أخبارأعمدة ومقالات

مستقبل السودان بين خياري الحوار الوطني والتدويل(الجزء الأول)

جمال عبد الرحيم صالح

لم يثر شعب السودان في ديسمبر الخالد، ويضحي أبناؤه بسيل من دمائهم الزكية، احتجاجاً على وضع إقتصادي بالغ البؤس، أو على تصرفات نظام حكم فاقد للأهلية  فحسب، وإنما استهدفت ثورته تلك وضع السودان في منصة جديدة بالكامل، أي قيام دولة مدنية ديمقراطية متحضرة، لها المقدرة على تجاوز إخفاقات الدولة السودانية بمختلف تجلياتها.

تحاول هذه  الورقة تحليل الوضع السياسي الراهن من زوايا مختلفة، وإبداء الرأي فيما يمكن عمله لتأمين الثورة لتحقق أهدافها في قيام سودان جديد متحضِّر تحكمه قيم العدالة، السلام، والديمقراطية. نسبة لطول المادة، ولتسهيل المتابعة للقارئ الكريم، فقد جزأناها، درءاً للملل ولمساعدة القارئ على التركيز، جزأناها  على خمسة فصول، يتناول كل منها موضوعاً منفصلاً، بيد أن هناك خيطاً يشدها جميعاً. تحاول الورقة في فصليها الأولين تقديم وصف مُركَّز لحصيلة ما تركته الإنقاذ من أسمال “دولة” بغرض إسكات أصوات بدأت تتحدث عن فشل حكومة الحرية والتغيير. والفصول هي:

  1. الحصاد المر للإنقاذ في الجانب السياسي والأمني.
  2. الحصاد المر للإنقاذ في مجال البنى التحتية وجهاز الخدمة العامة.
  3. مهام المرحلة الإنتقالية – الخطوط العريضة.
  4. ملامح فشل الإنقلاب.
  5. تحليل مواقف القوى الفاعلة في المشهد.
  6. الطريق لفتح الأفق المسدود.

 

(1)

الحصاد المر للإنقاذ في الجانب السياسي والأمني

* سيطرة حزب سياسي يتبنى أيديولوجية دموية ومعادية للإنسانية، يقف دليلاً على استباحتهم للبلاد، وسوء صنيعه، تلك الحروب التي أشعلها، مخلفة مئات الألوف من القتلى والجرحى والنازحين، والمئات من المتظاهرين السلميين الذين أغتيلوا بالتصويب على الرؤوس والصدور بدون وازع من دين أو ضمير. كما يقف شاهداً على عنفه ودمويته ما دار بأقبية جهاز استخباراته من تعذيب واغتصاب وقتل، واعترف بها حتى رؤوسه.

* تمزيق النسيج الاجتماعي في كافة أرجاء البلاد، والرجوع بها لمرحلة ما قبل الدولة الوطنية، حيث أصبح الانتماءات القبلية والعشائرية والجهوية تتدخل بقوة في العمل السياسي والإداري والتنفيذي.

* تمليك مقدرات البلاد ومواردها ومعلوماتها وملفاتها لفاسدين لا يملكون قدراً من الوطنية أو حتى الخلق القويم. من أمثلة ذلك، فعائل مدير عام مكاتب الرئيس، طه عثمان، التي فاقت أي مستوى يمكن أن يتخيله الإنسان من فساد مالي وأخلاقي وسياسي وسلوكي وصل مرحلة أن يكون مستشاراً لرأس دولة أخرى، في سابقة غير مألوفة، لا على المستوى الوطني أو الاقليمي أو العالمي؛ وبعد كل ذلك، وهو في موقعه الجديد، لم يوقف تدخله في شأن البلاد، بمباركة وموافقة من رأس النظام.

* نظام مكروه عالمياً، ومُقاطع من أعضاء ومؤسسات المجتمع الدولي المؤثرين، بسبب جرائمه ضد شعبه، وحضانته ومساعدته لأشخاص ومؤسسات خارجة على القانون الدولي.

* رئيس دولة فاقد للكفاءة ومطارد دولياً. لقد بلغت الاستهانة به، حتى في المجتمع الإقليمي، دعك عن المجتمع الدولي، مرحلة رفض القادة الأفارقة، تنصيبه رئيساً للإتحاد الأفريقي، في مؤتمر القمة الأفريقي الذي انعقد بالسودان، كسابقة لم تحدث من قبل، وذلك رغم ما أسبغه على أولئك الرؤساء من رشاوى. رئيس دولة، أرجعت طائرته من الجو، في أكثر من دولة، وبلغ الاستخفاف به حد أن يستقبله مسئولو الصف الثاني، بأطفالهم أحياناً، في دول الخليج في رحلاته التسولية الكثيفة.

* فساد مالي واسع النطاق، وتمكين للمقربين من السيطرة على موارد البلاد ومقدراتها للدرجة التي أصبح معها شقيق الرئيس، عبد الله البشير، والذي لا يحمل أي صفة رسمية معلومة، متواجداً بشخصه بشكل دائم في أخطر مؤسسات الدولة الإقتصادية، وأكثرها حساسية، كالبنك المركزي. تقف فضيحة أيمن المأمون، المحكوم بالسجن المؤبد بالإمارات، والعضو الأصيل في مجموعات القصر النافذة، شاهداً على مستوى الركاكة التي كانت تتسيد العمل الإداري والتنفيذي على أعلى مستوياته.

* إهانة البلاد وتاريخ شعبها، بإشراك جيشها والمليشيات المرتزقة بها، في حرب ليس للبلاد ضلعاً فيها. بل وصل الأمر مرحلة أن يطلب الرئيس حماية روسيا على مرأى ومسمع من العالم، متجاوزاً حتى البروتوكولات الشكلية، وما تقتضيه أصول اللياقة. كما وصلت المهانة حد أن تفتح أبواب مكتب الرئيس لمحتالين دوليين بدون خجل، كتلك المحتالة البريطانية التي ضحكت على جهاز دولة بكاملها، مدعية تكريم لاعب الكرة ميسي للرئيس بإهدائه قميصاً موقعاً باسمه؛ أو ذلك الروسي “المستهبل” صاحب شركة سيرين الروسية الذي وعد بتحويل 5 مليارات دولار لحل مشكلة البلاد الإقتصادية فور توقيع الحكومة لعقد انتاج الذهب معها.

* بؤس وجدب فكري لا يحتاج لإثبات، حيث خلا جراب النظام، عن أي انتاج فكري ذو شأن. صاحب ذلك ركاكة بالغة في الخطاب السياسي للنظام وقادته، بشكل جعل من أحاديثهم مصدراً للتندر.

* جهاز تنفيذي مسيَّس، تفتقر عناصره للكفاءة المهنية، ومُدار من قبل الأجهزة الأمنية المُسيَّسة هي نفسها، وبكل ما تملكه من صلاحيات غير محدودة. يقف شاهداً على مستوى مهنيته، ذلك الإدعاء الفريد من نوعه، لمدير جهاز الاستخبارات، وهو يتحدث في العلن، عن رصده بواسطة القمر الصناعي (للجهاز فيما يبدو) لفتاة شيوعية تطلق النار من بندقية محمولة في حقيبتها على أحد شهداء الثورة!ّ

* منظومة عدلية مُسَيَّسة لحد كبير، يقف شاهداً على ذلك، فشلها في تحقيق العدالة لضحايا دارفور وإنتفاضة سبتمبر 2013 وغيرها كثير.

* صراعات قبلية وجهوية، واسعة النطاق، وبتدبير سياسي وأمني، راح ضحيتها مئات الآلاف من القتلى والجرحى والنازحين. لم تكتف السلطة بإشعالها فقط، بل واصلت تأجيجها وتعقيدها عبر استخدام أساليب شراء ذمم قيادات الحركات المسلحة وزرع الألغام الموقوتة وسط تنظيماتهم.

* إضاعة فرصة ذهبية كان من الممكن أن تضع البلاد في مسار الإزدهار الإقتصادي، وذلك بإهدار عوائد البترول التي ضاعت بسبب الفساد، وغياب منظومة حكم فاعلة لديها رؤى وأهداف تنموية.

* تبديد الموارد عبر إنشاء منظومات اقتصادية عسكرية وأمنية بمليارات الدولارات، بدون دراسة لجدواها الإقتصادية والإجتماعية، تزاحم القطاعين العام والخاص في كل الأنشطة الانتاجية والمالية والخدماتية: مصانع، مشروعات زراعية، مصارف، وشركات صيرفة ومقاولات وتوزيع مواد بترولية، وكل ما يخطر على البال.

جيش نظامي مكتظ بقدر كبير من منتسبي الحركة الإسلامية، وتم إضعافه بشكل ممنهج لإفساح المجال لمليشيات الحركة والمرتزقة، كما تم تغيير عقيدته العسكرية، وإلغاء الكثير من قواعد الحرب والاشتباك، لدرجة أصبح معها قتل الأسرى والجرحى ممارسة سائدة تجد التشجيع والمؤازرة من زبانية الحركة الإسلامية من ذوي الحلاقيم الضخمة.

تكوين جيش من عشرات الألوف من المرتزقة الذين تتمثل عقيدتهم العسكرية في حماية عائلة وضعت تحت يديها قدرات دولة كاملة موازية “للدولة السودانية”، حيث لا أحد، كبر أم صغر، يملك الحق في التساؤل عن مصدر وحجم مواردها وكيفية الحصول عليها.

(2)

الحصاد المر للإنقاذ في مجال البنى التحتية وجهاز الخدمة العامة

* طرق داخلية بالمدن وبين الولايات بعيدة بالكامل، من سؤها، عن أن تصنف تحت أي معيار هندسي، حيث تغيب عنها حتى اشارات المرور في حدها الأدنى. وفوق ذلك تكتظ بأكثر أشكال الإنتقال بؤساً، حيث يكاد لا يخلو شارع رئيسي من العربات التي تجرها الدواب.

* شبكة سكة حديد معطوبة بالكامل تقريباً، رغم انفاق مئات الملايين من الدولارات لـ “تحديثها”!

* ناقل جوي وطني إندثرت معالمه، لازمه ضعف كفاءة في إدارة عمليات النقل الجوي بالبلاد لدرجة جعلت السودان ساحة لأسوأ حوادث الطيران على مستوى العالم، على قلة ما يمتلكه من طائرات.

* مدن وقرى تفتقد بلا استثناء لأي خدمات صرف صحي وتصريف لمياه الأمطار.

* أزمة طاقة كهربائية، تعاني منها المدن والأرياف، رغم انفاق مليارات الدولارات على سدود ومحطات توليد حراري كان من المؤمل أن تحل أزمة الطاقة الكهربائية. يقف دليلاً على ذلك التردي ضياع 650 مليون دولار أمريكي على محطة كهرباء الفولة، التي لا تزال معداتها ملقاة في العراء رغم مرور حوالي 10 سنوات من وصولها.

* أزمات حادة في مياه الشرب النظيفة بالمدن، دعك عن الأرياف. يكفي أن يكون الرئيس المخلوع قد وعد أهل الشرق أربعة مرات بإمداد مدنهم الرئيسية، بما فيها الميناء الرئيسي للبلاد، إمدادهم بالماء من مياه نهر عطبرة، بدون أن يفي بأي من تلك الوعود.

* أسواق عامة تفتقد لأبسط عناصر التنظيم والنظافة وتتراكم النفايات في جميع أرجائها. منافذ بيع مظللة ببقايا الجوالات الممزقة، ومعظم الباعة بها جعلوا من العراء مقراً لهم، بل أن أسواق الماشية الرئيسية انتقلت لجنبات الشوارع الرئيسية في عاصمة البلاد.

* نظام تعليمي ضعيف من جميع النواحي، مقررات بالية ومؤدلجة، مدارس عامة تفتقر لأبسط المقومات، من حيث الاجلاس والمناشط والمرافق الصحية، لدرجة أن العملية التربوية والتعليمية، في كثير من أنحاء البلاد تتم في العراء، والتلاميذ جلوساً على الأرض، تحت ظلال الأشجار. أما المدارس الخاصة، والتي باتت تضم نسبة عالية من الطلاب، نسبة لعدم رضاء ذويهم عن مستوى المدارس الحكومية، فغالبيتها العظمى عبارة عن منازل وشقق مستأجرة، بكل ما يتمخض عن ذلك من ضعف في العملية التربوية والتعليمية.

* مستشفيات عامة تفتقر للمقومات التي تمكنها من أداء دورها، ويعاني أطباؤها انعدام المعينات اللازمة، وتخلو مخازنها من أهم مطلوبات العلاج، مثالاً على ذلك التدهور وفاة العشرات في مناطق المناصير نتيجة لعدم وجود الأمصال الخاصة بمعالجة سموم العقارب. كما يقف شاهداً على الضعف المهني للقيادات في هذا القطاع، درجة تحول قضايا مهنية وعلمية لا تحتمل الجدل، لتصبح باباً للسجال في الصحف، كقضية المحاليل الوريدية الهندية، والدواء الإماراتي، وغيرها كثير.

* مناطق صناعية شبه منهارة نتيجة لعدم توفر الكهرباء اللازمة لتحريك عجلة الانتاج، والصعوبات التي تواجهها المصانع في في توفير المواد الخام، إضافة لجبايات الدولة. يقف شاهداً على ذلك، توقف الأغلبية الساحقة من مصانع النسيج والجلود التي كانت بمثابة مدن تستوعب عشرات الالاف من العمال والمهندسين، بل منها ما تم التخلص من معداته، الباهظة التكلفة، كخردة.

* تدهور الانتاج الزراعي الذي يشهد عليه ما آل إليه مصير مشروع الجزيرة ومشروع سندس، وتبديد مئات الملايين من الدولارات في مبادرات وهمية كالنفرة الزراعية والنهضة الزراعية.

* انعدام أي مبادرات خلال حكم الإنقاذ، لتنويع التشكيلة الإقتصادية مثل تطوير قطاع السياح.  في الواقع فإن ما كان موجوداً تم تخريبه، يشهد عليه ما أصاب محمية الدندر الطبيعية، وانطفاء المبادرات الخاصة بتطوير شواطئ البحر الأحمر الجاذبة، والتدهور في مستوى المتحف القومي، الذي انقطع الزوار عنه لما أصابه من بؤس.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى