أخبارأعمدة ومقالات

ذكرى التحرر

أمل محمد الحسن

ذكرى التحرر

أمل محمد الحسن

الثلاثين من يونيو، مثّلت ذكرى كابوس عاشه الشعب السوداني على امتداد ثلاثة عقود كاملة، لنظام ديكتاتوري فاشي مستبد وفاسد. حكم باسم الدين؛ فجرّده من كل قيمه السمحة النبيلة؛ وحوله لشعارات جوفاء تتردّد بلا روح!

الثلاثين من يونيو للعام 1989م لكل من شهد أو تابع عبر تسجيلات اليوتيوب، رسّخت في ذاكرة الشعب السوداني عداوة ونفوراً ضد المارشات العسكرية التي أعلنت استلام العسكر للسلطة ذابحين الديمقراطية الثالثة في مهدها.

كان عهداً سلطوياً شرّعوا فيه القتل والنهب لخيرات البلاد، وأسوأ ما حدث كان سياسة التمكين للمنتمين لحزب المؤتمر الوطني الحاكم في مؤسسات الدولة، وكان لهم دون غيرهم المناصب والمكاسب مقابل الحكم على بقية أبناء الشعب بالتشريد في دول العالم!

استمر الحكم الإسلاموي الذي قبض على السلطة بقوة الحديد والنار، فقتل كل من حاول الانقلاب أو الثورة ضد النظام حتى هبّت ثورة ديسمبر المجيدة التي قال فيها الشعب السوداني كفى!

كفى للقتل والحرق وتشريد أهالي دارفور وكردفان والنيل الأزرق. كفى لتسلّط قلة سرطانية نهشت الدولة ومزّقتها وتركتها أفقر دول العالم وأكثرها فساداً، أسقطهم الشعب وأودعهم السجون!

ولأن الشعب الحليم عندما يغضب يزلزل الأرض تحت أقدامه، اعتصم أمام القيادة العامة للجيش، وقدّم نموذجاً نادراً في الصمود أجبر كل العالم على الاحتفاء به وتقديره.

الثلاثون من يونيو للعام 2019م كان بداية عكس احتفالات ما يعرف بالإنقاذ الوطني التي تحولت لـ”مأكلة” ويوم باهت، إلى يوم تاريخي للشعب السوداني أجبر فيه لجنة البشير الأمنية على الجلوس في المفاوضات انصياعاً لرغبة المواطنين التواقين للحرية والانعتاق.

أما الثلاثين من يونيو للعام 2022م فقد كان حدثاً مزلزلاً لا يشبهه يوم آخر! خرجت فيه جموع المواطنين هادرة غطت الشوارع والطرقات في العاصمة والولايات. على الرغم من قطع خدمات الاتصالات والانترنت وإغلاق الجسور بالحاويات إلّا أن الشعب كله كان على الموعد والوعد!

واجهت السلطات الناس بقمع مفرط وبدأ سقوط الإصابات بالعشرات منذ بدايات الموكب دماء ودموع لم تزد الناس إلّا إصراراً على المتابعة والصمود والتقدّم في مشاهد مهيبة تقشعر لها الأبدان!

تمكّن الثوار من إبعاد الحاويات من على الجسور وتمكن ثوار أم درمان من وضع البصات تروساً أمام القوات النظامية وكان التقدّم عنوانه البسالة في مشاهد لن يفكر فيها أعظم مخرجي الأفلام السينمائية الهوليوودية!

كنت شاهدة عيان على خروج جميع أحياء أم درمان إلى الشوارع، من لم يملك القدرة على السير من كبار السن جلس في الطرقات وأمام المنازل.

معظم البيوت كانت مشرعة أمام الثوار خاصةً في حي العباسية، وضع الجميع حافظات المياه الباردة والعصائر في طريق الثوار. وكالعادة في كل موكب كان راكبو الدراجات النارية هم منقذو الأرواح، جيئةً وذهاباً بين مقدّمة الموكب ناحية البرلمان إلى مستشفيات أم درمان ووعد والأربعين، حملوا المتظاهرين على ظهورهم للاسعاف.

الثلاثين من يونيو أضافت على أحاسيس الفخر بالانتماء للشعب السوداني الكثير والكثير، مشاهد من العزة والأنفة والكبرياء تجعلك تريد الالتصاق بهؤلاء الناس وتقول بفخر إنك تنتمي لهذا الشعب العظيم، “كيف يكون الحال لو ما كنت سوداني؟”.

مثّل الثلاثين من يونيو استفتاءً شعبياً خالصاً لرفض الانقلابات العسكرية وتسطيراً لبسالة وصمود وشموخ شعب على الرغم من فاقته وعوزه وجوعه، خرج حاملاً روحه رخيصةً وعزيزةً يقدِّمها فداءً لخلاص الوطن!

“ما بتحسوا.. ما بتحسوا” عبارة كرّرها رجل كبير في السن أمام كاميرات قناة الجزيرة التي نقلتها وكرّرتها، فهل هناك من بين الجالسين على مقاعد السلطة من يملك إجابة لهكذا سؤال؟

في الثلاثين من يونيو قال الشعب كلمته، خياره الرافض بصوت عالٍ يسمع من به صمم! فهل يسمع العسكر: السلطة سلطة شعب والعسكر للثكنات والجنجويد يتحل؟

عبقرية الشعب السوداني تمكّنت من عكس ذكرى الاستبداد وتحويلها لذكرى تحرّر، تاريخٌ سيظل يزلزل الأرض تحت أقدام أي مستبد.

مواكب الثلاثين من يونيو المليونية أرسلت رسالة واضحة للانقلابيين بأن الشعب لن يرضخ ولن ينصاع! ورسائل في بريد من يتحدّث بصوت من يسموهم بالأغلبية الصامتة، خرجت الأغلبية وهتفت بعلو صوتها لا للانقلابات!

المليونية التي اجتهد الانقلابيون في خنقها والتعتيم عليها في سلوك يشبه طريقة المخلوع الذي حلّل لنفسه نهاية أيامه قتل ثلث الشعب خرج وصمد وقال كلمته، لا لانقلاب البرهان ولا للكيزان، ولا لأي انقلاب عسكري آخر في مستقبل السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى