة التي تراهن على القيم والطموحات المتجاوزة للخوف وللموت معا.. لجان المقاومة أكثر من ذلك.

وكل هذا يستحق أكثر من مجرد لفت النظر، وأكثر من مجرد الاعتبار، فهذه عبقرية شعبية تتعلم كيف تعبّر عن نفسها، وتتداخل مع الحراك الثوري، وتظهر لنا في تجسيدات مهمة وفعالة. كما أن كل هذا لا يعني ان هذه التجربة كاملة مكمّلة، فهي بطبيعتها مليئة بالعثرات والتحديات وممكنات الفشل هنا وهناك، وفرص تحسين الأداء وتطوير الهياكل ومراجعة المسائل وتوسعة القدرات، إلخ، وكما ذكرنا فهي في طور تخلقها، ونهاية قصتها لم تُكتب بعد (إن كانت للقصة نهاية بالمعنى النسبي هنا، أو بمعنى انتهاء فصل من فصول القصة وبداية فصل جديد). هنالك الكثير المطلوب والمتوقع من اللجان، ومن الحراك الثوري الواسع الذي انخرطت فيه اللجان (والحراك الثوري أكبر وأوسع من اللجان، والفاعلون فيه أكثر من اللجان بكثير ولا شك). هنالك ثغرات كثيرة تحتاج لجهود متضافرة لسدها، وهنالك مناطق ضعف شتى تحتاج للمزيد من العمل والمزيد من الابتكار والمزيد من أشكال التنظيم والعمل.

لكن من المهم أن نتذكر، في خضم كل هذا، أننا نشهد التاريخ يُصنَع أمام أعيننا، ذلك إن لم نكن من المساهمين في تلك الصناعة (ولو بالقليل)، ما دمنا في خضم الأحداث وما دامت لدينا بعض حيلة وبعض مواقف (وكلٌّ حسب ماعونه وحسب بذله)، وهذا مقام خشوع وانتباه…. وللحديث شجون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى